كتاب دور الام في جنسية الاولاد

كتاب دور الام في جنسية الاولاد

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 9:22 am

[align=center]الجنسيـــة
و
دور الأم فى جنسية أولادها
دراسة فى الفقه الإسلامى
والمواثيق والقوانين المعاصرة
( دراسة مقارنة )


دكتور
أحمد محمد أحمد بخيت
كليـة حقوق بنى سويف – جامعة القاهرة
الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية
فى العلوم القانونية للعام 2001م
الطبعة الأولى
1422هـ – 2001م

الناشر
دار النهضة العربية
32 شارع عبد الخالق ثروت – القاهرة[/align]



[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمـــــة[/align]الحمد لله الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأنزل عليه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. والصلاة والسلام على خير خلق الله وخاتم رسله محمد بن عبد الله  ، رسول الله إلى العالمين ، وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وكل من اهتدى بهديه ، والتزم سنته إلى يوم الدين.
وبعد
فإنه فيما أنزل الله سبحانه وتعالى فى كتابه قوله " كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز " ( ) ولا شك أن من رزقه الله سلامة البصر ، ونفاذ البصيرة ليدرك أنه كلما حزب الناس أمر هرعوا إلى شرع الله الخالد يلتمسون منه حلا بعد أن أعيتهم الحيل العقلية فى الظفر بحل يرضى عواطف المسلمين ، ويحفظ مصالحهم ، يفعلون ذلك مع أنهم فى كثير من النظم القانونية استبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير ، ورضوا بالحلول المستوردة عن العلاج الشافى ، والهدى الكافى.
فعلى أثر المشكلة التى نجمت عن بعض الزيجات الخربة بين مصريات، وأجانب ، عربا وغيرهم ، تعالت الصيحات بالتسوية بين دور الرجل والمرأة فى جنسية أولادهما ، ولم يجد المتبارزون سلاحاً أمضى من المعانى الشرعية لتلهب الحماسة ، وتستجدى العطف ، وتستميل القلوب ، وكان عجبا أن يتنافس المؤيدون والمعارضون بأدلة وحجاج شرعية فى مسألة مبناها التام – فى ظن أصحابها – على أسس علمانية خالصة.
ولما كان أكثر المؤيدين والمعارضين من غير المختصين فى علوم الشريعة الإسلامية ، فإنهم – ولهم العذر – لم يوفوا البحث الشرعى حقه ، فجاءت أحكامهم خاطئة أحيانا ، ومفتقدة التسبيب والاستدلال الدقيقين فى أكثر الأحوال ، الأمر الذى أغرانى بأن أخوض غمار البحث فى هذه المشكلة ، ومن منظور الفقه الإسلامى بوجه خاص.
وما إن منّ الله علىّ وكلفنى أساتذتى بمعالجة هذه المسألة كبحث مرجعى حتى شرعت فى تناول الموضوعات المبسوطة فى الصفحات التالية .
وقد حرصت ما وسعنى جهدى أن لا آلو ، ولكن ضيق الوقت حرمنى كثيرا من التقصى والاستقراء فى أمور هى – بحق – شائكة ، وتحتاج فى سبر غورها لمزيد من الاطلاع والبحث والتأنى فى التقدير ، فأثبتّ من الأحكام ما غلب على ظنى سلامتها وصلاحيتها ، ونبهت فى بعض المواطن إلى ما خشيت أن يكون تعجلا فى التقرير ، أو خطأ فى التقدير ، وفى كل حال فإننى تحريت أن يكون لى فى كل مسألة متبوع عسى أن يكون الله تعالى قد رزقه من طمأنينة النظر ، ودقة التقدير ما لم أرزقه ، وعلى الله قصد السبيل ، وهو حسبى ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.


المبحث الأول
الجنسية بين الشريعة والقانون
تعريف وتقسيم :
الجنسية بإطلاقها المعاصر اصطلاح حديث فى لغة القانون يرجع إلى أواخر القرن الثامن عشر ( ) ، بل إنه على التحقيق مجرد اصطلاح لا يدل على المعنى الذى يتصور أنه مشتق منه ، وفى الوقت نفسه لا يطابق الأصل الذى اشتق منه بالفعل ، فلا هو علامة على جنس ، ولا يفيد الانتماء إلى أمة ، وإن كانت اللفظة Nationalite أى جنسية مشتقة من كلمة Nation ومعناها أمة( ).
وقد اصطلح الفقه والقضاء على أن الجنسية هى " رابطة سياسية وقانونية بين الفرد والدولة "( ).
ويسلم الفقه القانونى ( ) أن فكرة الجنسية " هى على وجه اليقين ثمرة من ثمرات وجود دول متعددة فى المجتمع الدولى ، إذ لا يخفى – والعبارة لهم – أن افتراض اختفاء ظاهرة تعدد الدول فى هذا المجتمع ، وقيام ما يمكن تسميته بالدولة العالمية ، لا بد وأن يقترن به تلاشى فكرة الجنسية بمعناها المتعارف عليه ، لانتفاء الحاجة إليها حينئذ ".
ويمكننا أن نقول أيضا إن هذه الحاجة تنتفى متى أمكن الأسرة الدولية أن تسمو على الأثرة ، وحبس الخيرات على النفس ، ومتى منّ الله على الجميع بخلق التواضع ونبذ الاستعلاء ، ومتى أيقنت الحكومات جميعها أن الولاية محض تكليف لخير المولى عليهم ، ومتى تغير خلق العالم إلى نبذ العداء فكرة وواقعا ، وتحقق فيه التعاون الصادق على البر والتقوى ، ولكن يبدو أن كل هذه أمان لن ينالها المجتمع البشرى ( ) فالله تعالى يقول " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " ( ) ويقول " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " ( ) ويقول " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون "( ).
وإذا صح تصور الواقع كذلك ( ) فإن فكرة الجنسية ستبقى ، كما أنها ليست حديثة حداثة المصطلح ، لأن غاية الجنسية التفرقة بين الوطنى والأجنبي ، وهذه الظاهرة عرفتها الأنظمة القانونية منذ الأحقاب القديمة ، وإن كان التحديد الدقيق لدلالة هذه الظاهرة قد خضع لتطور مستمر على مر التاريخ ( ).
وكان مقتضى الواقع قديما وحديثا ، وكما هو ظاهر المشيئة الإلهية – فى ضوء الآيات التى تلونا – ألا يظن ظان – خصوصا من العرب المسلمين – أن الإسلام كشريعة – أو نظام قانونى – لم يتعرف على فكرة " الرابطة بين الفرد والدولة " أو ما اصطلح عليه بالجنسية ، ولكن هذا الظن قد وقع فعلا ، فأنكر البعض تعرف الإسلام على فكرة الجنسية .
كما أن الكثرة وإن أقرت وجود الفكرة فى الوعى الإسلامى إلا أنها قصرت هذه الرابطة على فئة المسلمين دون غيرهم ، وعممها البعض ولكنهم اختلفوا فى الأساس الذى تبنى عليه الرعوية – الجنسية – الإسلامية .
ومعلوم أن البحوث المتعلقة بهذا الموضوع قد أصبحت بفضل الله وفيرة، وشائعة الانتشار ، لهذا فإننى سأعرض له بالقدر الذى يفى بحاجة البحث.

المطلب الأول
فكرة الجنسية من منظور الفقه الإسلامى
-1-
فكرة الجنسية فى الوعى الإسلامى
على خلاف ما يرى جمهور الفقهاء والشراح ( ) فإن نفرا من المعنيين

بالبحث الفقهى ( ) والقانونى ( ) يرون أن المسلمين لم يتعرفوا إلى فكرة الجنسية، بل إن الإسلام ذاته يقوم على أساس من عالمية الديانة التى لا تقيم حدوداً أو تميزا بين البشر ، الأمر الذى يتنافى وضيق فكرة الجنسية ، بل لا يتصور منطقيا أن ينطوى هذا المعنى العالمى فى الإسلام بما يتضمنه من مفهوم أوسع تحت مفهوم أضيق ، وهو الجنسية .
وفى رأى الكثرة فإن الجنسية "كرابطة" وإن لم تجر كاصطلاح فى الفقه الإسلامى ، إلا أنها عرفت كمفهوم يربط بين الفرد والدولة ، والدليل على ذلك أن الدولة عرفت فى الشريعة الإسلامية كدعوة إلى إقامتها ، وكدولة واقعة بالفعل ، وهى التى سماها الفقهاء " دار الإسلام " ، كما أن عناصر الدولة من شعب وإقليم وحكومة توافرت فى دار الإسلام ، فشعب الدولة الإسلامية هم من يوصفون بأنهم " أهل دار الإسلام " وهؤلاء مرتبطون بالدولة ارتباطا خاصا لا يشبه ارتباط الفرد بالفرد ، كما لا يشبه ارتباط الفرد بالأمة – بالمفهوم الحديث – لأن الأمة وإن لم تكن فردا إلا أنها ليست منظمة سياسية ، وهى رابطة قانونية ، إذ تنتج آثار قانونية يرتبط بها الفرد والدولة ، وقد نظم الفقهاء هذه الأحكام بما لا يدع مجالا للشك حول تعرفهم على فكرة الجنسية ، غاية ما هنالك أنهم لم يسموها كذلك ، وعدم التسمية لا يعنى عدم وجود هذه الرابطة بين الفرد والدولة الإسلامية ( ).
والواقع أن القول بعالمية الإسلام صحيح باعتبار الإسلام دعوة إلى الناس كافة ، ولكنه لا ينفى وجود فكرة الجنسية كرابطة ، بدليل أن الشريعة الإسلامية تدعو إلى قيام الدولة الإسلامية ، وتحرص على ذلك ، وتدعو معتنقيها إلى التحول إلى هذه الدولة ، ولعله من فضول القول التذكرة بأنه ما إن هاجر النبى  إلى المدينة ، حتى أقام دولة الإسلام بعد أن توافرت العناصر الأساسية لقيام المجتمع السياسى ( ) وحسب القارئ النظر فى الصحيفة ( ) التى كتبها النبى  قبل أن ينصرم العام الأول من الهجرة ليدرك أن عمر الدولة الإسلامية من عمر الإسلام ذاته ، وأنها تشكلت من بطون وأمم – من اليهود – لا مراعاة فيها للأصل المشترك ، بل ولا لوحدة العقيدة كما سنرى فيما سيلى .
- 2-
الاصطلاح الإسلامى على الرابطة بين الفرد والدولة
جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم يقوم على مسئولية الحاكم وطاعة المحكوم ، وبتدبر هذا المعنى يظهر أن أوفى الألفاظ دلالة عليه هو لفظ " رعية" أو " رعوية".
ولا شك أن المؤمنين بعصمة النبى  ووجوب طاعته يدركون يقينا أن النبى  أفصح العرب لأنه " أعطى جوامع الكلم" ( ) وكان هذا من جملة ما فضل الله به خاتم الأنبياء على النبيين من قبله.
ومعنى ذلك أن لفظة يجرى بها اللسان النبوى لهى الأدق دلالة على المعنى ، والأبعد عن شائبة الاختلاط بمعان قد لا تكون مقصودة من المتكلمين ، وكما أخبر ربنا سبحانه وتعالى فإن سلامة اللفظ من العوج فى الدلالة ، والالتواء فى المعنى من خصائص حفظ البيان ، وقد حص الله اللسان العربى بالإبانة وعدم العوج قال تعالى " وإنه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربى مبين "( ) وقال " قرآنا عربيا غير ذى عوج لعلهم يتقون "( ) " ومصطلح " مبين " مشتمل على الإبانة والبيان ، والبيان يعنى فيما يعنى ، الظهور ، والوضوح ، وعدم اللبس ، والخفاء ، والغموض ، كما تعنى الإبانة أيضا ما تمتلكه اللغة العربية ، لغة القرآن ، من الغنى والخصوبة ، إلى جانب الوضوح فى الدلالة ، التى تمنحها القدرة على التعبير والإفصاح عن كل ما يخامر العقل وتزخر به النفس البشرية من المعانى والأحاسيس ، حتى المتقاربة والمتجاورة والمتشابهة منها ، ذلك أن كثرة المفردات وخصوبة المترادفات دليل على قدرة اللغة على التعبير عن كل ما يختلج فى النفس من المعانى ، وعدم المعاناة من الاحتباس والعجز عن البيان عن أية حالة نفسية أو شعورية "( ).
أما وأن النبى  أفصح العرب ، وحديثه وحى ، وخلقه القرآن ، فإن اصطلاحا يجرى به لسانه الشريف لهو واجب الاتباع ، وإن لم نجده بلفظه فى الوحى المتلو ، لأن " الحديث النبوى لم يخرج عن منهجية القرآن فى ضبط معانى ومفاهيم المصطلحات ، أو إعطائها مضامين ودلالات جديدة "( ) .
وفى عجلة من البحث ومن غير تقص كاف وجدت أن النبى  قد استعمل لفظ " الرعية " فى الرابطة السياسية والقانونية وقد جمع المنذرى ( ) فى ذلك عدة أحاديث ، مما يقطع بثبوت الاستعمال .
ففيما روى الشيخان رضى الله عنهما بسنده إلى بن عمر رضى الله عنهما قال : سمعت رسول الله  يقول : " كلكم راع ومسئول عن رعيته : الإمام راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع فى أهله ومسئول عن رعيته ، والمرأة راعية فى بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ، والخادم راع فى مال سيده ومسئول عن رعيته ، وكلكم راع ومسئول عن رعيته ".
وعن أنس بن مالك  قال : قال رسول الله  " إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أن ضيع ".
وفيما روى الطبرانى والبزار عن أنس  قال : قال رسول الله  يجاء بالإمام الجائر يوم القيامة فتخاصمه الرعية فيفلجوا – أى يظهروا عليه بالحجة والبرهان ، ويقهروه حال المخاصمة – عليه ، فيقال له : سدّ ركنا من أركان جهنم " قال المنذرى : وهذا الحديث مما أنكر على أغلب بنى تميم .
وفيما روى ابن ماجة والطبرانى عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى  قال " السلطان ظل الله فى الأرض يأوى إليه كل مظلوم من عباده ، فإن عدل كان له الأجر وكان على الرعية الشكر وإن جار ، أو حاف ، أو ظلم كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر …."
وعن معقل بن يسار  قال : سمعت رسول الله  يقول " ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية ، يموت يوم يموت ، وهو غاش رعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة ".
وفى رواية " فلم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنة " قال المنذرى رواه البخارى ومسلم .
وفى رواية للطبرانى عن عبد الله بن مغفل المزنى قال : أشهد لسمعت رسول الله  يقول " ما من إمام يبيت عاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ، وعرفها يوجد يوم القيامة مسيرة سبعين عاما ".
ومع تعدد الروايات بذات اللفظة يتأكد لنا أن اللفظة مقصودة ، بل إن المدقق فى خطابات النبى  ليرى أن النبى  لم يخلع هذه الصفة " الرعية " على الرابطة الاجتماعية ، أو تلك التى يكون أساسها " الجنس" ويتبدى لنا ذلك من صياغة رسائل النبى  إلى ملوك وأباطرة العالم القديم .
ففى كتابه  إلى هرقل ملك الروم يقول " فإن توليت فعليك إثم الأديسيين" ( ) وفى كتابه إلى كسرى ملك الفرس " فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك"( ) وفى كتابه إلى المقوقس حاكم مصر " فإن توليت فعليك إثم القبط"( ).
إذ بالجمع بين الاستخدامين يظهر أن النبى  عبر " بالرعية " عن تلك الرابطة التى لا تقوم على أساس الجنس أو العرق أو اللون ، بل والأرض ، وإنما تقوم على أساس التعارف والامتزاج ووحدة الشعور ، والإيمان بوحدة المصير ، وتبادل المسئوليات ، وأغفل عن قصد هذا التعبير فى رسائله ، لأن علاقة الأريسيين ( ) بالإمبراطور الرومانى كانت على أسوأ ما تكون ، فلم يكن القائم بمصالحهم العادل فيهم ، ولم يكونوا ممن يرجون صلاحه ويشاركونه آماله، فهو وهم على طرفى نقيض فى الشعور والأمانى .
وعلاقة قيرس الأرمينى الملكانى – والذى اشتهر بالمقوقس – بالقبط كعلاقة الإمبراطور البيزنطى هرقل بهم فقد أغرق المصريين فى بحر من العذاب ، ولطالما سعى إلى قهرهم على اتباع العقيدة الملكانية ، وهجر الأرثوذكسية ( ).
أما المجوس فقد أذلهم الفرس حتى أمات الظلم والتحكم نخوتهم وفرض كسرى الذلة عليهم ، وتوزعتهم سيادة الأشراف إذا تزايلت أو وهنت سلطة الملك، وانتقل الشعب من الذل والهوان الملكى إلى ذل الأرستقراطية ، وهوان الناس فى ظلها ( ).
وواضح فى هذه النماذج أن أية دعوى بوحدة الشعور والأمانى والمسئولية المتبادلة مما يكذبها التاريخ وتردها وقائعه الثابتة ، ولما كان رسول الله " لا ينطق عن الهوى " ( ) فإنه قد عبر عن كل حالة بما يناسبها ، وأبى أن يخلع على هذه الروابط صفة " الرعوية " لأنها تفتقد الانتماء السياسى ، ولا تكفل الحقوق وتبادل المسئوليات.

-3-
ثبات اصطلاح الرعية فى التعبير الإسلامى
وفى عجلة من البحث أيضا نجد سلفنا الصالح من الخلفاء والعلماء يصرون عليه فى أمرهم واجتهادهم . فمحدث الإسلام وفقيهه الأول الفاروق عمر  يقول " الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله ، فإذا ارتع الإمام رتعوا"( ) ويقول فى عام الرمادة " كيف يعنينى شأن الرعية إذا لم يصبنى ما أصابهم " ( ).
وأكثر ما أجد ذكر الرعية فى وثائق فتى الإسلام على بن أبى طالب كرم الله وجهه وهو أقضى القضاة ، ومستشار عمر ، ورابع الخلفاء الراشدين كتب – وهو يومئذ خليفة – إلى عامله على البصرة ( ) يقول : ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض ، فجعلها تتكافأ فى وجوهها ، ويوجب بعضها بعضا ، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض ، وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالى على الرعية وحق الرعية على الوالى ، فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل فجعلها نظاما لألفتهم ، وعزا لدينهم ، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ، ولا يصلح الولاة إلا باستقامة الرعية ، فإذا أدت الرعية إلى الوالى حقه ، وأدى الوالى إليها حقها ، عز الحق بينهم ، وقامت مناهج الدين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على أذلالها السنن فصلح بذلك الزمان ، وطمع فى بقاء الدولة ، ويئست مطامع الأعداء ، وإذا غلبت الرعية واليها ، أو أجحف الراعى برعيته اختلفت هنالك الكلمة ، وكثرت معالم الجور ، وكثر الإدخال فى الدين ، وتركت محاج السنن ، فعمل بالهوى ، وعطلت الأحكام ، وكثرت علل النفوس ، فلا يستوحش لعظيم حق عطل ، ولا يعظم باطل فعل ، فهنالك تذل الأبرار ، وتعز الأشرار ، وتعظم تبعات الله عند العباد "
وكتب إلى عامل آخر محذرا " وإياك والمن على رعيتك بإحسانك والتزيد فيما كان من فعلك .."( )
ولفظة يجرى بها اللسان النبوى الشريف ، ويمضى بها خطاب الراشدين لا يتصور أن يغفل عنها المجتهدون ، وقد ثبت يقينا أنهم يتخيرون من الألفاظ أدقها ، لا عن إبداع فكرى ، ولكن عن تربية قرآنية ، فقد تعبدهم ( ) المولى بقوله " يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا .." ( ) وقوله " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم "( ) فقوم اللسان المسلم فى النطق والكلام ، بانتقاء أحسن الألفاظ وأبلغها فى أداء المعنى ( ).
وقد جاءت مصنفاتهم شاهدة على ذلك ، فلم أقف فيما طالعت على استعمال فقهى للفظة هى أقرب ما تكون إلى معنى " الرعية " ألا وهى لفظة "وطنى" أو " مواطن " ، ولا يظن ظان أن ذلك لم يقع لأن اللفظة كانت مهجورة فى كلامهم ، لأننا وجدنا فى كلام الأولين منهم والمتأخرين استعمالاً للفظتى "الوطن" و"التواطن" فى معنى اكتساب "الرعوية" بالإقامة ، أو الصيرورة من أهل الدار ، ومن ذلك مثلا قول السرخسى ( ) " الحربية المستأمنة إذا تزوجت مسلما أو ذميا فقد "توطنت" وصارت ذمية ، لأن المرأة فى السكن تابعة للزوج ، ألا ترى أنها لا تملك الخروج إلا بإذنه ، فجعلها نفسها تابعة لمن هو فى دارنا رضا " بالتوطن" فى دارنا على التأبيد" ، وفى البدائع ( ) "فإن أقام سنة من يوم قال له الإمام – أى أمره بالخروج – أخذ منه الجزية ، ولا يتركه يرجع إلى وطنه"، وفى الأحكام السلطانية للماوردى ( ) "ولا يسقط عنهم بهذا الخراج جزية رقابهم لأنهم صاروا أهل ذمة مستوطنين" ، وعند البابرتى فى العناية ( ) ولأبى حنيفة  أنه بالأسر صار تبعا لهم معنى ، وأهل الحرب أصول ، والأصول غير معصومين ، فكذلك الأتباع …. وصار كالمسلم الذى لم يهاجر إلينا ، بجامع تبعية أهل الدار بالتواطن".
إذن فالأصل معروف مستخدم ، ولكن لم ينسب إليه فيقال "وطنى" و "وطنيون" كما قيل "رعية" و "رعايا" – وأظن ذلك عن عمد – لأنه قاصر الدلالة من غير وجه :
1- فهو أولا يفيد تغليب الانتماء إلى الأرض ، وهذا الانتماء فى منظور الشارع دون الانتماء إلى جماعة المسلمين ، ولهذا ذم الله تاركى الهجرة واختيار مجاورة الكفار من غير ضعف عن حيلة ، وعجز عن اهتداء السبيل .
قال تعالى " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها…" ( ) وقال  " أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين . قالوا : يا رسول الله لم ؟ قال : لا تراءى ناراهما "( ) .
2- أن "الرعوية" تثبت للمسلم بإسلامه لقول النبى  " إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم "( ) وما طولب بالهجرة إلا لتبعيته لأهل دار الإسلام ، وفراراً بدينه من أحكام الكفر ، وأمانا من الفتنة ، واستقراراً للنفس وتمتعا بحقوق الرعوية ووفاء بواجباتها ( ) .
وكثرة النصوص الواردة فى تقرير هذا الأصل – أى الانتماء المنبثق من العقيدة – مع وضوحها وعمومها تقطع بما لهذا الأصل من أهمية فى تحديد شعب الدولة الإسلامية ، وضعف أهمية مجرد التبعية للسلطة والإقامة فى الإقليم فى التأثير على تحديد ماهية الشعب المسلم ( ).
3- أن مجرد "التوطن" الخالى عن الرغبة فى الانتماء إلى النظام السائد فى الإقليم على وجه التأبيد، وعن مشاركة الجماعة آمالها وأمانيها ، وتحمل مسئولياتها ، لا قيمة له ، ولهذا لا يقبل من أهل الذمة إلا أن يفوا بما اشترط عليهم، فإن هم حفظوا ذلك ورعوه وأدوه إلى المسلمين فلهم ما للمعاهد ، وعلينا المنع لهم ، وإن هم خالفوا فلا ذمة لهم ولا أمان ( )، وفى عبارة بعض العلماء "عقد الذمة لا يصح إلا إذا قبلوا أن يكونوا بحيث تنالهم الأحكام الشرعية "( ).
وسيتضح لنا قصور هذا المصطلح " وطنى " على وجه أوضح فى المطلب التالى.
ونتيجة هذا القصور فإن فقهاءنا قد هجروا عمداً اصطلاح "وطنى" مع ما للإقليم من أهمية فى وجود الدولة ( ) ، ودرجوا على الاصطلاح النبوى "رعية" لعمومه ، وتجرده من كل شائبة انتماء عنصرى ، ولتضمنه معنى المسئولية القانونية التى هى جوهر النظام السياسى ، الأمر الذى يعنى :
1- وضوح الفكرة شرعا وعقلا.
2- الحرص على أن يكون التعبير عنها بمصطلح حضارى يعبر تعبيرا دقيقا عن حقائقها وطبيعتها ، ومنظومة الإسلام المتميزة " لأن فى ذلك الصفاء ، ووضوح الرؤية ، واستقامة المنهج"( ).
3- أن رجالات الفكر القانونى عندنا قد عجلوا – فى رأيى - بحرصهم على المصطلح الغربى " الجنسية" وبنزولهم على رأى مفكرى الغرب بهجران مصطلح "رعية" بحسبانه أخص من مصطلح "وطنى" حيث يفيد فى رأيهم التعبير عن العلاقة بين الفرد وولاية من دولة معينة ، أى أنه يطلق على أفراد الشعوب المستعمرة ، أو التابعة ناقصة السيادة ، وإن كان بعض أساتذتنا القانونيين من المعاصرين ينزع نحو المصطلح الإسلامى ، ويراه – كما هو حقا – أدق فى التعبير ، وأبعد عن الاضطراب ( ).

المطلب الثانى
أساس الجنسية – الرعوية – فى الفقه الإسلامى
-1-
اختلاف المعاصرين فى تحديد رعايا الدولة الإسلامية
رأينا أن أكثرية الفقهاء والشراح يقرون بوجود فكرة الجنسية – بمعناها المعاصر – فى الوعى الإسلامى ، ومع هذا فإنهم يختلفون فى تحديد رعايا الدولة الإسلامية ، لاختلافهم فى الأساس الذى تبنى عليه رعويتها.
1- فيرى فريق من الفقهاء يشايعهم أكثر الشراح أن أساس التمييز بين الأشخاص – من منظور الإسلام – مرجعه دياناتهم ( ) ، فالإسلام دين وجنسية، والانتماء إلى العقيدة الإسلامية هو الرباط الذى يربط بين المسلم وأمة المسلمين ، والأمة الإسلامية هى شعب الدولة الإسلامية ، أو شعب المنظمة العالمية الإسلامية التى استهدف الإسلام إقامتها ، والأجانب هم غير المسلمين ، وإن كانوا يقيمون فى دار هذه المنظمة.
وأثر هذا الرأى أن الذميين يظلون بعيدين عما يمكن تسميته بالجنسية الإسلامية.
2- ويذهب أكثر باحثى الفقه الإسلامى يشايعهم بعض شراح القانون ( ) إلى القول بأن رعوية الدولة الإسلامية تثبت لبعض من غير المسلمين ، فليس الدين وحده هو أساس التفرقة بين الرعايا والأجانب فى الدولة الإسلامية ، وإنما يضاف إليه ضابط آخر لتشمل رعوية الدولة الإسلامية بعضا من غير المسلمين، وهم من يسمون بأهل الذمة.
وفى إيجاز استعرض أدلة كل من الفريقين وأناقشها ، لنرى أى الرأيين أقرب إلى الصواب.
أولاً : عماد ما يبنى عليه الرأى الأول :
أن الشريعة الإسلامية تقسم – فى رأيهم – البشر على أساس قبولهم الإسلام أو رفضه ، بغض النظر عن أى اختلاف آخر بينهم يتعلق بالجنس أو اللون أو اللغة أو الإقليم ، أو أى اختلاف آخر، وكثرة النصوص الواردة فى تقرير هذا الأصل – الانتماء المنبثق من العقيدة – مع وضوحها وعمومها تقطع بما لهذا الأصل من أهمية فى مجال تحديد شعب الدولة الإسلامية ، وضعف أهمية أى انتماء آخر فى التأثير على ماهية الشعب المسلم إلى درجة تكاد تنعدم معها كل أهمية لهذا الانتماءات فى هذا الخصوص ( ).
يؤيد هذا – فى رأيهم ( ) – أن الذميين – وهم يقيمون فى الدولة على سبيل الاستقرار والدوام – لا يتمتعون بنفس الحقوق التى يتمتع بها المسلمون ، ولا يلتزمون عموم التزاماتهم ، ولو كان للإقليم – مثلا – الأهمية فى تحديد شعب الدولة الإسلامية لتمتع هؤلاء بما يتمتع به المسلمون.
ثانيا : وجوهر ما يبنى عليه الرأى الثانى :
أن الفقه الإسلامى يعبر كثيرا عن الرعايا باصطلاح " أهل دار الإسلام"( ) وهذا التعبير يعنى المسلمين والذميين ، وقول الفقهاء " المسلم من أهل دار الإسلام" يفيد أنه من أتباع هذه الدار ، ويحمل جنسيتها ، فكذلك قولهم "الذمى من أهل دار الإسلام".
فالذمى من أهل الدار أو الرعايا كما يعبر السلف ، أو من حاملى الجنسية الإسلامية كما يعبر المعاصرون.
ثالثا : المناقشة :
ظهر من عبارة الرأى الأول أنه يبنى على ظاهر المقابلة فى القرآن الكريم والسنة المشرفة ، بين الإسلام وغيره ، فالمسلمون فريق ، وغير المسلمين فريق ، وقد قطع الله الموالاة بين من أقروا بالإسلام ومن كفروا به، كما أنه يبنى على مراعاة التسوية فى الحقوق والواجبات بين الرعايا.
ويرد على مستندى هذا الرأى :
ا- أن اعتبار الإسلام – كدين – مناطا للتفرقة بين الرعايا والأجانب مرجعه الخلط بين فكرتى الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية ، والفقه الإسلامى يجعل لفكرة الأمة مدلولا مختلفا عن فكرة الدولة ، ويعتبر لكل منهما مركزا قانونيا مستقلا ، فالإسلام من حيث كونه عقيدة يعتبر المسلمين جميعا أخوة فى العقيدة ، ومن حيث كونه دولة يضم المسلمين ومن يقيمون معهم بقيود خاصة( ).
ب - أنه لا يصح بحال بناء التفرقة على أساس التمتع بالحقوق ، إذ الدولة الإسلامية تأخذ بقاعدة المساواة بين المسلم والذمى ، ولكنها تستثنى من هذه القاعدة بعض الحقوق والواجبات لابتنائها على العقيدة، " لأنه إذا كانت المساواة بين المتساويين عدلا خالصا فإن المساواة بين المتخالفين ظلم بين ، ولا يمكن أن يعتبر هذا استثناء من قاعدة المساواة ، بل هو تأكيد للمساواة ، إذ المساواة لم يقصد بها إلا تحقيق العدالة ، ولا يمكن أن تتحقق العدالة إذا سوى بين المسلمين وغيرهم فيما يتصل بالعقيدة " ( ) على أن التفاوت بين الرعايا فى التمتع بالحقوق أمر مألوف فى الدولة الحديثة ، وبخاصة من وجهة الحقوق السياسية( ).
رابعاً : فإذا صح ما عقبت به فإن الرأى الأول يسقط ، ويبقى معنا القول الثانى ، وهو يوسع من دلالة الرعوية الإسلامية لتشمل المسلمين وأهل الذمة.
وهذا فى رأيى هو الصواب لما يلى :-
1- صريح قول الفقهاء " عقد الذمة فى إفادة العصمة كالخلف عن عقد الإسلام" ( ) بل صريح قول الإمام على كرم الله وجهه – وهو يومئذ أمير المؤمنين – فى كتابه إلى مالك الأشتر – عامله على مصر – " وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم ، واللطف بهم … فإنهم صنفان : إما أخ لك فى الدين، أو نظير لك فى الخلق"( ).
2- دلالة المقابلة الفقهية فى وصف الذمى والمستأمن فبينما عبر الفقهاء عن أهل الذمة بأنهم " من أهل دارنا " ، فإنهم عبروا عن المواد عين والمستأمنين بأنهم " أجانب منا"( ) ولا يخفى ما تعنيه المقابلة من معنى.
3- أن الله سبحانه قد شرع قتال المخالفين فى الدين ومده إلى غاية هى إعطاء الجزية ، قال تعالى " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية وهم صاغرون"( ).
وقد وقع فى تفسير الصغار أقوال يأباها عدل الإسلام ورحمته ( ) والصحيح هو ما نقل عن الإمامين الشافعى ( ) وابن حزم الظاهرى ( ) من أن مراده الخضوع لأحكام الإسلام وسيادته ، وقبول الولاء والطاعة لدولة الإسلام.
وعلى أساس هذا المعنى وحده قال الإمام على كرم الله وجهه " إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ، ودمائهم كدمائنا" ( ) لهم مالنا وعليهم ما علينا"( ) "من كان له ذمتنا فدمه كدمنا ، وديته كديتنا "( ) .
ومما يؤكد أن هذا الولاء سياسى "رعوية" أن العلماء لا يكادون يختلفون فى نقض عهد الذمة بالامتناع من بذل الجزية ، وجرى أحكامنا عليهم إذا حكم بها حاكم ، والاجتماع على قتال المسلمين – وهى جرائم سياسية فى المقام الأول – ويختلفون كثيرا فى الخصال الأخرى كنواقض لهذا العهد( ).
4- ومما يتصل بالمعنى السياسى أيضا أن المسلمين مأمورون بالتحول إلى دار الإسلام ، وعقد الذمة لا يصح فى رأى كثير من العلماء ( ) إلا إذا قبلوا أن يكونوا بحيث تنالهم الأحكام الشرعية ، وهذا معناه أن كلا العقدين – الإسلام والذمة – يوجبان أن يكون الرعية بحيث تناله الأحكام ، وهذا التزام ، والتماثل فى العمل يوجب التماثل فى الأجر ، فإذا ثبتت الرعوية للمسلم ثبتت للذمى ( ).
-2-
الأساس الذى تبنى عليه الرعوية الإسلامية
بعدما ترجح معنا أن الرعوية الإسلامية تشمل المسلمين وأهل الذمة فإن سؤالا يطرح وهو : ما أساس هذه الرعوية؟
لا يختلف الرأى ( ) أن الإسلام هو أساس الرعوية الإسلامية بالنسبة للمسلم ، بينما يختلف رأى الموسعين فى نطاق الرعوية الإسلامية فى الأساس الذى تبنى عليه رعوية الذمى.
فيرى الأكثرون : أن عقد الذمة هو الأساس الذى تبنى عليه رعوية الذمى ( ).
ويرى بعضهم : أن التزام أحكام الإسلام هو الأساس الذى تبنى عليه هذه الرعوية( ).
وفى رأى فريق ثالث : أن الإقامة غير الموقوته – التوطن – هو الأساس فى بناء جنسية الذمى( ).
وفى رأيي :
1- أن القول بالإقامة غير الموقوتة كأساس للرعوية لا يسلم من منظور فقه السلف ، لأن هذه الإقامة أثر من آثار عقد الذمة ، الذى يكسب الذمى التبعية من حين عقده ( ) على أن المستأمن – وهو أجنبى عن دار الإسلام – إذا أقام مدة غير محدودة ، ولم يضرب له الإمام – الحاكم – أجلا، ولم يأمره بالخروج فإنه لا يصير ذميا ( ) ولو كانت الإقامة المجردة تثبت الذمة لصار المستأمن ذميا بمجرد الإقامة غير المحدودة.
2- كما أن التزام الأحكام – إن أريد به الخضوع للتطبيق الإقليمى لأحكام الشرع – لا يصلح فى رأيي أساسا لهذه الرعوية ، لأن كل من هم فى دار الإسلام تلزمهم الأحكام ، سواء أكانوا مسلمين أم ذميين أم مستأمنين ( ) ولا خلاف فى أن المستأمن من الخارجين عن رعوية الدولة .
3- والقول بأن أساس الرعوية العقد ، وإن كان من صريح قول السلف( )، إلا أن هذا المعنى قد يغيب ، كما فى حالات : الجزية العنوية( ) – وهى التى توضح على المغلوبين على بلادهم المقرين فيها لعمارتها – وثبوت الذمة بالقرائن : كشراء المستأمن أرضا خراجية ، أو تزوج المستأمنة من ذمى ، والذمة بالتبعية.
فضلا عن ذلك فإن الأخذ بهذا المعيار يؤدى إلى المغايرة فى الأساس الذى تبنى عليه رعوية الدولة الإسلامية ، فيجعل أساس هذه الرعوية الإسلام بالنسبة للمسلم ، والعقد بالنسبة للذمى، وهذه المغايرة وإن كانت لا تؤثر فى بناء الجنسية لكن الأفضل فى رأيي أن نعتبر أساسا واحداً فى هذا البناء.
4- وهذا الأساس فى رأيي هو " العصمة المؤبدة " التى تثبت للمسلم والذمى على السواء.
أما المسلم فلما روى البخارى وغيره بسنده إلى ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله  " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله" ( ).
وأما الذمى فلقوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" ( ).
قال العلماء : ضربت الجزية ليكون بها حقن الدماء وحفظ الأموال( ).
وقالوا " عقد الذمة كالخلف عن عقد الإسلام ، وعقد الإسلام لا يصح إلا مؤبداً فكذلك عقد الذمة "( ) وقد روينا آنفا قول الإمام على كرم الله وجهه " من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا" " لهم مالنا ، وعليهم ما علينا".
ومما يقوى هذا المعنى فى رأيي أن جمهرة العلماء على ثبوت العصمة المؤبدة بمجرد بذل الجزية فـ" إذا بذلوا الجزية لزم قبولها وحرم قتالهم"( ) "ولا تعتبر – فى رأى الجمهور – حقيقة الإعطاء ولا جريان الأحكام ، لأن إعطاء الجزية يكون فى آخر الحول والكف عنهم فى ابتدائه عند البذل ، والمراد بقوله "حتى يعطوا" أى يلتزموا الإعطاء ، ويجيبوا إلى بذله ، كقول الله تعالى " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم"( ) والمراد به التزام ذلك دون حقيقته ، فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عن الحول"( ).
فالذى أفهم من ذلك أن العصمة المؤبدة أسبق فى الوجود من حقيقة الشعائر والعقد وآثاره ، والأول أولى ، فضلا عن عمومه.

المبحث الثانى
الوضع الدولى المعاصر من منظور الفقه الإسلامى
تمهيد :
فى كتابة " مواطنون لا ذميون" ينكر الأستاذ فهمى هويدى ( ) على العلامة أبى الأعلى المودودى تحفظه على بعض الحقوق السياسية لأهل الذمة ويورد على هذا الرأى ونحوه ملاحظات يهمنا منها قوله " إن من الذين يطرحون هذه التصورات – فى حقوق ورعوية أهل الذمة – يخاطبون عالما غير عالمنا . يكتبون كلاما لنقرأه نحن فى النصف الثانى من القرن العشرين ( ) وأعينهم وفكرهم على دولة الإسلام الكبرى فى العصرين الأموى والعباسى الأول ، لا يخاطبون المسلمين الموزعين على حوالى (40) بلدا على الأقل ، وإنما يوجهون الخطاب إلى دولة واحدة تمتد حدودها من تخوم الصين إلى الأندلس ، ومن غانة إلى فرغانة وسط الأسيوية ، كما كان يقول الجغرافيون العرب .
وعلى سبيل المثال : فإن الأستاذ المودودى يقسم رعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين إلى ثلاثة أصناف…. وليس لى إلا أن أسأل بعد ذلك : أين هؤلاء فى خريطة الواقع الإسلامى الذى نخاطبه الآن ".
ولم يكن يسعنى وأنا أعتزم أن أبحث مدى تمتع أولاد المصرية المتزوجة من سعودى – مثلا – بالجنسية المصرية ، أن أغفل هذا الواقع الذى تجزأت فيه الدولة الإسلامية إلى دول لكل منها جنسيتها المستقلة.
ولكننى من جانب آخر لا أستطيع أن أغفل أيضا حركة الدعوة إلى الاتحادات الكبيرة التى يتحرق العالم شوقا إليها ، وتخطو أوربا فى سبيل تحقيقها خطوات كبيرة ، وهى مصحوبة بدعوات قومية تقوم على نبذ الغير فى أوربا ، ولا يخفى أن ثمة محاولات لتوثيق الروابط العربية وكذلك الإسلامية ولكنها لم تزل فى حدها الأدنى من التواصل ، وإن كانت المحن التى ألمت بالمسلمين مؤخرا فى مناطق شتى قد هيجت عواطف الشارع المسلم وأشعرته بتداعى الأمم مجدداً على المسلمين فتجددت الدعوات إلى اجتماع الكلمة ووحدة الصف ، ولكنها لم تجد الصدى المأمول عند القيادات ، فلم تزل المصالح القطرية تغلب الفريضة الدينية.
وثمة ملاحظة ثالثة هى أن الجاليات الإسلامية فى دائرة الحضارة الغربية بفرعيها الأوربى والأمريكى آخذة فى النمو والاتساع ، وكثير من المهاجرين من هذه الجاليات قد اكتسب مواطنة الدول الغربية التى يقيمون فيها ، ومن أفراد هذه الجاليات من هم من مواطنى هذه الدول الأصلاء ، وبعضهم يتبوأ مراكز سامية فيها ، وجميعهم يمارسون – غالبا – كثيرا من شعائر الإسلام بأريحية ( )، بل ويتمتعون بحريات يفتقدها إخوانهم فى أوطان الإسلام العتيقة.
والجديد فى الأمر أن نصحاء الأمة يهيبون بالمهاجرين والأقليات من المسلمين أن يثبتوا ، وإن نالهم بعض الأذى ، اغتناما لفرصة نشر الدعوة وبيان حقيقة الإسلام لغير المسلمين ، وإمكانية تحقيق مصالح تعود على الإسلام والمسلمين بخير ، ومع التكاثر الملحوظ فى أعداد المسلمين يؤمل حصول تغير "ديموجرافى" فى التوزيع السكانى يحسب لصالح المسلمين.
ولا شك أنه إذا كانت ظاهرة التشرذم السياسى تدعوا إلى الأسى فإن حركة الاتحادات تحيى الأمل فى وحدة الدولة ، حتى وإن جاءت تقليدا للغرب الحديث.
ولكن تنامى العنصر الإسلامى فى الأوطان الغربية – مع ما امتلكته من خيرات وخبرات – ربما يجعلنى أتمنى على الله تعالى غياب الجغرافيا السياسية – كما هو الحال – حتى تصبح أمة الدعوة – الغرب فى حالتنا – امتدادا لأمة الإجابة ، أو ما يطلق عليه الجغرافيا الثقافية ، أعنى أمة الإسلام ، وعندها – فيما أرى – ستعتمد الرعوية إن شاء الله على أخوة الدين أو أخوة الخلق وتبطل معطيات الأمة والعرق ، والجماعة ، والإقليم وغيرها من العصبيات ويومئذ فقط ترجى رعوية ترعى المقومات الأساسية لحقوق الإنسان كإنسان فقط.
وفيما قبل ذلك ومع تفوق الغرب سياسيا واقتصاديا وعسكريا وعلميا ، ووهن الشرق حضاريا ، وغلبه الاستبداد والطغيان على أنظمته فإن الدولة لو قامت فلن تكون المجتمع العاصم ، وربما استعدت الغرب – وهو لم يتخل عن عدائه أصلا – لأمتى الدعوة والإجابة معا إلى أكثر مما هو عليه.
وسأخذ كل هذا فى الحسبان وألقى الضوء على نظرة الفقه الإسلامى إلى الواقع الدولى المعاصر . فى المطالب التالية .

المطلب الأول
الدولة فى القانون والشرع
-1-
الدولة فى الفكر القانونى
ليس كل تجمع على إقليم تحكمه سلطة قاهرة يكون دولة فى الفكر القانونى الحديث ، وإنما توجد الدولة القانونية بتوافر مقوماتها ، التى بوجودها توجد ، وبانتفائها لا يتصور وجود الدولة القانونية ، وهذه المقومات هى :-
ا- وجود الدستور.
بـ- تدرج القواعد القانونية.
حـ- خضوع الإدارة للقانون.
د- الاعتراف بالحقوق والحريات للأفراد( ).
وهذه القيود ذات أهمية فى دراسات القانون الداخلى ، وعلى وجه الخصوص دراسات القانون الدستورى ، أما من وجهة التنظيم الدولى فالدولة توجد بأركانها الثلاثة : الشعب ، والإقليم ، والسلطة الحاكمة ، ولا عبرة بالشكل السياسى للسلطة السياسية فى الدولة ، ما دامت تمثل من القوة والتنظيم ما يمكنها من فرض سلطاتها على إقليم الدولة ( ).
-2-
الدولــــــــــــــــــة تاريخيــــــــــــــــا
تشير الدراسات التاريخية إلى أنه بالتحول الإنسانى إلى الاستقرار والعيش فى جماعات تعيش على الزراعة ظهرت عدة مدن لها أنماط من التنظيم السياسى ، وقد ابتدأت هذه التنظيمات فى الشرق – والشرق الأوسط تحديدا – ولم تعرف أوربا شيئا من ذلك إلا بعد عدة عشرات من القرون " وبالتالى دخلت فى مدارج المدنية متأخرة مستفيدة من التراث البشرى المتراكم عبر القرون فى الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط ، ومن ثم شيدت تنظيماتها السياسية وحياتها الاجتماعية على تلك المعارف الوافدة إليها من الشرق الأوسط ، وصار التنظيم السياسى الذى قام عليه المجتمع الإغريقى والمجتمع الرومانى ، وهو ما يعرف باسم دولة المدينة City-State ، وقد ظهر فى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد فى بلاد الإغريق التى وضعت المفاهيم الأولى للفكر السياسى الحديث"( ).
كما أن من البحوث ما يثبت أن الدولة القانونية – بمفهومها فى الدراسات الدستورية – قد عرفت فى بعض الحقب التاريخية ، خصوصا فى فكر شيشرون الذى عاش بين عامى 100، 43 قبل الميلاد ، فهو "مجتمع القانون" كما يربط الحكومة دائما برباط قانونى ، والقانون السليم عنده هو الذى يتوافق مع العقل ومع الطبيعة ، والإنسان هو الكائن الوحيد الذى يتميز بالعقل ، ومن ثم يجب أن يكون ملتزما بالقانون ، وأن المحبة هى الرباط الاجتماعى فى الدولة ، كما أدخل شيشرون مصطلح الشعب People . ويرى شيشرون أن الدولة لا تستطيع البقاء والاستمرار إذا لم يرتكز بناؤها على التسليم بالاعتراف بحقوق مواطنيها ، كما يعتبر الدولة جماعة معنوية ، أو هى مصلحة الناس المشتركة "( ).
والحق أن الدولة القانونية – من منظور الفكر الوضعى الصرف – لم تعرف على المستوى الفكرى الصحيح ، وكذا المستوى التطبيقى إلا فى العصر الحديث ، بل لم تؤت الجهود الفكرية ثمارها إلا بعد قيام الاتحاد الأمريكى والثورة الفرنسية فى أخريات القرن الثامن عشر ( ) وبتدقيق أكثر يظهر أن الدولة المعاصرة لم تسمح حتى اليوم للجميع بحقوق مشتركة ومتساوية ( ) والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان – وهى حديثة جدا ( ) – لم تحدد الوسائل الدولية لكفالة تمتع الإنسان بحقوقه وحرياته المقررة فيها ، وهذا ما يجعل الحقوق والحريات خاضعة لاعتبارات ذاتية ، ترتبط بمصلحة الدولة ، أو مصلحة الحكام ، دون النظر إلى الاعتبارات الموضوعية المتعلقة بإقرار الحقوق والواجبات ( ).
ومؤدى ذلك عملاً أن الاعتراف بحقوق الأفراد وحرياتهم لم يزل – كمقوم من مقومات الدولة القانونية يتهدده الخطر بتقلص عدد المنتفعين بالحقوق والحريات التى ما صدرت المواثيق ووضعت الدساتير إلا لحمايتها.
أما الدولة السياسية بأركانها المعروفة حاليا ، وكشخص من أشخاص القانون الدولى فلم تظهر إلا فى مراحل متأخرة أيضا ، فلم يعرف الفكر الوضعى قبل المفكر الفرنسى جان بودان نظرية كاملة فى خصوص السيادة حتى أخرج هذا المؤلف سنة 1577م كتابه " الكتب الستة للجمهورية" ( ) ولكن هذه الفكرة لم تثبت قبل معاهدة وستفاليا 1648 ( ) ، وإن كانت هذه المعاهدة قد قصرت مفهوم السيادة – بمعنى استقلال الدولة فى شئونها الداخلية والخارجية – على الدول المسيحية ، ولم يتحرر الفكر الوضعى من هذه العنصرية حتى عام 1856م حيث عقدت معاهدة باريس التى أقرت المساواة بين الدول المسيحية وغيرها عن طريق قبول تركيا – الدولة المسلمة – ضمن المؤتمر الأوربى ( ) ومع هذا فإن مبدأ السيادة لم يترسخ – فى التنظيم الدولى – إلا بالنص عليه فى ميثاق الأمم المتحدة 1945، وإن لم يستطع واضعوا الميثاق الحد من مبدأ سيادة الدول الأعضاء ، وعلى وجه الخصوص الدول الخمس الكبرى ( ).
أما الإقليم – وهو عنصر لا غنى عنه لوجود الدولة ذاتها – فلم يكن عنصرا أساسيا من عناصر الدولة عند اليونان وعند الرومان ، ولم يظهر فى الإدراك القانونى للدولة بوصفه عنصرا من عناصر تكوينها إلا فى أواخر القرون الوسطى ، وكما يقول المرحوم الدكتور حامد سلطان فإن " الرابطة التى تربط بين الدولة وبين الإقليم رابطة حديثة النشأة يرجع وجودها إلى القرن التاسع عشر ، وتوثقت فى القرن العشرين"( ).
وما ثبت من حداثة ركنى " السيادة" و " الإقليم" ثابت أيضا فى خصوص الركن الثالث ، وهو الشعب كعنصر من عناصر الدولة ، فقد لحقه تطور كبير ، وعانى اضطرابا شديداً ( ) زكته الظواهر الاستعمارية ، والتعصب للجنس ، فحتى قبيل الحرب العالمية الثانية كان دعاة نظرية وحدة الجنس ينادون بحق الدولة الألمانية فى بسط سيادتها على كل الشعوب المنحدرة من أصل ألمانى( ).
ونخلص من ذلك إلى أن حداثة الدولة – فى الفكر الوضعى – بالمنظورين الدستورى والدولى أمر لا مراء فيه ، وإن كان المفهوم القانونى أو الدولة القانونية أحدث فى الوجود من المفهوم السياسى.
-3-
ردة فى بحث الدولة فى الإسلام
كان غربيا أن أطالع فى مستهل القرن الواحد والعشرين كلاما خاتمته ما نصه " ونريد أن نقف هنا عندما أسلفناه من الكلام فى هذه الصحيفة – يشير إلى دستور أمة المدينة – وما أردنا إلا أن نبين الأسس الأخلاقية الشورية التى قام عليها بناء أمة الإسلام ، فهى أمة الضمير ، أمة القلوب ، أمة الإيمان.
إنها أمة وليست دولة ، لأن الدولة تدول ، أما الأمة فلا تدول ولا تزول.
إنها أمة المؤمنين ، يحكمها الضمير ، تحكمها القلوب ، وتسير أمورها أحكام القرآن والسنة ، وكلها أحكام قلوب وضمائر حية ، ولا يحكمها قانون وضعى ، لأن ذلك القانون الذى يضعه الناس يتغير ويتبدل.
ومن الخطأ أن يقال إن رسول الله  كان رجل دولة ، أو كان سياسيا ، أو دبلوماسيا ، أو قائدا عسكريا ، فهذه كلها صفات دون رسول الله  ، فإن رجل الدولة يحتال ويدبر ويخفى الحقيقة إذا استدعى الأمر ذلك ، وحاشا لرسول الله أن يصدر عنه من هذا شئ.
ورسول الله  ليس رجل سياسة ، لأن السياسة تبيح التظاهر والتخابث والغدر وما إلى ذلك ، وما أبعد رسول الله  من ذلك .
وأبعد من ذلك أن يوصف رسول الله  بأنه دبلوماسى ، وكلنا نعرف ما يمكن أن يدخل فى الدبلوماسية من احتيال وتظاهر وإخفاء للحقائق وكذب ، إذا اقتضت مصالح دولته ذلك.
أما القول بأن رسول الله  كان قائدا عسكريا فجرأة على رسول الله ، يأباها إجلالنا له ، وتوقيرنا إياه ، فإن القائد العسكرى وظيفته كسب النصر على الأعداء بأى سبيل ولو أدى الأمر إلى قتل الألوف من الأبرياء …….
لم ينشئ محمد رسول الله  دولة ، ولكنه بنى أمة ، وبث فى هذه الأمة القرآن ، وفيما يتصل ببناء الأمة فإن القرآن إيقاظ للضمير الإنسانى ، وإشعار له بقدره وبالقيمة الإنسانية للإنسان ضرب رسول الله  بقوله وفعله المثل للأمة لتقتدى به …… وترك الأمة لتختار لنفسها الطريق ، لكى تسير نفسها فى طريق النصر والإيمان والعزة والكرامة والخير ، والأمة بعد ذلك حرة فى أن تصنع لنفسها الشكل الذى تحكم نفسها به ، فهى أساسا أمة حرة أو اتحاد شعوب حرة"( ).
هذا ما ختم به الأستاذ الدكتور حسين مؤنس كتابه "دستور أمة الإسلام دراسة فى أصول الحكم وطبيعته وغايته عند المسلمين" وقد تكفلت بدعمه الهيئات المضطلعة بتمويل مكتبة الأسرة ، ونشر فى العام 2000 بثمن قدره مائة وخمسون قرشا.
وخلاصة كتاب الدكتور مؤنس أمران :
أحدهما : ما صرح به من نفى قيام الدولة فى الإسلام ، وقد نقلناه عنه بنصه ، مع أنه متناقض مع حرصه الشديد على إبراز أن كل خطوات النبى  كانت تتم وفق حساب دقيق يقول " لم نعرف فى التاريخ رجلا بلغ إحكامه فى التوفيق ، ودقته فى التقدير ، وإقباله على العمل المضنى على خطة واضحة مثل محمد " ( ) ويقول " مكث الرسول فى قباء أربعة أيام ، وهى فى نظر الكثيرين فترة طويلة ، ولكن الحقيقة أنه استوعب خلال هذه الأيام معلومات كثيرة عن الأحوال فى المدينة ، ومن خصائص محمد أنه كان يجيد الإنصات وكان يعى ممن يحدثه كل شئ …… لهذا لم يغادر ديار بنى عمرو بن عوف إلا بعد أن عرف تماما ماذا سيعمل ، وكيف سيعمله " ( ).
ويقول " ثم سار وهو على ناقته المشهورة المسماة بالقصواء ….. ثم عرض عليه بنو سالم أن يقيم عندهم ….. ويكون رد رسول الله  : خلوا سبيلها، فإنها مأمورة ، والإشارة هنا إلى القصواء .
وما معنى : أنها مأمورة؟
ألسنا جميعا مأمورين من الله سبحانه فى كل ما نفعله ؟
ولماذا نفسرها على أنها مأمورة من الله سبحانه وتعالى ؟ ولماذا لا نفسرها على أنها مأمورة من محمد ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! لأنه بعد أن درس أحوال المدينة عرف أين يريد ، فهو لا يريد أن ينزل فى العدد والعدة والمنعة ، وليس هو برئيس دنيوى يبحث عن القوة ، إنما هو نبى ورسول وشاهد ومبشر ، وسنراه ينزل فى حيث ينبغى أن ينزل النبى الشاهد المبشر النذير ، وأين يكون السراج المنير إلا وسط المدينة حيث يصل نوره إلى أطرافها جميعا على سواء ؟"( ).
ويبلغ المعنى قمته بقوله " والجميل فى سيرة الرسول أننا نراه منذ وطئت قدماه قباء يتصرف كأنه يسير على خطة محكمة ، وضعها بإحكام من قبل، وعندما جاءت الفرصة سار فى التنفيذ قدما كل خطوة تتبعها خطوة ، والخطوات تتلاحق وتتكامل ، وبناء الأمة يسير بترتيب وأحكام وتوفيق دقيق ، كأنما كان محمد يعلم أنه لم تبق له من سنوات العمر إلا عشر سنوات وبضعة شهور هجرية ولا بد أن يتم رسالته كاملة خلال هذا الأمد القصير ، فليست هناك ساعة واحدة للضياع "( ).
ونحو هذا كلام كثير ينفى عن أقوال النبى  وأفعاله سمة الوحى السماوى والتدبير الإلهى ، ويصر على أنها من قبيل التدبير المحكم والبصيرة النفاذة ، ومع كل هذا ينتهى إلى أن رسول الله  لم يكن رجل دولة ، ولا سياسيا، ولا قائد عسكريا ، وما ذاك إلا لأن السياسى الذى يعرفه الدكتور مؤنس رجل مخادع ، ولا يعرف عسكريا إلا سفاك دماء ، ولا دبلوماسيا إلا كاذبا؟!!! .
فإن لم يكن ما أتاه النبى  وحيا ولا سياسة ولا قيادة ولا دبلوماسية فماذا يكون إذن؟
الرأى عندى أن الدكتور مؤنس – ولا أحد ينكر قدره وفضله – فى زعمه " بأن هذا الذى يكتبه إنما هو تاريخ للإسلام جديد يقوم على منهج فى البحث والاستقراء جديد" ( ) يشبه خطيبا من بعض المتصوفة سمعته يوما يخطب فى الناس بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج وقال : قال رسول الله  : أعطيت ليلة أسرى بى ثلاثة علوم . علما أمرت بإبلاغه ، وعلما أمرت بكتمانه وعلما خيرت فيه".
وبعد أن انتهت الصلاة جلست إلى الرجل أبصره بخطأ ما قال وأن رسول الله  لم يقل هذا ، ويستحيل أن يقوله ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس "( ) فكتمان رسول الله  شيئا من الرسالة يعنى أنه عصى ربه وخان الأمانة … وقلت كلاما كثيرا فى توضيح هذا المعنى . ولكن الرجل الذى لا يعرف إلا ما يمليه عليه شيخه – فى الطريقة – وهو على شاكلته جادلنى بقوله : أليس من الحكمة أن نخاطب الناس على قدر عقولهم ؟ قلت : بلى ، ولكن خطاب البشر شئ وإبلاغ الوحى شئ آخر ، وقد كان رسول الله  يدرك هذا ، ولذا قال : من يرد الله به خيرا يفقه فى الدين ( ) ، وقال " فرب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "( ) وعبثا حاولت ، والرجل السليب العقل ماض فى غيه.
الأمر الثانى : أن الدكتور مؤنس يحرص على أن يدخل على العامة أن كل فقهائنا سلطويون ، وأن " الفكر السياسى الإسلامى كله انحصر فى موضوع الخلافة الملكية من يستحقها ومن لا يستحقها ، وكيف يستطيع الخليفة الملك أن يكون رؤفا رحيما برعيته ، وما الذى يصلح السلطان وما الذى يفسده ، وما إلى ذلك من المباحث الفرعية البعيدة جدا عن طبيعة أمة الإسلام وغايتها " ( ) " إنما غايتنا – واللفظ له – أن نبين للناس أهمية هذا الصحيفة ، فهى بعد القرآن الكريم وبقية الأحاديث النبوية ، تعطينا خطا جديدا واضحا فى الفكر السياسى الإسلامى الأصيل ، بعيداً عما أدخل عليه ، وأقحم فيه من آراء جاهلية ، وأفكار غير إسلامية انحرفت بمسار الفكر السياسى عندنا انحرافا لم يجعل منه فكرا سياسيا أصيلا ، إنما هو مواعظ وأمانى وتقسيمات وتقنينات هالكة لا يتحصل منها شئ ، نجدها فى كتب الأحكام السلطانية ، ومواعظ الملوك ، ومرايا الأمراء ، التى يسميها بعض الناس بالفكر السياسى الإسلامى ظلما وعدوانا "( ).
أما السر فى إصرار الفقهاء على وجوب الخلافة ، وهى فى النهاية – كما يقول – ملك دينى ، وظيفته تنفيذ أحكام الشرع فلأن " الفقهاء هم الذين ينفذون أحكام الشريعة ، ومعنى هذا فى النهاية أن الخلافة كلها فى خدمة الفقهاء، وهذا هو لباب الفكر السياسى للفقهاء جميعا ، فما دام الحاكم يؤيدهم ويعطيهم درجاتهم ومراتبهم فهو عندهم حاكم مقبول ، وطاعته واجبة ، حتى لو كان فاسقا، قاتلا ، وسفاكا "( ).
هذا للأسف ما كتبه المؤرخ على أساس من البحث والاستقراء المزعومين ، فيا ترى ماذا سيكتب من يبنى على أساس الحدس والتخمين( )؟ وهل يليق بمؤسسات الدولة أن تتكفل بأموال الدولة نشر أفكار وئدت منذ قرابة المائة سنة ، ومن كثرة تمحيصها والرد عليها يكاد صاحبها – الشيخ على عبد الرازق – يعدم كل مترحم عليه؟.
وهل من قبيل التنوير نفى المتيقن ، والواقع التاريخى ، وتشويه تراث الأمة وأعلامها؟
وهل يتصور بعد حملة الاجتثاث هذه أن يكون لدى الأجيال القارئة لهذا الافتراء ولاء لأى شئ ، وأى شخص؟ اللهم أهد قومى فإنهم لا يعلمون .
-4-
دولة المسلمين حقيقة متيقنة وواقع تاريخى :
قارئ التوراة والإنجيل وتالى القرآن وراوى السنة كلهم يدركون يقينا أن محمداً  لم يبعث بدعوة مجردة ، ولا ليهدى أمة منتشرة متفرقة فى أرجاء الأرض ، فى الحواضر والبوادى فقط ، وإنما جاء بدعوة ودولة بحيث تكون الدولة دولة الدعوة والفكر ، وتشكل إحدى وسائل نشر الدعوة وحمايتها، فالإسلام أمة وحكومة تبسط سلطتها ، وتشرف على إنفاذ القوانين وتطبيق الأحكام فى الأمة ، وليس مجرد وصايا أخلاقية تعيش فى ضمير الفرد دون أن تحكم واقعه ، وتضبط تصرفاته بضوابط الشرع وتعالج انحرافاته بعقوبات رادعة ( ).
الإسلام دين ودولة ، نجد ذلك فى التوراة ، فى سفر التثنية الإصحاح(18) " أقيم لهم نبيا من وسط أخوتهم ، مثلك – يعنى مثل موسى – واجعل كلامى فى فمه ، فيكلمهم بكل ما أوصيه به ".
وفى سفر دانيال الإصحاح الثانى وفى آخر تأويل رؤيا نبوخذ نصر " وفى أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبدا ، وملكها لا يترك لشعب آخر ، وتسحق ، وتفنى كل هذه الممالك ، وهى تثبت إلى الأبد ، لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل ، لابيدين ، فسحق الحديد والنحاس ، والخزف والفضة والذهب . الله العظيم قد عرف الملك ما سيأتى بعد هذا الحلم حق وتعبيره يقين ". وفى مزامير داود .
المزمور (145) " بمجد ملكك ينطقون ، وبجبروتك يتكلمون ، ليعرفوا بنى آدم قدرتك ، ومجد جلال ملكك ، ملكك كل الدهور وسلطانك فى كل دور فدور ". وفى المزمور89" وأسحق أعداءه أمام وجهه ، وأضرب مبغضيه أما أمانتى ورحمتى فمعه ، وباسمى ينتصب قرنه ، وأجعل على البحر يده وعلى الأنهار يمينه".
ونجدها فى الإنجيل صريحة عند برنابا (206) ، وتفهم بشئ من التدبر عند غيره ، ومن ذلك ما فى متى الإصحاح 21 " قال لهم يسوع : أما قرأتم قط فى الكتب : الحجر الذى رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية . من قبل الرب كان هذا وهو عجيب فى أعيننا . لذلك أقول لكم : إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره ، ومن سقط على هذا الحجر يترضض ، ومن سقط هو عليه يموت".
وما فى متى أيضاً ، الإصحاح 22 : 41- 46 " وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلا : ماذا تظنون فى المسيح ؟ ابن من هو ؟
قالوا له : ابن داود.
قال لهم : فكيف يدعوه داود بالروح ربا قائلا " قال الرب لربى اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك ". فإن كان داود يدعوه ربا ، فكيف يكون ابنه ؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة ".
وما فى لوقا 12:13 " قال له واحد من الجمع : يا معلم . قل لأخى أن يقاسمنى الميراث ؟ فقال له : يا إنسان ، من أقامنى عليكما قاضيا أو مقسما ".
ونجده فى القرآن من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وبعبارة الدكتور محمد عمارة " فالقرآن الذى لم يفرض على المسلمين إقامة الدولة – كواجب دينى – قد فرض عليهم من الواجبات الدينية ما يستحيل عليهم القيام به والوفاء بحقوقه إذا هم لم يقيموا دولة "( ).
ويصوغها أحد المستشرقين بقوله " إن الإسلام كدين ، أو كشكل من أشكال عبادة خالق هذا العالم ، الذى لا خالق سواه ، لا يمكن أن يترجم إلى حقيقة واقعة إلا إذا كان ذلك فى إطار كيان سياسى يخضع لهدى الله ، ولا يسع المسلمين أن يعبدوا الله وأن يقيموا الصلاة إلا حين يغدون رعايا مخلصين لدولة إسلامية ثيوقراطية – أى ملتزمة بأحكام الدين الإسلامى – ولن يتاح للمسلمين أن يعيشوا بما يتفق مع أخلاقيات عقيدتهم إلا من خلال الانتماء إلى أمة المؤمنين"( ).
وأخيرا السنة المشرفة ، ويكفينا منها الوثيقة أو دستور أهل المدينة ، وقد أكد الدكتور مؤنس نفسه أن كل نص فيها له شاهد من القرآن الكريم ، أو مؤيد بحديث من لفظ الرسول نفسه ويقول " وكتابة الصحيفة نفسها تنفيذ أو تطبيق لأمر قرآنى صريح بالكتابة " ( )
وقد شرح الوثيقة كثيرون من أهل الفقه والفكر ( )، وأظهروا فى وضوح ما يدل على مركز النبى  فيها ، بالنص على أن ما اختلف فيه من شئ فإن مرده إلى الله وإلى محمد " " وما وقع بين أهل الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله  " لو كان مركزه  مركز الداعية لما وجب الرد إليه ، لأنه بصفته تلك لا سيطرة له ، فالله يقول "لست عليهم بمصيطر"( ).
ولو كان كناشر دعوة له نفوذ – وإن أدبى – على أتباعه ، فما وجه نفوذه على بطون يهود؟‍!!!
ثم كيف تكون غاية رسالته الدعوة إلى أمة فحسب ويشرك معهم اليهود ومن والاهم؟
-5-
دولة الرسول  أول دولة بالمعنى الدقيق
رأينا أن الدولة من وجهة التنظيم الدولى تقوم على أركان ثلاثة هى الشعب والإقليم والسيادة ، وبشهادة أساتذة القانون فإن نظرية كاملة فى السيادة لم تعرف – فى الفكر الوضعى – قبل العام 1577م ، وكذلك الإقليم ، فلم يظهر فى الإدراك القانونى للدولة إلا فى أواخر القرون الوسطى ، ولم ينج ركن الشعب من الاضطراب الشديد.
والأمر بالنسبة إلى الدولة من المنظور الدستورى أدل على الحداثة من ذلك ، فقليل هى تلك الدول التى ترعى رعاية دقيقة مبدأ المشروعية ، أى خضوع الدولة بهيئاتها ومؤسساتها للقانون ، ونادرة تلك لا تتهدد حقوق الأفراد والحريات فيها بخطر التقلص أو التمييز .
والحداثة هنا تدل على أمرين :
أولهما : أن أكثر الدراسات تغفل – عمدا أو تقليدا – دولة الإسلام ، وقد ثبت بيقين أنها منذ نشأتها دولة سياسية قانونية وضعت لبنتها الأولى فى مكة المكرمة ( ) ، وكشفت عن وجهها فى بيعة العقبة الثانية ، واستكملت أركانها بهجرة الرسول  إلى المدينة وتوليه زمام السلطة السياسية فيها.
وتلك الحقيقة لم تكن قبل كتاب الشيخ على عبد الرازق محل خلاف سواء بالنظر إليها كواقع تاريخى ، أو كواجب دينى ، " لأن من مبادئ الإسلام وقواعده العامة التى يجب على المسلمين الالتزام بها وتطبيقها تلك المبادئ التى تتصل بنظام الحكم وبالقواعد الدستورية التى تجب مراعاتها فى الدولة الإسلامية"( ).
وكان ينبغى أن لا تكون محل خلاف بعد هذا الفيض المتدفق ردا على كتاب الشيخ على عبد الرازق ، وتفنيدا لمزاعمه ، وتنظيرا بين الدولة الإسلامية والدولة بمفهومها المعاصر ، ولكن عبدة التقليد يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول وزورا ، فظهرت فرقعات هنا أو هناك ( ).
والذى يجب أن نسجله للقارئ الكريم أن عازفى النشاز عادة من غير الشرعيين ، وغالبا من غير القانونيين ، بل المثير للانتباه أن أكثر المدافعين عن أصالة الدولة الإسلامية هم من رجالات القانون .
والأمر الثانى :
أنه إذ ثبت أن الدولة الإسلامية أسبق فى الوجود كوحدة سياسية واضحة الأركان ، وكدولة قانونية بالمعنى الدقيق ، فهل يتصور أن لا يكون للنظام الإسلامى ظل على التنظيم الدولى وقانونية الدولة ؟
يجيبنا الأستاذ الدكتور حامد سلطان فيقول " لقد كان لانتشار الإسلام أثر بالغ فى أوربا التى كانت تحيا فى عصر الظلام ، فانتقلت بعد ذلك إلى عهد الإقطاع ، ثم إلى عصر النهضة ، وتأثر القانون الدولى – فى مراحله الأولى – بهذه الحضارة الإسلامية الرفيعة ، وعلى الأخص فى مرحلة الحروب الصليبية التى دامت نحو ثلاثة قرون ، وكان هذا الأثر ظاهرا جليا فى قوانين الحروب ، وفى أحكام معاملة الأسرى والجرحى وفى قواعد دفن قتلى الحروب ، وفى القواعد الخاصة بمعاملة المدنيين فى الحروب ، وفى حظر استعمال بعض الأسلحة ، وعلى ذلك يمكن التقرير بأنه كان للحضارة الإسلامية فضل كبير فى تحويل أنظمة الحكم فى خارج دار الإسلام ، كما كان له أثر بالغ فى إرساء أحكام القانون الدولى وتطور قواعده بعد ذلك …. والشريعة تهدف لا شك لإيجاد تنظيم يشمل المعمورة وشعوبها على أساس أخلاقى لما يزل منطبعا بالسمو والامتياز إلى وقتنا الحاضر ، مما لم يتسن لأحكام القانون الدولى الرقى إليه حتى الآن"( ).
"إن الآثار العملية التى أحدثتها الشريعة الإسلامية فى النظم التى كانت سائدة فى خارج الدولة الإسلامية آثار عميقة وبعيدة المدى ومتنوعة النتائج ، ولا يتيسر حصرها فى مثل هذا البحث ، ويكفى أن نذكر أن نظام " شارلمان " أو الإمبراطورية الرومانية المقدسة التى قامت سنة 800م ، ونظرية توما الأكوينى الرفيعة المعانى ، والنظام الإقطاعى وتبلور فكرة الدولة فى مظهرها الحديث ، وما تلا من ظهور المبادئ الأولى للقانون الدولى … إلخ كل هذا قد تأثر بدرجات متفاوتة بالفكرة الإسلامية ، وذلك من حيث زواياه الحسنة التقدمية أو المقبولة"( ).
وما أورده مجملا الأستاذ الدكتور حامد سلطان – رحمه الله – يتناوله مفصلا الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفا فى أكثر من ثلاثمائة صفحة ، وقد عنون له بـ " أثر أئمة الفقه الإسلامى فى تطوير قواعد القانون الدولى ، والعلاقات الدولية"( ) والنماذج التى عرض لها سيادته ، وتناولها بالتحليل لا تخدم القانون والعلاقات الدولية فحسب ، بل تكشف فى وضوح عن رسوخ مبدأ المشروعية وتقيد الدولة بالقانون فى الشريعة الإسلامية .
ومع هذا فإن دراسة الأستاذ العوا فى النظام السياسى للدولة الإسلامية ، ورسالة الدكتور منير البياتى " النظام السياسى الإسلامى مقارنا بالدولة القانونية" ورسالة الدكتور محمد ممدوح العربى " دولة الرسول فى المدينة" أكثر إبانة لهذا المبدأ .
ولكن هل يمكن إرجاع معرفة الغرب لهذا المبدأ إلى الوعى الإسلامى ؟
لا شك أن معارفنا ، بل تقيداتنا الدينية ، أسبق منهم بكثير ، ووقوفهم عليها وإحاطتهم بها أمر لا يداخله شك ، ومن اعترافاتهم ما سجله مسيوج . دوفال بقوله " من فضل الإسلام …. تعليم أولياء الأمور أن عليهم من الواجبات ما على الرعية ، وإقامة المجتمع على أسس منظمة …"( ) وما سجله بول شمتز بقوله " الخلفاء لم يكن لهم سوى السلطة الدنيوية ، فهم ينفذون ما شرعه النبى  ويضبطون أمور الدولة طبقا للشريعة الإسلامية ، لم يمارسوا فيها سلطة فردية …. وقد طبقت الشريعة على الخليفة وعلى المسلم الذى لا يحتل أى مركز اجتماعى ، سواء بسواء ، لا فرق بين عظيم وحقير ، ولا بين غنى وفقير"( ) وهذه الاعترافات ونحوها ترجح فى نفسى أن مقومات الدولة القانونية ترجع غالبا إلى الوعى الإسلامى.
المطلب الثانى
الدولة الإسلامية فى فقه السلف
-1-
المصطلح الإسلامى على الكيان السياسى
اتفق أهل النظر على أن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية ، فهو ليس دينا فحسب ، ولكنه نظام سياسى ( ) وما دام كذلك " فمن الضرورى أن يتولد عنه بطبيعة الحال جغرافيا سياسية وموقع على الخارطة الدولية ، ومواصفات ثقافية ، ونمط اجتماعى ، وتميز تربوى قانونى ، وسوف يترتب عليه علاقات ومعاهدات ومواجهات ، ومدافعات ، ومن هنا كان لا بد وأن يوضع مصطلح يطلق على هذه المنطقة الجغرافية "( ) يدل عليها ويحمل أهم سماتها.
والعهد بالسلف الصالح دقة التعبير ، والوعى بالمضامين ، إيمانا منهم – وهو يلزمنا قطعا – بأن " الألفاظ للمعانى أزمة ، وعليها أدلة ، وإليها موصلة ، وعلى المراد منها محصلة "( ) وقد أدبهم القرآن وأدبتهم السنة أن يختاروا الألفاظ وينتقوا أحسنها ، ويستطيع الناظر فى التراث أن يدرك ذلك من خلال عناية الأصوليين والفقهاء – مثلا – بالمباحث اللغوية فى الحروف والألفاظ والتراكيب ، ومن خلال التعاريف التى تبرز الإطلاقات اللغوية والشرعية والعرفية ، والحقائق والمجازات إلخ.
وبدهى أن أعلام الأمة إذ يدركون أنهم حملة رسالة ، ومبلغوا أمانة وبناة حضارة فلابد وأن تكون مصطلحاتهم معبرة عن قسمات وسمات وملامح شخصية أمتهم وميراثها الثقافى ، وركائزها الثقافية ( ) ولا أدل على هذا من اصطلاحات الشرع ، فإن لم يكن فى الموحى به مصطلح فالاستئناس به عصمة من الزلل واقتراب من الصواب .
ولم يتح لى أن استقرئ فى روية مصطلحين اشتهرا فى الدلالة على الكيان السياسى المستقل ، وهما مصطلح "الدار" ومصطلح "الدولة" لأرى مبلغ استعمالاتهما فى العصور المتعاقبة ، وفى عجلة من النظر ( ) وجدت أن لفظ "الدار" أكثر استعمالا فى القرآن الكريم من لفظ "الدولة" ( ) ولم أقف على لفظ "الدولة " فى الخطاب النبوى الشريف ، بينما روى عن النبى  استعماله لفظ الدار، ففيما روى الإمام مسلم والترمذى وأبو داود عن بريدة الأسلمى  قال : كان رسول الله  إذا بعث أميراً على سرية أوجيش أوصاه …. وقال : اغزوا باسم الله وفى سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ….، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال ، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم : ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذى يجرى على المؤمنين ، ولا يكون لهم فى الغنيمة والفئ شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين…" .
وقد جاء فى كتاب خالد بن الوليد  لأهل الحيرة ما نصه " …. وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات ، أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه ، طرحت جزيته ، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام ، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على عيالهم "( ) وكان هذا فى السنة الثانية عشرة من الهجرة فى خلافة أبى بكر الصديق  ( ).
والثابت أن الاصطلاح الذى ورد فى الحديث النبوى وفى كتاب خالد بن الوليد هو الذى ساد فى المصنفات الفقهية ، وأكاد أجزم أننا لا نجد له بدلا.
ولعل السر فى ذلك – والله أعلم – أن استعمالات القرآن الكريم تؤمئ إلى أن الدار تتجرد فى المكان ، وتجمع المتحدين فى الأمانى والمشاعر وإن تمايزوا فى غير ذلك من عرق أو جنس أو لون وغير ذلك ، وأنها تبقى مالا تبقى الدولة ( ).
أفهم ذلك من قول الله تعالى " والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة …."( ).
قال الرازى ( ) : المراد من الدار المدينة وهى دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين ، وتقدير الآية : والذين تبوءوا المدينة والإيمان من قبلهم فإن قيل – افتراض منه - : فى الآية سؤالان ، أحدهما : أنه لا يقال تبوأ الإيمان " لأن التبوء إنما يكون فى الأماكن " ( ) .
والجواب من وجوه : أحدها : تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان ، وثانيها: جعلوا الإيمان مستقرا ووطنا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم ، كما أنهم لما سألوا سلمان عن نسبه فقال : أنا ابن الإسلام "( ).
وقال القرطبى : " يجوز حمله على حذف المضاف كأنه قال : تبوءوا الدار ومواضع الإيمان ، ويجوز حمله على ما دل عليه تبوأ كأنه قال : لزموا الدار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما "( ).
وأفهم الاتحاد فى المثل والاختلاف فيما دونه من حديث القرآن عن الدار الآخرة قال تعالى " وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون "( ) ومثل قوله " وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين "( ) وقوله " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا".
أما أنها تبقى ما لا تبقى الدولة ، فلأن الدولة من التداول ، وكأنها معنى يتعلق بالسلطة لا الكيان الاجتماعى ، قال الرازى فى معنى قول الله تعالى "كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم "( ) :" قال المبرد : الدولة اسم للشئ الذى يتداوله القوم بينهم ، يكون كذا مرة ، وكذا مرة ، والدّولة - بالفتح - انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم ، فالدولة بالضم اسم ما يتداول ، وبالفتح مصدر من هذا ، ويستعمل فى الحال السارة التى تحدث للإنسان ، فيقال هذه دولة فلان ، أى تداوله ، فالدّولة اسم لما يتداول من المال ، والدّولة : اسم لما ينتقل من الحال "( ).
ولا يتصور أن هذا المصطلح كان غائبا عن الأولين ، فقد روى ابن كثير فى تاريخه بسنده قال " قدم عبد الله بن عباس على معاوية وأنا حاضر – يعنى الراوى نفسه – فأجازه وأحسن جائزته ، ثم قال : يا أبا العباس هل لكم دولة … إلخ "( ) وابن كثير نفسه يترجم للباب بعنوان "ما ورد فى انقضاء دولة بنى أمية وابتداء بنى العباس…إلخ".
ويستوقفنا فى التحرى أن الإمام الماوردى فى التأليف العام كالحاوى الكبير ، والأحكام السلطانية لا يذكر لفظة " دولة" البتة ، بينما نجده فى نصائحه السلطانية يذكرها ، ففى تسهيل النظر ، وفى حديثه بخصوص الملك الظالم يقول "… وإن جاروا وعسفوا فهو حولة توثب ، ودولة تغلب"( ) ،
ويقول "…. وليعلم الملك أن من قواعد دولته الوفاء بعهوده "( ).
وأكثر ما نجد اصطلاح " الدولة " عند الأندلسيين والمغاربة ، فمن عبارة الطرطوشى " اعلموا أن معظم ما يدخل على الدول من الفساد هو من تقليد الأعمال أهل الحرص عليها "( ) ويقول : الاحتجاب أدخل الخلال فى هدم السلطان ، وأسرعها خرابا للدول "( ) وأكثر منه فى مثل هذه التعبيرات لسان الدين ابن الخطيب فى كتابه الإحاطة ( ).
وواضح أن اللفظة تستعمل للدلالة على حقبة زمنية من ولاية الحكم والغلبة.
ولكن ابن خلدون – وهو من هو – يوسع من دلالة اللفظ فيطلقه على نظام الحكم وفلسفته – إن صح التعبير – فيقول " والخلل إنما يكون من خلال الدولة الكلية مثل دولة الروم ، أو الفرس ، أو العرب على العموم ، أو بنى أمية أو بنى العباس كذلك ، وأما الدولة الشخصية ، مثل دولة أنو شروان ، أو عبد الملك بن مروان ، أو الرشيد ، فأشخاصها متعاقبة على العمران ، حافظة لوجوده وبقائه وقريبة الشبه بعضها من بعض فلا تؤثر كثير اختلال ، لأن الدولة بالحقيقة الفاعلة فى مادة العمران ، إنما هى العصبية والشوكة ، وهى مستمرة على أشخاص الدولة ، فإذا ذهبت تلك العصبية ودفعتها عصبية أخرى مؤثرة فى العمران ذهب أهل الشوكة بأجمعهم وعظم الخلل كما قررناه أولا"( ).
ولا يتردد ابن خلدون أن يقول " الدولة الإسلامية "( ) " واختط بنو العباس بغداد وترقت الخطوط فيها لما استبحرت فى العمران ، وكانت دار الإسلام ومركز الدولة العربية "( ) "وطما بحر العمران والحضارة فى الدول الإسلامية فى كل قطر "( ) " ثم لما انحل نظام الدولة الإسلامية وتناقصت تناقض ذلك أجمع ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة "( ) " كانت العناية قديما بالدواوين العلمية والسجلات … وكان سبب ذلك ما وقع من ضخامة الدولة وتوابع الحضارة ، وقد ذهب ذلك لهذا العهد بذهاب الدولة وتناقص العمران ، بعد أن كان منه فى الملة الإسلامية بحر زاخر بالعراق والأندلس "( ) " فكتب الشيعة فى بلادهم ، وحيث كانت دولتهم قائمة فى المغرب والمشرق واليمن"( ) ومثل ذلك كثير .
وكما هو ظاهر فإن من استعمالات العلامة القاضى والفقيه ابن خلدون ما رادف به بين دار الإسلام ، والدولة الإسلامية ، ولعل تفضيله المصطلح الأخير يرجع إلى أن الدار عنصر خامل والسلطة هى العنصر الفاعل ، " ومفتاحها عنده هى العصبية ، التى تعد نظرية فى البناء الاجتماعى "( ) وبقدر قوتها تقوم الدولة وتتطور وبقدر انحلال العصبية فى الأجيال التالية المترفة تسقط الدولة أو تنحل ، ومتى عرض لها ذلك دالت إلى عصبية أخرى ، ومن هنا سميت دولة ، ولا شك أن البقاع الإسلامية ليست بمنجاة من ذلك . فهذه سنة التدافع.
ونخلص من ذلك إلى أن كلا الاصطلاحين "الدار " و " الدولة " فى تراثنا ، وأن لاستعمال كل منهما تعليلا مقبولا ، ولكن لماذا اطرد فى التعبير الفقهى اصطلاح " الدار " ونبذ اصطلاح الدولة ؟
-2-
إطباق الفقهاء على مصطلح " الدار ":
فتن كثيرة اجتاحت دولة الإسلام بعد سنوات من نشأتها ، وأخذت تعمل عملها ، حتى كانت سنة ثمان وثلاثين ومائة فاستولى عبد الرحمن الداخل على الأندلس ، وإن لم يعلن نفسه خليفة إلا أنها كانت فى الواقع مستقلة عن الدولة فى الشرق ، ولم يكد القرن الثالث يجاوز منتصفه حتى كان الحسن بن على الأطروش خليفة لدولة شيعية زيدية فى الديلم والجبل ، وأقام الهادى دولة الزيدية فى اليمن وعمرت حتى القرن الرابع عشر الهجرى ، وفى المغرب قامت الدولة الفاطمية التى استولت على مصر وحكمتها زمنا ، ثم تلا ذلك قيام دويلات أخرى كثيرة ( ) ، وعلى الرغم من ذلك كله نرى كتب الفقه مطبقة على اصطلاح " دار الإسلام " و " دار الحرب " فما الغرض من هذا ؟
الظاهر – فى رأيي – أن هذا التقسيم ( ) قصد به أولا تنظيم العلاقات الخارجية فى السلم والحرب ، والأصل فيها أنها علاقات بين فريقين كبيرين لكل منهما ولاء ، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض ، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ، وهذه قاعدة دائمة شرعا ، فلا يناسبها مصطلح " الدولة " ومن مضامينه التوقيت.
وقد يقوى هذا الفهم أن انفراط عقد الوحدة لم يمنع - إلى زمن - الفتوحات الإسلامية ، كما أنه لم يصلنا أبدا أن الدويلات المتناحرة منعت الرعايا من الدخول إلى هنا أو الانتقال إلى هناك ، وما يروى من منع شخص أو جماعة من إقليم ما فمرده عادة إلى خوف المكيدة ، أو إثارة القلاقل ، مما يعنى أن الاستبداد بالسلطة لا يعنى الاستقلال بالمعنى الدقيق.
وعلى هذا جاءت تعريفات ( ) دار الإسلام بأنها :
* الدار التى تظهر فيها أحكام الإسلام .
* كل محل قدر أهله فيه على الامتناع من الحربين .
* هى التى نزلها المسلمون ، وجرت عليها أحكام الإسلام.
* الدار التى تجرى عليها أحكام الإسلام ويأمن من فيها بأمان المسلمين، سواء أكانوا مسلمين أم كانوا ذميين.
ومحصلة ذلك أن " بلاد الإسلام تعتبر – فى رأى السلف – كلها دارا واحدة ولو اختلف حكامها ، وصارت دولا شتى ، لنفوذ حكم الإسلام فيها ( ) ، وبعبارة الإمام السرخسى " لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة "( ) ولا يغير من هذه الحقيقة أن يمتنع جماعة من المسلمين ببقعة ما ، جاء فى السير الكبير وشرحه " …. الخوارج وأهل البغى مسلمون من أهل دارنا"( ) و " أمان الخوارج لأهل الحرب جائز كأمان أهل العدل ، لأنهم مسلمون من أهل فئة ممتنعة "( ) " فإن قاتلوا فقال أمير أهل العدل : من قتل قتيلا فله سلبه ، فقتل رجل قتيلا من الخوارج لم يكن له سلبه ، لأنهم مسلمون وأموالهم محرزة بدار الإسلام فلا تكون غنيمة "( ) " ولو أن الخوارج صالحوا أهل الحرب ووادعوهم ثم دخل رجل منهم إلى أهل العدل كان آمنا بتلك الموادعة، لأنهم بمنزلة أهل العدل مع أهل الحرب ، ألا ترى أن فى عقد الذمة وإعطاء الأمان هم بمنزلتهم ، فكذلك فى الموادعة ، ولا ينبغى لأهل العدل أن يقاتلوهم حتى ينبذوا إليهم كما لو كانت الموادعة من جهتهم ، لأن تلك الموادعة كانت بمنزلة إعطاء الأمان لهم "( ).
وقال الماوردى " عقد أهل البغى لهم كعقد أهل العدل لقول النبى  "المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم " ويصيرون بهذا الأمان آمنين من أهل العدل لعمومه وصحته ما لم يقاتلونا "( ) " لأن الإسلام يجمعهم وإن جرى الاختلاف بينهم "( ).
-3-
مدى إقرار تعدد السيادة فى دار الإسلام
جماهير علماء الإسلام على أن السلطة السياسية فى جميع بلاد الإسلام فى المشرق والمغرب واحدة ، لا تتعدد ، وأى خروج على السلطة الشرعية يعد منكرا لا يقر .
وللجمهور على وحدة السيادة أدلة متعددة من الكتاب والسنة فضلا عن المعقول والمصلحة ، وقد عرضوا لها باستفاضة عند بحثهم أحكام البغاة ( ) .
ولكن رأيا طرحه الحباب بن المنذر  فى اجتماع السقيفة مضمونه أن يكون من الأنصار أمير ، ومن المهاجرين أمير ( ) هذا الرأى لم يلق قبولا فى حينه ( ) ولكن الفئات الممتنعة – مؤخرا – بأقاليم ظهرت عليها أجازت القول بالبيعة لإمامين فى وقت واحد متى تباعدت الديار ، وينسب القول بهذا الرأى إلى إمام الحرمين الجوينى رحمه الله تعالى ( ).
رأى الشوكانى والصنعانى فى تعدد السيادة :
وأكثر الناس انتصارا لهذا الرأى – بعدما لحق بالخلافة من انكسار – الإمامان الشوكانى والصنعانى ، ونص عبارة الأول كما فى السيل الجرار شرح متن الأزهار :
" قوله – أى صاحب المتن – " ولا يصح إمامان "
أقول : والعبارة للشوكانى – إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه ، مربوطة به ، كما كان فى أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم فحكم الشرع فى الثانى الذى جاء بعد ثبوت ولاية الأول أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة ، وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة فى وقت واحد فليس أحدهما أولى من الآخر ، بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر فى أحدهما ، فإن استمرا على الخلاف كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين ، ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك .
وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار فى كل قطر ، أو أقطار ، الولاية إلى إمام أو سلطان ، وفى القطر الآخر أو الأقطار كذلك ، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهى فى قطر الآخر وأقطاره التى رجعت إلى ولايته ، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذى ينفذ فيه أوامره ونواهيه ، وكذلك صاحب القطر الآخر ، فإذا قام من ينازعه فى القطر الذى قد ثبتت فيه ولايته ، وبايعه أهله ، كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب ، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته ، ولا الدخول تحت ولايته ، لتباعد الأقطار ، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها ، ولا يدرى من قام منهم أومات ، فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق ، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد ، فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية فى أرض المغرب فضلا عن أن يتمكنوا من طاعته ، وهكذا العكس ، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية فى اليمن ، وهكذا العكس .
فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية ، والمطابق لما تدل عليه الأدلة ، ودع عنك ما يقال فى مخالفته ، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية فى أول الإسلام وما هى عليه الآن أوضح من شمس النهار ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها "( ) .
ويتأول الصنعانى الأحاديث الواردة فى لزوم الجماعة وطاعة الأمير الذى انعقدت له البيعة فيخصها بأهل قطر ، لا عموم جماعة المسلمين " إذ لم يجمع الناس على خليفة فى جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية ، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم ، إذ لو حمل الحديث – من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة – على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام لقلت فائدته "( ).
تعقيب
كلام الشيخين – الشوكانى والصنعانى – إن حمل على الاستقلال بتصريف الشئون الداخلية ، والقيام بأمر هذا القطر ، دون الرجوع إلى سلطة أخرى فى خصوص سياسته وتدبيره على الصعيد المحلى ، مع الالتزام التام بمصلحة الجماعة الإسلامية الكبرى ، فهو فى رأيي مقبول ، بل هو مدخل من مداخل الحضارة " لأن الدولة تجمع أموال الرعية وتنفقها فى بطانتها ورجالها ، وتتسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتساعها بالمال ، فيكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخرجها فى أهل الدولة ، ثم فيمن تعلق بهم من أهل المصر ، وهم الأكثر، فتعظم لذلك ثروتهم ، ويكثر غناهم ، وتتزايد عوائد الترف ومذاهبه ، وتستحكم لديهم الصنائع فى سائر فنونه ، وهذه هى الحضارة .
ولهذا تجد الأمصار التى فى القاصية ، ولو كانت موفورة العمران تغلب عليها أحوال البداوة ، وتبعد عن الحضارة فى جميع مذاهبها ، بخلاف المدن المتوسطة فى الأقطار التى هى مركز الدولة ومقرها ، وما ذاك إلا لمجاورة السلطان لهم ، وفيض أمواله فيهم ، كالماء يخضر ما قرب منه ، فما قرب من الأرض إلى أن ينتهى إلى الجفوف على البعد ، وقدمنا أن السلطان والدولة سوق للعالم ، فالبضائع كلها موجودة فى السوق وما قرب منه ، وإذا بعدت عن السوق افتقدت البضائع جملة .
ثم إنه إذا اتسعت تلك الدولة وتعاقب ملوكها فى ذلك المصر واحدا بعد واحد استكملت الحضارة فيهم وزادت رسوخا "( ).
وهذا التوجيه – ذو المقصد الإنمائى – أوجه – فى رأيي – من مجرد عدم العلم بمستحق الطاعة ، وبلوغ الخبر ، إذ فضلا عن انتفاء البعد بتطور وسائل الاتصال والمواصلات فى زماننا فإن نظام البريد قد تطور فى عصور الإسلام تطورا مذهلاً ( ) يصعب معه قبول القول بأن قطراً لا يبلغه خبر الإمام وحياته أو موته .
كما لا يخشى من قول الشيخين – الشوكانى والصنعانى – متى التزمت كافة الحكومات الإسلامية بقيم الإسلام خصوصا فى دائرتى الولاء والبراء ، والتزامها جميعا بمصلحة الإسلام العليا ، وهى التمكين لدين الله فى الأرض .
ولكن الخشية كل الخشية من قيام الدولة القطرية وتمتعها بالسيادة التامة داخليا وخارجيا مع ضعف التزامها بقيم الإسلام وصالح الجماعة الإسلامية الكبرى ، فهذا ما يوقع النزاع بين بنى الإسلام لتنازع المصالح ، ويجعل الأقطار الإسلامية عرضه لافتراس الأعداء بعد أن أضعفتهم الفرقة ، وأذهب بأسهم التدابر والتقاطع ، وهذا واقع مشاهد لا يسع أحد نكرانه ، وقد كان مثله تحت نظر الفقهاء منذ القرن الثالث فما بعده ، ولدقة موازينهم فى درء المفاسد وجلب المنافع واختيار أخف الضررين قالوا " ولو خرج رجل على الإمام فقهره ، وغلب الناس بسيفه حتى أقروا له وأذعنوا بطاعته وتابعوه صار إماما يحرم قتاله والخروج عليه … وذلك لما فى الخروج عليه من شق عصى المسلمين ، وإراقة دمائهم ، وذهاب أموالهم ، ويدخل الخارج عليه فى عموم قوله عليه السلام " من خرج على أمتى وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان "( ) لم يقولوها تسويغا للاستبداد ومماراة للظلمة من الحكام كما يدعى بعض المعاصرين ، لأنهم بشهادة التاريخ أكثر المكتوين بنار الظلم ، ولكنهم قالوها قبولا بأهون الشرين ، حرصا على وحدة تدوم وصبرا على دولة تدول .
إن السلف من فقهائنا إذ تشبثوا بالوحدة ، وسفهوا كل قول بالمبايعة لأميرين فى وقت واحد – مع تجزؤ الدولة فعلا – كانوا أسدّ نظرا ، وأحكم رأيا ، وقولهم أقرب إلى ظاهر الكتاب والسنة ومقاصد الشرع ( ) ، وأحوط لمصلحة المجموع ، ولا أدل على سلامته من ذلك السعى الحثيث من قبل أوربا التى تتحرق شوقا إلى الوحدة ، بل إن أساتذة القانون الدولى يبشرون بأن " الدولة – فى مظهرها المعلوم لنا الآن – قد دخلت فى مرحلة الغروب ، وأن الحياة تشهد فى الوقت الحاضر انتقال التجمع الإنسانى إلى مرحلة أخرى من مراحله المتطورة والنامية ، تسودها وحدة المصالح السياسية والاقتصادية ، والدفاعية والاجتماعية "( ).
وخلاصة القول :
أن تجزؤ السيادة إن اقتصر على الشأن الداخلى فهو مقبول ، ويؤمل أن يكون له مردود حضارى على الأقطار المستقلة داخليا ، أما الاستقلال فى الشأن الخارجى فندر أن نرى الفقه الإسلامى أشد نفرة من واقع منه من هذا الاستقلال ، حتى ليبدو لغير المدقق أن الفقه فى هذا الشأن من شئون الحياة واعظ لا مشرع، أو كأنه كما يقول الأستاذ فهمى هويدى " يخاطب قوما غيرنا " ، والحق أن الفقه ثابت فى الثوابت متغير فى المتغيرات ، قد يستدعينا الواقع أن نجتهد فى أشكال جديدة للوحدة ، أما الوحدة ففريضة دينية قبل أن تكون غرضا مصلحيا ، وقد حاولت البابوية مراراً أن توحد أوربا ففشلت لعدم توحدها فكريا ، وها نحن نرى أوربا العلمانية تتحرق شوقا إلى وحدة تواجه بها التكتلات الكبرى ، ولا يخفى أنها مع كل أعداء الإسلام تسعى إلى تفتيت الأقطار الإسلامية ، وكلنا يرصد اليوم الأخطار المحدقة بوحدة العراق ، وأندونسيا ، والسودان ، والصومال ، وأفغانستان ، والجزائر .

المطلب الثالث
أهم إفرازات الواقع المعاصر
ظهر لنا فيما سلف أن اصطلاح " دار الإسلام " ليس نبتا فقهيا خالصا ، أو مجرد " اجتهاد بشرى اقتضته ظروف الحال والواقع الدولى فى ذلك الوقت"( ) ، وإنما هو متابعة لاصطلاح الوحى ، أو بالأقل استئناس به ، ومع هذا فإنه فى النهاية اصطلاح ، ولنا أن نتابع على قول أسلافنا " لا مشاحة فى الاصطلاح " فليسم كياننا السياسى وإن بما هو أقل دقة مادامت تقتضيه المعاصرة ، ويلتقى عليه الفرقاء ، فى تنظيم العلاقات الدولية .
ومع أننى أرى فى ثبات الفقهاء على تكريس وحدة الدولة وتغافل الواقع قوة فى الدين وسداداً فى النظر ، فإن الواقع قد أفرز قضايا كثيرة لا نجد بداً من معالجتها ، ومنها :

-1-
حقيقة دار الإسلام .
تعريف العلماء لدار الإسلام يتنازعه حدان ( ) :
أولهما لجمهور العلماء ، ومضمونه : أن دار الإسلام هى الدار التى نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام ، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها.
والثانى : أن دار الإسلام هى الدار التى يأمن من فيها بأمان المسلمين الأول . يقول الشيخ على الخفيف " إنما يتحقق اختلاف الدارين بانقطاع العصمة، وليس مناط الاختلاف الإسلام وعدمه ، وإنما مناطه الأمن والفزع "( ).
وإلى هذا الرأى الثانى يميل أكثر المحدثين ( ) ، وهو يقينا قول الإمام الأسبيجابى الحنفى ، فقد سئل فيما تصير به دار الإسلام دار حرب بعد إغارة التتار علينا ، فقال " إنما تصير دار الإسلام دار حرب بإجراء أحكام الكفر فيها ، وألا يحكم فيها بأحكام الإسلام ، وأن تتصل بدار الحرب ، وألا يبقى فيها مسلم ولا ذمى بالأمان الأول ، أى بأمان أثبته الشرع بالإيمان ، أو بعقد الذمة ، فإذا وجدت الشرائط كلها صارت دار حرب ، وعند تعارض الدلائل أو الشرائط فإنه يبقى ما كان على ما كان ، أو يترجح جانب الإسلام احتياطا ، ألا ترى أن دار الحرب تصير دار إسلام بمجرد ظهور أحكام الإسلام فيها "( ) وعلى ما يشير السرخسى فإن الأسبيجابى تابع فى فتواه على رأى الإمام أبى حنيفة ( ).
وبمقاييس عصرنا يندر أن نجد دارا دخلها الإسلام لا تتوافر فيها الشروط التى وضعها الإمام الأسبيجابى ، ففى ظل إعلانات حقوق الإنسان يتمتع أكثر المسلمين أين كانوا بشئ من حرية العقيدة ، وإقامة الشعائر ، بما فى ذلك عقد الزواج على الطريقة الإسلامية ، فهل كل دار ظهرت أحكام من الإسلام فيها من هذه الدور تصبح دارا إسلامية ؟
وفى مجتمعاتنا الإسلامية قل أن نجد دولة تطبق أحكام الإسلام فى الجنايات – والمعاملات – باستثناء الأحوال الشخصية – وإن راعت إقامة الشعائر والمظاهر الإسلامية ، فإن منها ما لا يحرس الملة من ترهات المبطلين ويراها حرية فكر وإبداع ، على أن الحكم فى بلادنا غالبا ما يتسم بالاستبداد ، ويفتقد الشورى ، ولا يرعى – حتى بالقدر المعقول - حقوق الإنسان ، ولكن نظرا لأن الغلبة فيها لحكام يدينون بالإسلام ، وسكانها يعيشون بأمان المسلمين الأول فإنها حسب نظرية أبى حنيفة  تعد دار إسلام .
وعلى النقيض من ذلك تماما يقوم الوضع على أساس مذهب الجمهور ، فنادرة تلك الدولة التى تقيم الإسلام ، وتطبق شرعه ، وتنطلق من قيمه فى التشريع والتربية والاقتصاد إلخ ( ) وأشد ندرة – منذ زمن طويل – تلك الدار التى وصف الله أعضاءها بأنهم " يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون "( ) وأنهم " تبوءوا الدار والإيمان من قبل يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .." ( ) وأنهم " يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى صدورنا غلا للذين أمنوا …"( ) .
ويبدو أن بعض أساتذتنا قد أنفوا أن يقال إن مجتمعاتنا لم تعد دار إسلام – وفق المصطلح الدستورى – فمالوا إلى رأى الإمام أبى حنيفة .
والحق أننى لا أوافقهم الرأى فى ذلك ، بل أرى مع بعض علمائنا ( ) أنه لا يوجد اليوم ما يسمى بدار الإسلام بالمفهوم السياسى والقانونى ، بل إن بعض مجتمعات المسلمين ، خصوصا فيما يتصل بجوهر الحكم ، أعنى حراسة الملة وسياسة الأمة ، لتبدو أقرب إلى أمة الدعوة منها إلى أمة الإجابة ، فلنصطلح على أننا اليوم مجتمعات إسلامية أو مسلمة ( )، لكننا بيقين لسنا دار الإسلام .
وإن صح هذا وانتفى عن مجتمعاتنا وصف دار الإسلام – بالمعنى السياسى والقانونى – انتفى فى المقابل عن المخالفين وصف دار الحرب ، ومن ثم يصبح الوصف الملائم – فى رأيي – هو وصف الأكثرية المسلمة أو مجتمعات المسلمين بالنسبة لنا ، والأكثرية غير المسلمة ، أو مجتمعات غير المسلمين بالنظر إلى المخالفين .
-2-
هل يلزم المسلم بالتحول إلى مجتمعات المسلمين ؟
لم يكن الطرح القديم لهذا السؤال على هذا النحو ، وإنما كان هل يجب التحول إلى دار الإسلام ؟
والجواب يتنازعه فى فقه السلف رأيان ( ) :
أحدهما : يوجب على المسلم الخروج بدينه إلى دار الإسلام ، فإن بقى فقد عصى ، لقول النبى  " أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"( ) وحتى لا يكثر سوادهم ، وتلحقه الدنية فى دينه.
والثانى : وهو لجمهور الفقهاء : ويفرق فى الحكم بين مسلم لا يقدر على إظهار دينه ، ويخشى الفتنة ، ولا يمنعه من الهجرة مانع ، وآخر يقدر على إظهار دينه ، ولا يخشى الفتنة ، أو لا يقدر على إظهار دينه ، أو يخشى الفتنة ولكن يمنعه من الهجرة مانع .
أما الأول فتلزمه الهجرة حتى لا يلحقه الذم الثابت بقول الله تعالى " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا "( ).
وأما الذى يقدر ولا يخشى الفتنة فلا تلزمه هجرة ، لما روى ابن حبان فى صحيحه أن فديكاً أتى النبى  فقال : يا رسول الله إن الناس يزعمون أن من لم يهاجر هلك ، قال رسول الله  : يا فديك أقم الصلاة وآت الزكاة واسكن من دار قومك حيث شئت ، قال : وأظنه قال : تكن مهاجرا "( ).
وأما الذى لا يقدر على إظهار دينه ، أو يخشى الفتنة ، ولكن يمنعه من الهجرة مانع غير مستطاع الدفع فعليه أن يصبر حتى يجد له ملجأ ، وهذا ومثله من استثناهم الله من أية الهجرة فقال " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا " ( ).
والفتوى فى عصرنا على هذا الرأى الأخير ( ) ، بل إن الإمام الشيخ جاد الحق على جاد الحق – رحمه الله – لم يفت بتعين الهجرة إلى بلاد الإسلام ، وإنما نص عبارته " أما إن خاف على دينه وخلقه أو على ماله وعرضه وجب عليه أن يهاجر إلى بلد يجد فيه الأمان "( ) ولعله راعى أن الأحكام القانونية متماثلة ، وكثيرا ما ترعى الحريات فى بلاد المخالفين ما لا ترعى فى بلادنا ، وأملاً فى أن يكون المقيم بديار المخالفين ناشرا دعوة الإسلام ومبينا حقيقته لغير المسلمين.
والذى ينبغى أن أضيفه هنا أن الدولة القطرية فى مجتمعات المسلمين تترخص فى منح جنسيتها لرؤساء الطوائف الدينية ، ربما لقلتهم ، بينما تتشدد فى منح الجنسية لغيرهم ، ولا تخلو قوانين الإقامة من قيود تصل فى بعض الأقطار حد التعنت ، ولا شك أن كل ذلك يعد مانعا يحول دون الفارين بدينهم وعرضهم ، أما ذوو الأموال فكل الأرض ترحب بهم.
-3-
حكم النزوح من مجتمعات المسلمين إلى بلاد المخالفين :
ظاهر رأى المالكية أن دخول ديار المخالفين لا يجوز إلا لمفاداة أسير ، أو إبلاغ رسالة ، فقد سئل مالك رحمه الله عن السفر إلى دار الكفر . فقال : قد جعل الله لكل نفس أجلا تبلغه ، ورزقا تنفذه ، وهو يجرى عليه أحكامهم فلا أرى ذلك "( ) وفى مقدمات ابن رشد " فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر ويلحق بدار المسلمين ولا يئوى بين المشركين ، ويقيم بين أظهرهم لئلا تجرى عليه أحكامهم ، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث تجرى عليه أحكامهم فى تجارة وغيرها … ولا يجوز لأحد من المسلمين دخول دار الشرك لتجارة ولا لغيرها إلا لمفاداة مسلم "( ) ولكن القاضى عياض فرق فى التجارة بين ما إذا تحقق المسلم من جريان أحكام المشركين على التاجر ، وإن لم يتحقق ، فقال " إن تحقق حرم ، ويختلف إذا لم يتحقق "( ).
ولكن جمهور الفقهاء ( ) على أن السفر لحاجة – كيف كانت – جائز على أن يبادر المسلم بالعودة ، ولا يقيم ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فإن أقام فإنه يفرق فى حكمه بين أمور عدة :
1- أن يلحق بهم مختارا لهم على من يليه من المسلمين ، وكان كما يقول عبد الله بن عمر  قد تزوج بأرضهم ، وسلك سلوكهم العقيدى ، وتشبه بهم حتى يموت ، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها ، وأشد منه من يكون عونا لهم على المسلمين ( ).
2- وإن فر إليهم لظلم خافه – كحالة اللجوء السياسى – ولم يحارب المسلمين ، ولا أعان عليهم ، ولم يجد فى المسلمين من يجيره ، فهذا لا شئ عليه لأنه مضطر ، وحكمه فى الاستقرار حكم المقيم ببلاد المخالفين ( ) ، على ما بينا فى الفقرة السابقة.
3- وإن نزح إليهم لدنيا يصيبها مع أمن الفتنة فى دينه فالعلماء يفرقون فى حكمه بين فروض أهمها ( ) :
ا- إذا كان فى بقائه مصلحة تعود على الإسلام والمسلمين أو يرجى ظهور الإسلام بإقامته فيهم فإقامته هناك واجبة ، بل وتحرم فى حقه الهجرة إلى مجتمعات المسلمين ( ).
ب- إن كانت للمسلمين مصلحة فى رجوعه مع أنه آمن على دينه فى إقامته ، ومثاله الأشهر العلماء ذوو التخصصات النادرة ، فظاهر كلام صاحب المغنى أن عودة مستحب " لتكثير سواد المسلمين ومعونتهم ، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم "( ) وأرى أن الحكم هنا يجاوز الاستحباب إلى الوجوب، لآن نصرة المسلمين واجبة ما لم يمكنهم تقديم العون لمجتمعاتهم بوسائل أخرى لا تستدعى العود النهائى.
وعلى كل حال فإن ديار المخالفين وأحوالهم وقوانينهم تختلف تماما عما عرفه العلماء – فى عصور الاجتهاد – عنهم ، والشئ الذى لا ينكر أن حقوق الإنسان بغض النظر عن اعتقاداته وتوجهاته محفوظة بالدساتير والقوانين ومرعية أكثر مما هى فى مجتمعاتنا ذات الأكثرية المسلمة ، كما أن أكثر قوانينهم المعاصرة توافق قوانيننا الوضعية ، وفى كثير من الحالات تقارب اجتهادات فقهائنا ( ) ، ومن ثم فقد قلت – فى رأيي – أهمية مسألة جريان أحكامهم على المسلم ، وأصبحت المسألة الجديرة بالبحث اليوم هى خضوع المسلم لولاية قاض غير مسلم ( ) مع الأخذ فى الاعتبار أن القضاء اليوم يطبق القوانين القائمة مراقبا بجهات قضائية أعلى ، أعنى أننا ينبغى أن نبحث : هل مناط النهى فى الولاية شخصى أم فكرى ؟
فإذا صح هذا التقدير فإن مقياس النزوح – فى رأيي – مصلحى ، وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله.
-4-
التجنس بجنسية دولة غير مسلمة :
يوم أن كانت دار الإسلام قائمة معنى وصورة أفتى الإمام أبو حنيفة رحمه الله أن العصمة – أى حرمة المال والدم على الدوام – واكتساب الحقوق ، تحصل بالإسلام والهجرة ، قال الجصاص فى معنى قوله تعالى " فإن كان من قوم عدولكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة "( ) "يفيد أنه ما لم يهاجر فهو من أهل دار الحرب باق على حكمه الأول فى أن لا قيمة لدمه وإن كان دمه محظورا، والنسبة إليهم قد تصح بأن يكون من بلدهم ، وإن لم يكن بينه وبينهم رحم بعد أن يجمعهم فى الوطن بلد ، أو قرية ، أو صقع ، فنسبه الله إليهم بعد الإسلام إذا كان من أهل ديارهم ، ودل على أن لا قيمة لدمه "( ) وقال الكاسانى " التقوم عندنا يثبت بدار الإسلام ، لأن التقوم بالعزة ، ولا عزة إلا بمنعة المسلمين ، وعند الشافعى رحمه الله التقوم يثبت بالإسلام "( ) وجمهور الفقهاء على رأى الشافعى  ( ).
ورأى الإمام وإن كان مرجوحا فى نظر الكثيرين من علمائنا ( ) إلا أنه يشير إلى أمرين :
أولهما : أن المسلم قد يكون رعية لدولة غير مسلمة ، وذلك متى لم يتحول إلى التنظيم السياسى للمسلمين .
والثانى : أنه فضلا عن الإثم الذى يلحقه بترك هذا الانضمام إلى الكيان السياسى المسلم – مع قدرته عليه – فإنه يفقد أهم حقين له فى ذمة المسلمين وهما تقوم الدم وتقوم المال.
ولا شك أن الإمام أفتى بذلك على أساس تكافؤ الحقوق والواجبات فالرعوية كما تكسب الفرد حقوقا فإنها تلزمه واجبات ، والمسلم الذى يؤثر الحكم الأجنبى على الحكم الإسلامى يظلم نفسه ، وتنتقص حقوقه ، وقد قال النبى  فيمن أبوا التحول إلى دار المهاجرين " أخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجرى عليهم حكم الله الذى يجرى على المؤمنين ، ولا يكون لهم فى الغنيمة والفئ شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ".
ولكن اليوم غير الأمس فدار الإسلام التى ترعى أخوة الدين ، وأخوة الخلق لا وجود لها ، ومصلحة الإسلام وجماعة المسلمين فى ثبات الأقليات المسلمة فى مواطنها بالغة الأهمية ( ) ، ولا يقل عنها أهمية اكتساب بعض المسلمين لمواطنة بعض الدول غير المسلمة – وإن كانوا يتمتعون برعوية دولة مسلمة – لصالح قضايا أمتهم ، ولا يتمكنون من ذلك إلا باكتساب مواطنة الدولة الأجنبية ، وقد يضطر المسلم ذو الرعوية إلى التجنس بجنسية أجنبية لاضطهاد ناله فى بلده ، أو طلبا للعيش الضرورى ، وقد يكون التجنس ترفا واستعلاء على بنى وطنه ودينه.
أخطار الجنسية :
الجنسية كما هو معروف تكسب الفرد حقوقا ، وتلزمه واجبات ولإن كانت الحقوق تعود على الفرد وأمته بخير ، فإنه يخشى من أن تنال الواجبات من عقيدة الفرد ومصلحة الأمة ، ومن هنا يأتى الخطر .
وأهم الأخطار - فى رأيي - تتمثل فى التزام الفرد المشاركة فى بناء الدولة التى يحمل جنسيتها بكل مواهبه وقدراته التى تتوافر لديه ، وآفة هذه الالتزام ظاهرة فى الغرب الذى يستمد كثيرا من قوته بامتصاص الأدمغة المهاجرة ، وقد يوظف هذه القوة فى ضرب واضطهاد الكيانات المسلمة ، وهذه الصورة هى التى عبر عنها السلف " بالإعانة ".
وثانى هذه الأخطار مسئولية الفرد عن الدفاع عن هذا البلد ومصالحه وتنفيذ أغراضه ، والمشاركة فى حروبه ، وقد يجد نفسه – كما حدث فى حرب الخليج – مصوبا سلاحه إلى صدر أخيه المسلم ، أو إلى مصالح المجتمعات المسلمة الحيوية ، وهذا ما عناه السلف بقولهم " تكثير سوادهم".
وعلى أساس من تقدير عوائد الحقوق والواجبات يتم – فى رأيي – الحكم على التجنس ، مع مراعاة ما تقدم فى حكم الإقامة فى ديار المخالفين ( ).
أما المسلمون من أهل سكان هذه الأقطار فإننى أرى مع بعض الباحثين– وعلى خلاف رأى الإمام أبى حنيفة – أن تشبثهم بجنسية مجتمعاتهم ، ونقلها إلى أولادهم ، كقرارهم فى هذه المجتمعات ، واجب دينى كالجهاد فى سبيل الله ، وعلى كافة القوى الإسلامية فى العالم أن تدعمهم بما يحفظ وجودهم ، وينمى قدراتهم فى مواجهة حملات الطرد والتشريد.
-5-
توزع تبعية المسلمين على دول عدة :
لعله من قبيل العجلة فى الحكم أن يقال " إن البلاد الإسلامية لم تكن تعرف قبل الحرب العالمية الأولى 1914-1918 هذا النظام المعمول به الآن من تفتيت العالم الإسلامى إلى ما يسمى بالدول ، وإقامة فواصل تقطع الأواصر بين هذه الدول وتحد من الاتصال بينها بناء على ما يسمى بالجنسية"( ) لأن البلاد الإسلامية تجزأت فعلا ، وحلت الإقليمية محل الوحدة الإسلامية ابتداء من النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى ثم استشرت فى العصور التالية ، وهذا الافتراق صاحبه كثير من أوجه الاستقلال : القبلى ، والمذهبى ، واللغوى ( ) وكما رأينا فإنه قد وصل الأمر بالإمام الصنعانى اليمنى المتو فى سنة 1182هـ أن يخرج على المستقر فقها والظاهر شرعا فيقول بمبايعة أميرين فى وقت واحد، كل له ولايته ورعيته التى تلزمها طاعته وحده وتحرم على آحادها منازعته ، ويتابعه على ذلك آخر من أعلام مفكرينا هو العلامة محمد بن على الشوكانى المتوفى سنة 1250هـ ، وحسب اطلاعى فإنهما غير مسبوقين من أحد من أهل السنة ، بل هما يقينا مخالفان لمذهب الزيدية حسب ما أفاد البحر الزخار ومتن الأزهار ( ).
نعم إن الاستعمار فجر الكوامن الباقية من القوميات حتى تجزأت الكيانات الكبيرة إلى نتف صغيرة ثبت حدودها ، وحدد رعاياها ، وصحيح أن وقائع التاريخ تشير إلى أصابع خفية فجرت الشعوبية وزكت الفرقة ، ولكن خطايا الحكام واستبدادهم هو ما صب الزيت على النار ، فكان الانفجار.
الحدود وحرية التنقل فى الدويلات الإسلامية :
لم يتح لى أن أطالع بحوثا متخصصة فى شأن الحدود وحرية التنقل بين الدول الإسلامية بعد أن انفرط عقد الوحدة ، ولكن بشئ من التأمل فى نظام الثغور والرباطات يمكن الجزم بقيام حدود بين هذه الولايات أو الدول ، ولكن يبدو أنه نظر للنزاعات الكثيرة التى وقعت فإن الحدود لم تكن ثابتة ، وإنما كان الإقليم يضيق أو يتسع وفقا لقانون الغلبة .
أما التنقل فقد كان طوعا وكرها – كما هو حادث الآن – فالتنقل طوعا طلبا للرزق وطيب الحال ، أو طلبا للعلم ، أو العمل ، وكما يذكر ابن خلدون فإن التركيبة السكانية كانت تتغير بتجدد الملك واختلاف العمران ، على أن أكثر ما يلحق التغير بالحامية والأعيان ، أما سواد العامة والفلاحون فانتقالهم قليل ، على أن رقعة الدولة إن كانت متسعة فحامية السلطة السابقة والأعيان يحولون إلى قطر يؤمن فيه غائلتهم ، أو يغرون بالنزوح عنها ، وإن لم يسعها ذلك أبعدتهم عن مصر الكرسىّ أو مقر الحكم ، وتنزل الدولة المتجددة ، مكان المنفيين ، من حاميتها وأشياعها من يشتد بهم المصر ( ) وكثيرا ما لعب الاصطناع أدواراً كبيرة فى الخريطة السكانية ( ).
ولا أعرف إن كان الداخلون إلى الدولة يستأذنون أم لا ، وكذلك الخارجون منها طوعا يستأذنون فى الانتقال أم لا ، لأن الذى تبرزه المصنفات الشائعة يتعلق عادة بدوى القدر ، ويبدو منه غلبة الإذن نزوحا أو هجرة .
والشئ المؤكد أن الشعور الدينى ثم وحدة اللغة يسرا كثيراً الامتزاج بين السكان ذوى الأصول المختلفة ، أما العمران واتصال الدولة وتراكم الحضارة فهو الداعى إلى التوطن الدائم أو الطويل.
فإن صح ما تقدم فإن السواد من العامة قليل التحول من موطنه ما لم يكن نزوح اضطرارى ، إجلاء أو هربا أو استقداما ، أما الحامية - الجند – والأعيان فهم العنصر المتغير ، والتغير كان رهنا بتحول السلطة الحاكمة أو دواعى السياسة ، أما التنقل فإننا نجزم أن تنقل الأجانب – غير المسلمين والذميين – كان بإذن على ما يظهر من فقه الأمان ، أما رعايا المجتمع الكبير – المسلمون والذميون – فلا أقطع فى تنقلهم بشئ ، ولكنى لا أتصور أنه كان فرطا من كل قيد لا سيما مع قيام النزاعات بين هذه الدول.
مدى مشروعية تجزؤ التبعية :
تقدم أن الجنسية على الراجح فقها وقضاء هى رابطة سياسية وقانونية بين الشخص ودولة معينة تجعله عضوا فيها وتفيد انتماءه إليها وتجعله فى حالة تبعية سياسية لها ، كما تقدم أن معنى الرعوية من منظور الشريعة الإسلامية لا يخرج عن هذا ، غير أنه وعلى رأى عامة السلف والخلف من الفقهاء فإن جنسية المسلمين فى كافة أرجاء الأرض واحدة وإن تعددت دولهم ، لأن ظاهر الأدلة أن السيادة لا تتعدد .
بينما أجاز الصنعانى والشوكانى من المتأخرين ( ) ، تعدد السيادة بتعدد المبايعة ، للضرورة فى رأى الشوكانى ، ومراعاة الواقع فى رأى الصنعانى ، ولعله أراد أن يقول : إنه لا بد للناس من حاكم حماية للدين وحفظا للحقوق ، وقد عجز الناس عن أن يجمعوا على خليفة واحد من أثناء الدولة العباسية ، فلم يكن بد من مراعاة أقل ما تحفظ به المصالح وتدفع به المفاسد ، ولهذا قال " إذ لو حمل الحديث – من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية – على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام لقلت فائدته " وبداهة فإن تعدد البيعة يتضمن تعدد الرعوية .
وكما رأينا فإن التحولات الدولية تبشر بأن المستقبل سيكون بإذن الله تطبيقا لمبدأ الوحدة الذى جاء به الشرع ، ولم ينثن عنه رأى عامة الفقهاء ، وهذا يلقى على كواهلنا البحث عن صيغة جديدة للوحدة ( ) ، وفى رأيي أن المقوم الجوهرى لها هو وحدة المرجعية التشريعية العليا المتمثلة فى القرآن والسنة( ).
وحتى يأذن الله بذلك فلا مفر من أن نبحث مشكلاتنا فى ضوء الواقع ، ونجتهد رأينا فإن أصبنا فمن الله ، وإن أخطأنا فمن أنفسنا ، ويكفينى أن أثير جدلا حسنا فى أمور لا بد لها من حلول ، فأقول وبالله التوفيق :
1- إن الجنسية أداة لتوزيع الأفراد بين مختلف الدول ، ومبدؤها المرتضى هو : حرية الدولة فى مادة الجنسية ، ولكن هذا المبدأ قيدته اتفاقية لاهاى لسنة 1930 بمراعاة الاتفاقات الدولية والعرف ومبادئ القانون الدولى فى مادة الجنسية ، ثم جاءت محكمة العدل الدولية فقضت فى 6 أبريل سنة 1955 بأن الجنسية التى يعتد بها فى المجال الدولى هى تلك التى تعبر عن واقع الحال ، أى تتفق مع الصلات الواقعية التى تربط الفرد بجماعة الدولة ، أى بشعبها ( ).
وهذا المعنى ملحوظ تماما فى قوانين الجنسية خصوصا العربية ، بغرض – وكما تقول المحكمة الإدارية العليا – " المحافظة على سلامة ركن السكان فى الدولة ، لكفالة سلامتها "( ).
ولا شك أن سلامة الدولة – ولو قطرية – غاية مشروعة ، وما الوصاية بالرعية ، وبالولاة وإن جاروا ، إلا توسلا لهذه الغاية وكما يقول الإمام أبو زهرة" إن الحكم المنتظم على أى صورة خير من الفوضى ، ولا عدل مع الفوضى ، ولا خير قط فى فوضى "( ) وكما رصد علماؤنا فإن استقراء تاريخ النزاعات فى الأقطار الإسلامية يثبت أن ضعف الامتزاج الاجتماعى – مع ضعف الشعور الدينى – كثيرا ما أدى إلى خراب الدولة وتفتتها ، لا جدال أن الإسلام ينشد أخوة الدين ويجعلها فوق كل رباط ، ولكن ماذا لو ضعف الإيمان ، أيفنى المسلمون ؟ أم يبقون آملا فى أن يدخل الإيمان فى قلوبهم ، أو يخرج الله من ظهورهم ذرية تطيع الله ورسوله؟
وقد يقول قائل ( ) – وهو فى ذلك محق – إن مراعاة الصلات الاجتماعية مع ضعف الأخوة الدينية ليؤدى إلى التفتيت المستمر ، وهذا واقع مشهود بالنظر إلى الحركات الانفصالية.
وفى تقديرى أن الذى يزكى هذه الدعوات لا يرجع إلى النعرات القومية، بقدر ما يرجع إلى فساد الحكم واختلال العدل ، والغفلة عن صغائر الأمور حتى تكبر ، وكما يقول الإمام أبو زهرة " إن الوحدة الإسلامية تقتضى مزجا يشبه المزج الكيميائى ، ولا تكون خلطا ، وأن المزج يوجب أن تختفى كل الخواص الجزئية بعناصر أجزاء المركب ، بحيث لا يتغلب عنصر على عنصر ، بل يكون البارز هو صفات المزيج وحده ، وكذلك الأمر فى الوحدات الاجتماعية عامة ، وفى الوحدة الإسلامية خاصة "( ).
وهنا أقول بما قدرّ الشيخان – الصنعانى والشوكانى : أليست وحدة جزئية مع مراعاتها خيراً من لا وحدة تماما ؟
2- الجنسية طريق إلى إقرار السلم الإقليمى .
فى استعراضه لمساوئ الجنيسة يذكر الدكتور أحمد حمد ( ) أن الجنسية مدخل إلى مشروعية العداء بين الشعوب ، لأنها تعطى لكل شعب الحق فى أن يحبس عليه معارفه وخيراته ويتحسب تطلع الآخرين إليها فيضع القيود التى تمنع أو تحد من وجودهم ، ولو كانوا أخوتهم فى العقيدة أو الأصل الاجتماعى ، وخوفاً من الإغارة تتحصن الدولة ، وقد تجند المرافق المدنية والجهود البشرية لما قد يستدعيه المجهود الحربى .
وفى رأيي أن عكس ذلك تماما هو المرتجى ، لأن استقرار السكان ومسئولية كل دولة عن رعاياها أدعى إلى حصول العمران ، وتنمية الموارد ، وفى ديننا " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه "( ) وفيه " لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتى بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فكيف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه "( ) كما نجد فى ديننا أن نماء كل إقليم مسئولية أهله أولا ، ففى الحديث المتفق عليه " إن الله افترض عليهم صدقة فى أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد فى فقرائهم "( ) وفى آثار سلفنا من الصحابة والتابعين الكثير من ذلك ، جمع منه العلامة أبو عبيد فى الأموال ما شاء الله له ثم ختم بقوله " والعلماء اليوم مجمعون على هذه الآثار كلها ، أن أهل بلد من البلدان ، أو ماء من المياه ، أحق بصدقتهم ، ما دام فيهم من ذوى الحاجة واحد فما فوق ذلك ، وإن أتى ذلك على جميع صدقتها "( ) وروى غيرها ثم قال " فكل هذه الأحاديث تثبت أن كل قوم أولى بصدقتهم حتى يستغنوا عنها ، ونرى استحقاقهم ذلك دون غيرهم ، إنما جاءت به السنة لحرمة الجوار، وقرب دارهم من دار الأغنياء "( )
وليست الحاجة – فى فهم السلف – قصراً على سد جوعه ، أو ستر عورة ، إنها تتعدى – فى فهم النابهين – إلى العمارة ، يقول أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه " وليكن نظرك فى العمارة أبلغ من نظرك فى جباية الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد ، وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلا قليلا "( ) ومن أمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز " انظر إلى الأرض ، ولا تحمل خرابا على عامر ، ولا عامراً على خراب ، وانظر إلى الخراب وأصلحه حتى يعمر"( ) .
ويرصد العلامة ابن خلدون حقيقة أن العمران والسكان توأمان " فإذا عظم عمران المدينة وكثر سكانها كثرت الآلات بكثرة الأعمال حينئذ ، وكثر الصناع إلى أن تبلغ غايتها من ذلك ، فإذا تراجع عمرانها وخف سكانها قلت الصنائع لأجل ذلك "( ) ويقول " اعلم أن ما توفر عمرانه من الأقطار وتعددت الأمم فى جهاته ، وكثر ساكنه اتسعت أحوال أهله ، وكثرت أموالهم وأمصارهم وعظمت دولهم وممالكهم والسبب فى ذلك كله ما ذكرناه من كثرة الأعمال ، وما يأتى ذكره من أنها سبب للثروة بما يفضل عنها بعد الوفاء بالضروريات فى حاجات الساكن ، من الفضلة البالغة على مقدار العمران وكثرته ، فيعود على الناس كسبا يتأثلونه – أى يقل الحرص عليه – فيتزيد الرفه لذلك ، وتتسع الأحوال ، ويجئ الترف والغنى ، وتكثر الجباية بنفاق – أى رواج – الأسواق فيكثر مالها ويشمخ سلطانها ، وتتفنن فى اتخاذ المعاقل والحصون ، واختطاط المدن وتشييد الأمصار "( ) .
وبعد أن يدلل على صحة قوله بذكر عمران المشرق ينبه على الجانب السلبى للهجرة فيقول " واعتبر حال هذا الرفه من العمران فى قطر أفريقية – تونس – وبرقة – ليبيا – لما خف سكانها وتناقص عمرانها كيف تلاشت أحوال أهلها ، وانتهوا إلى الفقر والخصاصة ، وضعفت جباياتها ، فقلت أموال دولها ، بعد أن كانت دولة الشيعة وصنهاجة بها على ما بلغك من الرفه ، وكثرة الجبايات واتساع الأحوال فى نفقاتهم وأعطياتهم ، حتى لقد كانت الأموال ترفع من القيروان إلى صاحب – والى – مصر لحاجاته ومهماته ، وكانت أموال الدولة بحيث حمل جوهر الكاتب فى سفره إلى فتح مصر ألف حمل من المال يستعد بها لأرزاق الجنود وأعطياتهم ، ونفقات الغزاة "( ).
إن العرب لم يقيموا حضارة بالترحال ، وإنما شيدها المسلمون بالاستقرار ، ولعلى ألمح فى فقه السفر أن السفر عارض على خطر الزوال ولهذا خصه الله بأحكام استثنائية .
ومعروف فى تاريخ النزاعات أن البدو والرحل لا يلوون على شئ ، ولا يمنعهم سلب المنقول عن تخريب الثابت ، وإتلاف العامر ( ).
فإن صح ما قدمت فإن توطين " الرعوية " أدعى إلى غلبة السلام والاستقرار بين الدول ، وما ينشأ على خلاف ذلك فمرده إلى غير هذا المعنى .
3- ومما يتصل بالأمر السابق أن الجنسية طريق إلى الإنماء ، والإعمار، وليست كما يرى بعض الباحثين سبيلا إلى الشح وتأصيل الأثرة ، بدعوى أن أهل كل قطر يضنون بما حباهم الله به من موارد .
والحق أن مجتمعا مهما تعددت موارده لا يحوز كل ما فى الأرض ، بل لا بد وأن ينقصه شئ هو فى حوز الآخرين ، فليتقو كل بما حباه الله وليتعاوضوا، ولا يليق بالناس كل الناس – كما يقول إمام الحرمين – أن يرتقبوا " فيما يطعمون أن ينتهوا إلى حال الضرورة ، ففى الانتهاء إليها سقوط القوى وانتقاض البنية ، … وفى ذلك انقطاع المحترفين عن حرفهم وصناعتهم ، وفيه الانتهاء إلى ارتفاع الزرع والحراثة وطرائق الاكتساب "( ) وفى ديننا أن النبى  لم يعط السائل لينفق ، وإنما أمره أن يشترى قدوما ليحتطب فيبيع ثم يأته ، فعاوده وقد أغناه الله من فضله .
على أن ذوى الأموال أحوج إلى عمل العمال ، وصناعة الصناع فإن لم يكن عندهم صناع وعملة فلا بد وأنهم يطلبون من يقدرون على ذلك ويتقنونه ، ولن يحول اختلاف الجنسيات دون انتفاع الناس بعضهم من بعض.
4-الجنسية وحماية الحريات :
فى رأى الشراح أن الجنسية تكسب الفرد حقوقا يتميز بها عن الأجنبى ، وتتيح له من ممارسة الحريات والحماية القانونية ما لا يتاح للأجنبى ( ) ، وفى المقابل يرى المنتقدون ( ) أن الجنسية مدخل إلى تسلط الحكام ، وسبب فى تقييد الحريات .
وفى رأيى أن كلا التقديرين على إطلاقه غير صحيح ، لأن الحقوق الأساسية للإنسان يجب أن تصان بصرف النظر عن كونه وطنيا أو أجنبيا( )، وفى ظل الدولة المعاصرة يتفاوت التمتع بالحقوق من قبل الوطنيين والأجانب على السواء بقدر تقيد الدولة بالقانون وإهدارها له .
ولعل ميزان العدل للوجهين - الإيجابى والسلبى - يكون بالاحتكام إلى قاعدة التعارض ، فنختار ما فيه نفع أكثر ، أو ضر أقل ، وفى رأيى وفى ظل الوضع الراهن – أن انتماء الفرد إلى دولة تكفل له الإقامة الدائمة وتحمى مصالحه خير من أن يكون طليقا يتهدده الطرد أينما حل ، وهى المشكلة التى تعرف فى الفكر القانونى بانعدام الجنسية .
المبحث الثالث
دور الأم فى جنسية الأولاد
تمهيد وتقسيم :
من المشكلات التى نجمت عن مبدأ " حرية الدولة فى مادة الجنسية " مشكلتان جوهريتان :
أولاهما : مشكلة انعدام الجنسية .
والثانية : مشكلة تعدد الجنسية .
وأبرز آثار المشكلة الثانية هو احتمال تنازع التزامات الفرد تجاه كل من الدولتين أو الدول التى يحمل جنسيتها ، ولكن هذا التنازع يمكن التغلب عليه بتنازل الفرد عن إحدى الجنسيتين ، أو الاعتداد بتلك الجنسية التى تتفق مع الصلات الواقعية التى تربط الفرد بجماعة دولة ما .
أما المشكلة الأولى فهى الأخطر لأنها تحرم الفرد من مجموعة الحقوق المنوطة بالمواطنة ، وتسلبه الحق فى الاحتماء بدولة ما للمطالبة بحقوق ، أو استخلاصها إذا ما أهدرتها دولة أخرى أو أنكرتها .
ونظرا لأن الفرد هو الطرف الأضعف فى رابطة الجنسية فإن مشكلة انعدام الجنسية تأخذ من عناية المفكرين والجهود الدولية ما لا تأخذه مشكلة التعدد.
ولأن حاجة الإنسان إلى ممارسة الحقوق المشروعة تبتدئ بميلاده أو قبله فإن الجهود سعت إلى إقرار حق الإنسان فى الجنسية منذ ولادته ، وتوجت هذه الجهود بالنص على ذلك فى إعلان مبادئ حقوق الطفل الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 20 نوفمبر 1959 (المادة الثالثة) ، ومعاهدة خفض حالات انعدام الجنسية التى أبرمتها الأمم المتحدة فى 30 أغسطس 1961 (المادة الأولى) ، وأخيرا الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 20 من نوفمبر سنة 1989.
وقد نص فى المادة السابعة من هذه الاتفاقية على أن " 1- يسجل الطفل بعد ولادته فورا ، ويكون له الحق منذ ولادته فى اسم والحق فى اكتساب جنسية… 2- تكفل الدول الأطراف إعمال هذه الحقوق وفقا لقانونها الوطنى والتزاماتها بموجب الصكوك الدولية المتصلة بهذا الميدان ، ولا سيما حيث يعتبر الطفل عديم الجنسية فى حال عدم القيام بذلك".
وواضح من الفقرة الثانية أن الدولة الطرف فى الاتفاقية تكفل حق الطفل فى الجنسية وفقا لقانونها الوطنى ، ونظرا للمبدأ الراسخ فى مادة الجنسية وهو حرية الدولة فى تنظيم جنسيتها فإن الدول لم ولن تكون سواء فى أسباب الجنسية، ويتصور أن تكون هناك مفارقة فى بناء الجنسية على أساس حق الدم من ناحية الأم خصوصا .
وفى ظل المطالبات المستمرة بالتسوية بين الجنسين فى الحقوق والواجبات احتل حق المساواة بين الأب والأم فيما يتعلق بجنسية أطفالهما مكانا بارزا ظهر فى الفقرة الثانية من المادة التاسعة من اتفاقية محو كل صور التفرقة فى مواجهة النساء ، والتى أبرمت فى إطار الأمم المتحدة فى 18 ديسمبر 1979 بواسطة الجمعية العامة ووقعت فى 3 سبتمبر 1981 ، حيث نص على أن "تمنح الدول الأطراف للمرأة حقوقا مساوية للرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالهما".
ونظرا لأن أكثر الدول العربية لا تسوى بين الأم والأب فى نقل الجنسية ونظرا لظاهرة اجتماعية نجمت عن زواج المصريات من غير المصريين ، زيجات لم يقدر لها الاستقرار ، فخلفت برفقة الأم المصرية أطفالا حرموا رعاية الأب ، وأرقوا عاطفة الأم التى عجزت عن الوفاء بحاجة وليدها – وهو أجنبى على أساس القانون القائم – من رسوم إقامة ، ومصروفات علاج وتعليم ، وأهلية تولى الوظائف العامة ونحو ذلك ، لهذا ثار الجدل حول حق أولاد المصرية المتزوجة من أجنبى فى التمتع بالجنسية المصرية منذ الميلاد ، حتى شغل الرأى العام عندنا ، وغدت هذه الظاهرة مادة للمقالات الصحافية ، والأعمال الفنية ، والأحاديث الإعلامية ، ومن طريف ما يلحظ أنه رغم بناء الجنسية على أسس علمانية وابتعادها – فى التنظيم القانونى المعاصر – عن الدين فإن جوهر المناقشات كان يبنى على مسوح دينية نظرا لارتباط المشكلة بالمساواة بين الرجل والمرأة .
وفيما يلى أعرض لهذه المشكلة ، وتصورات حلها.

المطلب الأول
أسباب الرعوية وتحليلها
-1-
الرعويــــــــة الأصيـــــــــلة
يقوم الفكر القانونى المعاصر على التفرقة بين الرعوية التى تثبت للفرد لحظة ميلاده ، وتلك التى تثبت له فى لحظة لاحقة على الميلاد ، ويطلق على النوع الأول الرعوية الأصيلة ويسميها بعض القانونيين جنسية دولة الميلاد ( ) أما النوع الثانى فقد اختلف فى الاصطلاح عليه ، فسمى الجنسية المكتسبة ، أو الجنسية اللاحقة ، أو الثانوية ، أو الطارئة ، وأيا كان الاصطلاح فإن " المركز القانونى للوطنى الأصيل يعتبر أفضل من المركز القانونى للوطنى الطارئ"( ).
وتختلف التقنينات الوضعية فى بناء وتنظيم الرعوية الأصيلة خلافا لا يخرج عن تغليب الميلاد لأصل وطنى – حق الدم – على محل الميلاد – حق الإقليم – أو العكس ، أو على المزج بينهما بقيود خاصة ( ) ويجرى العمل عندنا فى مصر على أن يكون مصريا :
1- من ولد من أب مصرى .
2- من ولد فى مصر من أم مصرية ومن أب مجهول الجنسية أولا جنسية له .
3- من ولد فى مصر من أم مصرية ولم يثبت نسبه إلى أبيه قانونا .
4- من ولد فى مصر من مجهولين ، ويعتبر اللقيط فى مصر مولودا فيها ما لم يثبت العكس . (المادة الثانية من القانون 26/1975).
حيث يتضح من النص تغليب الميلاد لأصل مصرى – حق الدم – على محل الميلاد – حق الإقليم – كما يتضح منه أن أولاد المصريين مصريون ، أما أولاد المصريات فلا يعتبرون كذلك بمجرد الولادة لأم مصرية ، بل لابد من تحقق واقعة الميلاد على الأرض المصرية ، وإن كان المولود ثابت النسب من أبيه – غير المصرى – فلابد وأن يكون الأب مجهول الجنسية أو عديمها ، ويظهر الاعتداد بالإقليم خالصا مع اللقيط ، متى التقط فى الأراضى المصرية ، " ويعتبر اللقيط فى مصر مولودا فيها ما لم يثبت العكس".
-2-
الرعويــــــــة الطارئــــــــــــة :
ينظم القانون 26 لسنة 1975 الجنسية الطارئة أو المكتسبة بالمواد 3-7 والتى تقضى بأن :
مادة 3 : يعتبر مصريا من ولد فى الخارج من أم مصرية ، ومن أب مجهول أولا جنسية له ، أو مجهول الجنسية ، إذا اختار الجنسية المصرية خلال سنة من تاريخ بلوغه سن الرشد بإخطار يوجه إلى وزير الداخلية بعد جعل إقامته العادية فى مصر ، ولم يعترض وزير الداخلية على ذلك خلال سنة من وصول الإخطار إليه.
مادة 4 : يجوز بقرار من وزير الداخلية منح الجنسية المصرية :
أولا : لكل من ولد فى مصر من أب أصله مصرى ، متى طلب التجنس بالجنسية المصرية بعد جعل إقامته العادية فى مصر ، وكان بالغا سن الرشد عند تقديم الطلب .
ثانيا : لكل من ينتمى إلى الأصل المصرى متى طلب التجنس بالجنسية المصرية بعد خمس سنوات من جعل إقامته العادية فى مصر ، وكان بالغا سن الرشد عند تقديم الطلب .
ثالثا : لكل أجنبى ولد فى مصر لأب أجنبى ولد أيضا فيها ، إذا كان هذا الأجنبى ينتمى لغالبية السكان فى بلد لغته العربية أو دينه الإسلام متى طلب التجنس خلال سنة من تاريخ سن الرشد .
رابعا : لكل أجنبى ولد فى مصر وكانت إقامته العادية فيها عند بلوغه سن الرشد متى طلب خلال سنة من بلوغه سن الرشد التجنس بالجنسية المصرية وتوافرت فيه الشروط الآتية :-
1- أن يكون سليم العقل غير مصاب بعاهة تجعله عالة على المجتمع .
2- أن يكون حسن السلوك محمود السمعة ولم يسبق الحكم عليه بعقوبة جناية ، أو بعقوبة مقيدة للحرية فى جريمة مخلة بالشرف ما لم يكن قد رد إليه اعتباره .
3- أن يكون ملما باللغة العربية .
4- أن تكون له وسيلة مشروعة للكسب .
خامسا : لكل أجنبى جعل إقامته العادية فى مصر مدة عشر سنوات متتالية على الأقل سابقة على تقديم طلب التجنس متى كان بالغا سن الرشد ، وتوافرت فيه الشروط المبينة فى البند رابعا .
المادة 5 : يجوز بقرار من رئيس الجمهورية منح الجنسية المصرية دون تقيد بالشروط المبينة فى المادة السابقة من هذا القانون لكل أجنبى يؤدى لمصر خدمات جليلة ، وكذلك لرؤساء الطوائف الدينية المصرية .
المادة 6 : لا يترتب على اكتساب الأجنبى الجنسية المصرية اكتساب زوجته إياها إلا إذا أعلنت وزير الداخلية برغبتها فى ذلك ، ولم تنته الزوجية قبل انقضاء سنتين من تاريخ الإعلان ، لغير وفاة الزوج ، ويجوز لوزير الداخلية بقرار مسبب قبل فوات مدة السنتين حرمان الزوجة من اكتساب الجنسية المصرية .
أما أولاده القصر فيكتسبون الجنسية المصرية إلا إذا كانت إقامتهم العادية فى الخارج ، وبقيت لهم جنسية أبيهم الأصلية طبقا لقانونها فإذا اكتسبوا الجنسية المصرية كان لهم خلال السنة التالية لبلوغهم سن الرشد أن يقرروا اختيار جنسيتهم الأصلية فتزول عنهم الجنسية المصرية ، متى استوفوا جنسية أبيهم ، طبقا لقانونها .
المادة 7 : لا تكتسب الأجنبية التى تتزوج من مصرى جنسيته بالزواج إلا إذا أعلنت وزير الداخلية برغبتها فى ذلك ، ولم تنته الزوجية قبل انقضاء سنتين من تاريخ الإعلان لغير وفاة الزوج ، ويجوز لوزير الداخلية بقرار مسبب حرمان الزوجة من اكتساب الجنسية المصرية قبل فوات مدة السنتين .
وينبغى أن يعلم أن اصطلاح " الإقامة العادية مرادف لاصطلاح الموطن ومعلوم أن فكرة التوطن تقوم على عنصرين ، عنصر مادى يتمثل فى الإقامة الفعلية ، وعنصر معنوى هو نية الاستقرار والبقاء ، وتخلف العنصر المادى خلال فترة معينة لأسباب عارضة أو طارئة ، كرعاية بعض المصالح أو طلب العلم أو السياحة ، لا يؤثر على دوام واتصال الإقامة ، ولا يمكن أن يؤدى إلى حرمان الفرد من التمتع بالجنسية المؤسسة على فكرة التوطن ، طالما توافرت لديه نية الاستقرار والبقاء "( ).
كما ينبغى أن يعلم أيضا أن المقصود بالأصل المصرى فى حكم قانون الجنسية المصرى ينصرف وفقا للمادة 23 " إلى المولودين فى مصر والذين تعذر على آبائهم أو أجدادهم الدخول فى الجنسية التأسيسية للدولة المصرية منذ وقت انسلاخها عن الدولة العثمانية بسبب تخلف ركن الإقامة فى مصر لديهم ، أو عجزهم عن إثبات هذه الإقامة "( ).
ويلاحظ بصفة عامة ، أن المقنن المصرى يضيق من فرض الجنسية – الأصيلة – ويتشدد فى اكتسابها والتمتع بأثرها ، وأنه راح – فى خصوص الاكتساب – يفسح المجال الذى يعمل فيه تقدير الإدارة ، وفقا لما تراه محققا للمصلحة العامة ، كما أن لها أن تترخص فى تعيين الوقت الملائم لإصدار قرارها ، وهى تملك فى هذا الصدد سلطة تقديرية واسعة لا تخضع لرقابة القضاء ما دام قرارها خلا من إساءة استعمال السلطة "( ).
كما يلاحظ من مجموع المواد التعويل الظاهر على الاندماج فى الجماعة الوطنية بتقدير أن اكتساب رعوية الدولة ينطوى على معنى التعلق بها ومشابهة رعاياها فيما يحددهم من ميزات ( ) غيرا أن المقنن فى تقديره لمعنى الاندماج قد فاوت بين فئات راغبى الانضمام إلى الجماعة الوطنية ، ويبدو لى متشددا مع الفئة التى تنتظمها المادة الثالثة ( ) لأن معنى طلب التجنس خلال سنة من بلوغ الطالب سن الرشد بعد أن يكون قد جعل إقامته العادية – أى توطن – فى مصر ، أن هذا الشخص لن يحظى – إن أجابته الإدارة – بالجنسية المصرية طوال فترتى الطفولة والصبا حتى بلوغ سن الرشد – ما لم يكتسب الجنسية المصرية تبعا أبيه وفقا للمادة السادسة – الأمر الذى يحرمه حقوق المواطنة فى فترة التعليم، وهو أحوج ما يكون إليها فى هذه المرحلة ، على أن جعل إقامته العادية فى مصر خلالها لهو رهن بالسماح له بالإقامة أولا ( ) ، ثم إن انتفاعه بالإعفاء من قيد المدة مقيد بإبدائه الرغبة خلال سنة من بلوغه سن رشد ، مما يجعل هذه الفئة – فى نظرى – فى وضع أسوأ من غيرهم ، والظن بهم غلبة الانتماء إلى الجماعة أكثر من غيرهم .
ومما يؤخذ حقا على قانون الجنسية المصرى – وبقية القوانين العربية – أنها لم تفسح بابا لأولئك الفارين بدينهم من المجتمعات التى تعادى الإسلام والمسلمين ، والظن أنهم أحوج الناس إلى الاحتماء بكنف مجتمعاتنا ، ولعلهم يكونون أصدق انتماء إلى الجماعة من أولئك المنتمين إلى البلاد التى يدين غالبية سكانها بالإسلام أو يغلب عليهم اللسان العربى ، بل إنهم يقينا أرجح انتماء من رؤساء الطوائف الدينية ، ولكن يبدو أن صبغة العلمانية غلبت على كل دور للعقيدة الإسلامية ( ) ولم يشأ واضعوا التقنينات عندنا أن يتشبهوا باليهود فى الصواب الأوحد الذى فعلوه حماية لأمتهم .

المطلب الثانى
أسباب الرعوية فى الشريعة والإسلامية
-1-
ضوابط الانتماء فى ضوء الكتاب والسنة
يدرك المدققون أن دولة الإسلام دولة عقدية فكرية وجوهر التزامها يتمحور حول " حراسة الملة وسياسة الأمة "( ) وهى تؤديه " خلافة عن صاحب الشرع فى حراسة الدين ، وسياسة الدنيا به "( ) أى بالدين ، ومن هنا فالدولة والفرد – فى الإسلام – يخضعان للقانون الأعلى ، ومصدره – كما هو معروف – الوحى ، ومن ثم فالحقوق والواجبات لا تقررها سلطة دنيوية ، كيف كانت ، فللشريعة السيادة الكاملة على جميع الأجهزة السياسية ، بما فى ذلك الهيئة التى تصدر القوانين ، فإنها لا تملك تغيير أحكام الشريعة أو تعطيلها ( ) وحيث إن الأمر كذلك فإن الحقوق والواجبات منوطة بالتحديد الشرعى لها ، فلا هى " خاضعة للقوة المادية ، ولا يعتمد تفسيرها على المصالح الآنية ، والرغبات الخاصة بالأفراد أو الشعوب "( ).
والانتماء – إلى كيان اجتماعى أو سياسى – كقيمة جزئية شأنه شأن كل جزئيات التشريع ينبثق عن القيم أو الأصول الكلية ، ويمكننا بشئ من النظر والبحث أن نحدد معالم الانتماء فيما يلى :-
أولا : الوحدة
التوحيد دعوة كل الرسالات السماوية ، فما بعث الله من نبى ولا رسول إلا وأول دعوته أن اعبدوا الله الذى لا إله إلا هو ، ولا تتخذوا من دون الله أربابا، وجاء الإسلام دين الله الخاتم فصرف فى التوحيد كل قول ، ودل عليه بكل حجة، وضرب عليه غير مثل ، وجعل أول الدخول فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . ومن التوحيد انبثقت كل قيم الإسلام ، فالناس سواسية ، كلهم من آدم ، وآدم من تراب ( ) وما بينهم من اختلافات عرقية أو لغوية ليست إلا من آيات قدرة الله ، لغاية عملية هى التعارف ونشدة الصلاح والصيانة من الإثم والأذى قال تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "( ) والمسئولية واحدة " كل نفس بما كسبت رهينة "( ) " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت "( ) " ولا تزر وازرة وزر أخرى "( ) والمسلمون واحد يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم( ) بل إن التحليل الدقيق للـ " الأنا " يؤكد أنه ليس بين الأشخاص فرق نوعى ، وإنما هى ذوات متساوية ( ) " إن حديثى عن أناى أو عن ذاتى ، هو كذلك حديث عن الآخرين ، وإقرار بوجود الأنت – الغير – إنها فى آن واحد عملية إثبات لتمييز فى علاقات لا تنفصم "( ).
وقد أبى الله ورسوله إلا أن يكون الولاء واحدا ، متعلقة القلب الإنسانى، وغايته الصالح العام البشرى ، ونبذ كل اعتبار يدفع إلى التفرق والخصام ، ويغرى بالعداوة والبغضاء ( ) ، وقد جمع الله سبحانه كل هذه المعانى فى قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون . قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين"( ) .
وحتى لا تغم الوحدة على ضعاف البصيرة فإن الله سبحانه وتعالى ربط المسلمين بشكل مادى محسوس ، ومتكرر بصفة منتظمة ومستمرة من خلال الشعيرة الأساسية ، عماد الدين التى تلزم الجميع على السواء ، إنها الصلاة ، فى مضمونها صلة بين العبد وربه ، وفى وجهتها تواصل ووحدة.
وتحلل الدكتورة منى أبو الفضل هذا المعنى فتقول " ماذا عن حكمة التوجه إلى القبلة أثناء الصلاة ، ونحن نعلم جيدا أنه " ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم"( ) وأن من صفاته تعالى الهيمنة والوجود فى كل زمان ومكان ووجهة ، وأن التحديد بمكان معين لا يكون لغير الأجساد أو الكيانات التى تحددها الأبعاد المحددة ، ومن ثم تكون النسبة زمانا ومكانا ، أما الله تعالى العظيم فهو مطلق ، والمطلق لا ينحصر وجوده مكانا ولا زمانا ، أما القبلة فى الصلاة فهى توحيد للوجهة والتوجه للجماعة بصفة منتظمة ومستمرة حتى يتحقق التطابق الأمثل بين الشكل والمضمون ….. وتصبح القبلة واجهة استقبال لأفعال المؤمنين وبؤرة جذب وجاذبية ، وتشد حولها جماعة المصلين وتوصلهم بعضهم ببعض من خلال وصلهم بها"( ) .
وعلى أساس من وحدة الولاء أو الانتماء – بما يقتضيه ذلك من واجبات ومسئوليات – ذم الله المتقاعسين عن نبذ الانتماءات الدونية ، وعدم التحول إلى حيث يتحرر الانتماء الواحد ، قال تعالى " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قال ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً"( ) وبرئ رسوله  من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين .
وعلى أساسه رخص رسول الله  بقتل من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ، وأخذ منه عامة العلماء عدم جواز البيعة لأميرين فى وقت واحد.
وعلى أساسه أفتى السلف أن البغاة وإن امتنعوا – من المنعة والتكتل – بدولة لهم ، فإن هذا لا يخرجهم عن جماعة المؤمنين( ).
وعلى أساسه اخترت أن يكون سبب الرعوية هو العصمة المؤبدة يستفيدها المسلم بإسلامه ، وغيره باختيار مساكنة المسلمين ، وقبول ولايتهم.
ولرب سائل يسأل : كيف السبيل إلى اعتبار مبدأ الوحدة ، وواقع مجتمعاتنا كما نرى؟
وجوابى : أن ما لا يدرك كله لا يترك جله ، وإن كنا بتجزؤ السلطة قد أضعنا " يسعى بذمتهم أدناهم "( ) فلنمسك بـ " وهم يد على من سواهم "( ) وإن ارتضت النخبة – وفق قيم الأقلية ( ) – الذى هو أدنى – ولاء الدم والأرض – عن الذى هو خير - ولاء الفكرة والعقيدة – فلنأذن ما بلغت أصواتنا فيها أن يكون مردوده قصراً على الحقوق السياسية ، ارتكانا إلى فتوى الصنعانى والشوكانى( ) ، عسانا أن نرقى – ونحن أحق – إلى مستوى دولة البرتغال التى ينص دستورها على أن " الأجانب وعديمى الجنسية ، الموجودين أو المقيمين فى البرتغال يكون لهم ذات الحقوق ، ويخضعون لذات الواجبات المقررة للمواطنين البرتغاليين " وإن استثنت الحقوق السياسية ، وممارسة بعض الوظائف العامة ذات الطابع الفنى ( ).
ثانياً : التجرد
لأنه يقوم على نبذ العصبية بكل أشكالها وألوانها ( ) ومحدوديتها وينبثق عن الفكرة بكل تمددها واتساعها ، فهو يقوم على قبول الإسلام ، أو التزام أحكامه، ولما كانت دعوة الإسلام عامة ، والرسالة الخاتمة إلى الناس كافة ، فإن هذا الانتماء لا يعم العرب دون غيرهم من أجناس الأرض ، بل إنه لا يخص المسلمين دون غيرهم ، فكل من قبل أن تجرى عليه أحكام الإسلام – بما لا يمس عقيدته الخاصة – فهو منا ، له ما لنا وعليه ما علينا.
وأثر هذا المعلم أن الانتماء لا يزول عن الشخص إلا إذا أتى بما ينافيه ، والتنافى كما يظهر لى من خطابات الشارع واجتهادات السلف ، يكون بموالاة الفكرة الضد ، قال تعالى " إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون"( ) وقال " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين . وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون"( ).
أما سكنى الأرض – مع الأمن على النفس والدين – فإنه لا يضر شيئا( )، وقد تقدم حديث " فديك " وفى معناه ما روى الإمام أحمد فى مسنده أن النبى  قال " البلاد بلاد الله ، والعباد عباد الله ، فحيثما أصبت خيرا فأقم"( ) وكذلك " الذمى" فإن انتماءه لا يزول إلا إذا " هرب من ذمتنا إلى دار الحرب ناقضا للعهد" وما فى معنى ذلك ( ).
ثالثاً : الجاذبية
يبرز هذا المعلم من معالم الانتماء من خلال مفهوم الأمة الوسط صاحبة الشهادة ، والذى حبانا الله به فى قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"( ) وهذه الآية العظيمة برهان ساطع على أن القرآن متجدد ، وأن كلام الله تعالى لا يخلق على كثرة الرد، فلطالما استوقفت الباحثين كلا حسب تخصصه ( )، ومن فتح الله عليه وجد فيها ضالته ، ويشغلنا من خواطرهم أن :
1- هذه الأمة محور جذب واستقطاب ، ومن ثم فهى مصدر للتوازن والانسجام بين الجماعات البشرية.
2- أنها وسط من حيث الاعتدال فى المزاج واجتناب الإفراط والتفريط.
3- أنها وسط من حيث موازين القيم والأنظمة التى تقوم عليها .
4-أن الجغرافيا التى شاء الله أن تقر عليها هى وسط العالم " فالحزام القارى الإسلامى يمثل امتدادا استراتيجيا إقليميا وبشريا ، متصلا يتوسط المعمورة ، حتى أن هناك من أطلق عليه اسم القارة الوسيطة ، ولا يخفى ما لهذه الوضعية الاستراتيجية من مفعول ينعكس على طاقة الجذب والإشعاع الذى تمثله الأمة القطب ، فإن الأطراف هى عادة أول ما يتعرض للتقلص والضمور فى الأجساد العضوية ، ويظل الأمل فى الحياة والتجدد قائما مادام هناك الجوف المصون ، والقلب الذى يخفق بين الجماعة البشرية"( ) .
وقد توقف المدققون من المستشرقين عند هذه الحقيقة وفطنوا إلى أن الأمة الإسلامية كيان حيوى يتمتع بذاتية واستقلالية ، بغض النظر عن المظهر النظامى أو المؤسسى له ( ) ،فخطئوا أولئك الذين ظنوا أنه بسقوط دولة الخلافة وقيام الدول القطرية فى المنطقة ، وانصرافها إلى دروب التغريب والعصرنة والتحديث ، لم يعد للأمة وجود بعد أن صارت مجرد ذكرى تاريخ مضى ، يقول باول شمتز " سيعيد التاريخ نفسه مبتدئا من الشرق الإسلامى عودا على بدء ، من المنطقة التى قامت فيها القوة الإسلامية العالمية فى الصدر الأول للإسلام ، وستظهر هذه القوة التى تكمن فى تماسك الإسلام ووحدته العسكرية ، وستثبت هذه القوة وجودها إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها والعمل على الإفادة منها ، وستقلب موازين القوى ، لأنها (أى قوة الإسلام) قائمة على أسس لا تتوفر فى غيرها من تيارات القوى العالمية ، وقد أدرك الكاتب الإنجليزى Hilaire Belloc مدى فاعلية هذه القوة – معارضا بذلك كثيرا من الأحكام السطحية عليها – حين كتب : لا يساورنى أدنى شك فى أن الحضارة التى ترتبط أجزاؤها برباط متين ، وتتماسك أطرافها تماسكا قويا ، وتحمل فى طياتها عقيدة مثل الإسلام ، لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب ، بل ستكون أيضا خطرا على أعدائه"( ).
وختم جوستاف لوبون كلامه بقوله " ثقلت قرون على أعفار العرب ، ودخلت حضارتهم فى ذمة التاريخ منذ زمن طويل ، ولا نقول مع ذلك إنهم ماتوا تماما ، فنرى الآن ديانتهم ولغتهم اللتين أدخلوهما إلى العالم أكثر انتشارا مما كانتا عليه فى أنضر أدوارهم ، والعربية هى لغة العامة من مراكش إلى الهند ، ولا يزال الإسلام جاداً فى تقدمه …. والسهولة العجيبة التى ينتشر بها القرآن فى العالم شاملة للنظر تماما ، فالمسلم أينما مر ترك خلفه دينه"( ).
وترصد الأستاذة آنا مارى شيمل قبل العام 1990 تزايد معدلات بناء المساجد أو أماكن الصلاة فى أوربا باستمرار ففى لندن وحدها بلغ عدد المساجد حوالى 800 (ثمانمائة) مسجد ، وتقول " وتعتبر جماعات المسلمين السود فى أمريكا من أكثر الجماعات الإسلامية هناك نشاطا وتنظيما ، وتهدف تلك الجماعات فى المقام الأول للوصول إلى توازن مع الإسلام فى عصوره الأولى، ومن المثير حقا أن تلك الجماعات ناجحة فى علاج المشكلات الاجتماعية والسلوكية أكثر من السلطات التنفيذية المحلية"( ) .
5- ويستوقف الناظر أن السياق القرآنى المتعلق بالبيت القبلة والوسطية استهل يقول الله تعالى " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين . وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود"( ) .
فالمثابة هى المكان الذى يرجع إليه الناس ، ويرى الدكتور جمال حمدان – رحمه الله – أن شعب هذا المكان من سلالة أقدم حضارتين عرفها العالم ، يقول ردا على دعاة " فرعونية مصر" " الحقيقة التاريخية تؤكد - وإن كنا نغفل عنها دائما – ونحن نعرف ذلك دينيا وتاريخيا أن إسماعيل هو أبو العرب العدنانيين ، ولكنا نعرف أيضا أنه ابن إبراهيم العراقى من هاجر المصرية ، وإذا كان لهذا أى معنى أنثربولوجى فهل يمكن – أليس كذلك – أن يكون إلا شيئا واحدا ، وهو أن العرب أصلا أنصاف عراقيين ، أنصاف مصريين؟ قد يبدو وهذا للوهلة الأولى تخريجا ثوريا ، ولكنه منطق أولى للغاية … وتأسيسا على هذا فهل يكون تعريب العراق أو مصر فيما بعد إلا عملية زواج أقارب مباشرة؟( )
ويلفتنا الدكتور جمال حمدان إلى أنه " رغم أن مصر فى افريقيا موقعا ، فقد كانت أبدا فى آسيا وقعا "( ) ويقول " أثبت البعض اشتراك أكثر من عشرة آلاف كلمة بين المصرية القديمة والعربية … و " الثابت كذلك أن عرب الجزيرة لم يكفوا عن الخروج منها والتدفق على مصر أو التسلل إليها طوال التاريخ وقبله، ومن المتفق عليه بعامة أن ما لم يسجل التاريخ أكثر مما سجل من هجرة موجات سامية قديمة إلى مصر … ومعنى ذلك بوضوح أن تعريب مصر سبق فى بدايته الفتح العربى والعصر الإسلامى ، وأنه قديم فى مصر مثلما كان قديما فى السودان ، وإن كان الفتح نفسه هو الخطوة الحاسمة"( ).
أما الأستاذ العقاد فيخطو بنا خطوة أوسع فيقول " نعلم أن اثر السلالة العربية – فى الحضارة الأوربية – أقدم جدا مما يظنه الكثيرون وأنها توغل فى القدم إلى ما قبل التاريخ ، وقد يكون هذا الأثر نتيجة لهجرة العرب إلى القارة الأوربية قبل هجرة القبائل الهندية الجرمانية إلى تلك القارة ، ويعزز هذا الرأى أن البلاد العربية كانت فى تلك العصور القديمة أقدر على صناعة السفن ، وأرقى عدة للملاحة فى تلك البحار ، لأنها كانت كثيرة الغابات موفورة المنابع التى يستخرج منها الطلاء واللحام ، ومن الباحثين اللغويين من يرجع نسبة بعض المواقع اليونانية إلى سلالة من العرب أسستها أو سكنتها فى زمن مجهول "( ).
ويقول " العرب على أرجح الأقوال أرومة الجنس السامى التى تفرع منها الكلدانيون والأشوريون والكنعانيون والعبرانيون وسائر الأمم السامية …. وإذا كان لهذه الأمم جميعا أصل واحد فأرجح الأقوال وأدناها إلى التصور أن يرجع هذا الأصل إلى الجزيرة العربية لأسباب كثيرة( )….وعلى هذا يصح أن نعتبر أن سلالة العرب الناشئين فى جزيرتهم الأولى قد سكنت أواسط المعمورة منذ خمسة آلاف سنة على أقل تقدير ، وأن كل ما استفاده الأوربيون من هذه البقاع فى هذه العصور، هو تراث عربى ، أو تراث انتشر فى العالم بعد امتزاج العرب بأبناء تلك البلاد ، وليس هذا التراث بقليل ، لأنه يشتمل على كل أصل عريق عند الأوربيين ، فى شئون العقل والروح وأسباب العمارة والحضارة"( ).
ومحصلة كل ذلك أن جاذبية الموقع أقدم من الإسلام بكثير ، ولعل الله اختار نبيه الخاتم من هذه الأرض وابتدأ بعثته فيها لتواصل دورها الذى أنيط بها منذ الأزل ( ) ، بعد أن هذبها ونقاها مما علق بها من شوائب التقليد ، وأنزل فيها كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وحفظه من التغيير والتبديل وأظهر دينها على الدين كله ، فجمعت من التراكمات الحضارية إلى ما اختصت به من وسطية المكان ووسطية الديانة ما استحقت معه أن تكون شاهدا على الناس( ).
ونرجع إلى " المثابة" وأصله من ثاب يثوب ثوبا إذا رجع ، يقال ثاب الماء إذا رجع بعد انقطاعه ، وثاب إلى فلان عقله : أى رجع وتفرق عنه الناس ، ثم ثابوا : أى عادوا مجتمعين ، والثواب من هذا أخذ ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه( ).
وللمفسرين فى معنى المثابة أقوال يمكن تلخيصها فى الرجوع المادى بالأجساد ، أو كون البيت سببا فى الثواب ، وقالت المعتزلة ألقى الله تعظيمه فى القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى ، لما فيه من منافع الدنيا والآخرة ( ).
وزيادة عليه فإن الناس يرجعون إلى شطره فى كل صلاة ، ولا يبعد – والله أعلم – أن يكون هوى الأفئدة إلى البيت بقية من حنين الآباء والأجداد ، أو امتنانا لصنائعهم.
وعلى كل حال فإن البيت الرمز محور جذب واستقطاب لأنه " أول بيت وضع للناس " ( ) والأمة كذلك ، لأنها الأمة الوسط فى الاعتقاد والتشريع والموقع الجغرافى.
ولا شك أن الوسطية تعنى التميز والخيرية ، وأن الأمة فى ذاتها لن تموت، ولكن كيف تقوم بها الدولة ؟ هذا ما يقتضى توظيف المنهج وتنزيله على الواقع ، ومن ضرورات المنهج ألا تعطل الخواص الفاعلة فى الأمة ، ومنها بالضرورة خاصة الجذب والاستقطاب ( ).
يقول الدكتور جمال حمدان " وبالنسبة لمصر فقد يبدو غريبا أنها حققت قمم تاريخها لا فى عصر الفرعونية – على سموقه وشموخه – وإنما فى عصرها العربى ، وعلى سبيل المثال فإن أعظم معارك مصر لم تكن معارك تحتمس الثالث ، أو رمسيس الثانى ، وإنما صلاح الدين وقطز وبيبرس وهكذا، والخلاصة أن دعاوى ودعوات الوطنية الضيقة الانفصالية ليست رجعه فحسب ، بل وانتكاسا أيضا"( ).
ونختم بآية من آيات السياق الذى يتناول الإمامة – القيادة – والمثابة والوسطية وهى قوله تعالى " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين"( ) .
رابعاً : حرية الانتماء
من المبادئ الحاكمة فى مادة الجنسية فى الفكر القانونى مبدأ حرية الدولة فى مادة الجنسية ، وإن قيده الفقه والقضاء الدولى بمراعاة الصلات الواقعية ، ومع هذا فإن هذه الحرية تبلغ مبلغا يتضاءل معه كل دور للفرد " ولا يمتد على أية حال إلى إنشائها بل إن الدولة هى التى تخلق الجنسية بإرادتها وحدها ، وقانون الجنسية هو الذى يحدد شروط إعطاء الجنسية وشروط كسبها وشروط فقدها"( ).
ويبدو الأمر من المنظور الإسلامى على العكس من ذلك ، فحرية الفرد فى الرعوية هى الحرية الفاعلة ، لأن رعوية الدولة تبنى على اعتناق الإسلام ، أو التزام أحكامه (قبول الذمة) وكلا الأمرين متروك لحرية الفرد فـ " لا إكراه فى الدين"( ) ولا إكراه فى الذمة " لأنها عقد يتوقف على الرضا ( ) والاستثناء على هذه الحرية يبدو جانب نفع الفرد فيه أظهر من نفع الدولة ، ومن ذلك " من لم يبلغ من أولاد الكفار إذا سبى منفرداً عن أبويه ، فهذا يصير مسلما إجماعاً ، لأن الدين إنما يثبت له تبعا وقد انقطعت تبعيته لأبويه لانقطاعه عنهما ، وإخراجه عن دارهما ، ومصيره إلى دار الإسلام تبعا لسابيه المسلم ، فكان تابعا له فى دينه"( ).
أما الدولة فلا خيرة لها فى إسباغ الرعوية على المسلم ، كما لا خيرة لها فى إجابة غيره إليها متى طلبها على رأى جمهور العلماء ( ) واستثنى الشافعية من يخشى ضرره كالجاسوس ( ) ، وعلى رأى المالكية فإن الحاكم يخير بين إجابة الطلب ورده ما لم تكن للمسلمين فى الإجابة مصلحة متيقنة أو راجحة( ).
ولعل الصحيح هو ما ذهب إليه الجمهور لقول الله تعالى " حتى يعطوا الجزية "( ) ولقول النبى  " فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم "( ) فغيا الله القتال إلى قبول الجزية ، وأوجب النبى  قبولها متى بذلت ( ).
وما يظهر على خلاف ذلك فى المصنفات الفقهية مرده إلى عدم استيفاء العقد شروطه( ).
ولا شك أن هذا المنحى تحتمه المعالم الثلاثة السابقة للانتماء وتبرره ، حتى لا تتحول سمات الوحدة والتجريد والجاذبية إلى معان نظرية غير قابلة للتطبيق العملى.
خامساً : الانتقال بالتبعية
ونلقى الضوء على هذه السمة من خلال عرضنا لأسباب الرعوية فى المطلب التالى.
المطلب الثالث
أسباب الرعوية من المنظور الإسلامى
تنويه
ربما يتصور القارئ على أساس من سمات الانتماء التى حددناها فى المطلب السابق أن تنظيم " الرعوية" فى الإسلام لا يلتقى البتة مع التنظيم القانونى المعاصر ، والحق أن تصوره شبه صادق فيما يخص " التجنس" أو " الرعوية اللاصقة " ، ولكنه بخصوص " الرعوية الأصيلة " أو " جنسية دولة الميلاد" فإن التنظيم الفقهى يكاد يماثل التنظيم المعاصر فى أحدث استجاباته لعلاج مشكلة انعدام الجنسية ، ولا أخفى حدسا ينازعنى وهو أن الصناعة القانونية فى أسس الجنسية الأصيلة نشأت عالة على الفقه الإسلامى أو تطورت على هدى من ملاحظته.
ونظرا لغرابة " الأمثلة" التى طبق عليها الفقهاء قواعد الشرع عن خطابنا القانونى والسياسى المعاصر فإننى أنبه على أن الإسلام والذمة اصطلاحان على ثبوت الرعوية ، والردة ونقض الذمة سببان لسقوطها.
-1-
قاعدة التبعية فى الرعوية
رأينا أن الجنسية فى الفكر المعاصر تبنى غالبا على صلات واقعية تتمحور حول الميلاد لوطنى – حق الدم – أو على إقليم الدولة – حق الإقليم – أو على أساس المزج بينهما.
وهذا الأساس هو ما نجده فى الفقه الإسلامى – بخصوص جنسية دولة الميلاد ، أو ما يسمى الجنسية الأصيلة ، على أن التطبيقات الفقهية تكشف عن اتجاهين :-
أولهما : وهو أضعفهما ، الاعتداد بالتبعية المجردة.
والثانى : وهو الأقوى – أساساً وتفريعا – الاعتداد بالتبعية التى توفر النفع للصغير ، باعتبار أنه المعنى بجنسية الميلاد.
وكلا الاتجاهين اجتهاد حول قول الله تعالى " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم"( ) وقوله تعالى " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم "( ) والاستئناس بعلة الولاية المستفادة من قول الله تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم .."( ) وعلتها – كما هو معلوم – نفع المولى عليه ( ).
وحول قول النبى  " الولد للفراش "( ) وقوله  " كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عنه لسانه (إما شاكرا وإما كفورا) ( ) " ( ) .
وحول ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  أنه امتدح الملتقط، وقال عن اللقيط " هو حر ، ولك ولاؤه ، وعلينا نفقته"( ).
وفى ضوء هذه الأدلة تقررت القاعدة العامة فى الرعوية وقد جمعناها من موضعين للإمام الأستروشنى فى أحكام الصغار ، ونصها " 1- الإسلام نوعان : ظاهر ، وهو بالميلاد من المسلمين ، والنشوء بينهم على طريقتهم شهادة وعبادة ، وباطن ، وهو لا يوقف عليه إلا بوصف الصانع جل ذكره "( ) ولا حاجة لنا إلى هذا الأخير ، لأن تعلقه بالتجنس أو بالأحرى إثبات التجنس . 2- أن تبعية الولد الصغير لأبويه ، أو لأحدهما فى الدين ، فإن انعدما يعتبر تبعا لصاحب اليد – فى السبى – فإن عدمت اليد يعتبر تبعا للدار ، لأنه تعذر اعتباره أصلا فى الدين ، فلا بد من اعتباره – أى الصغير – تبعا ، نظرا – أى مصلحة – له ، غير أن التبعية للوالدين أقوى "( ).
هذه عبارة الاستروشنى الحنفى المتوفى سنة 632 هـ 1233م نضعها بنصها بين يدى الفقهاء والباحثين فى الجنسية علما وتاريخا لعلها تقودهم إلى شئ.
ومعناها : أن المرعى فى تبعية الصغير :
أولاً : قرابة الدم.
ثانياً : ولاء اليد ، وهو نظام شرعى استوجبه السبى – أى المقهور على حريته المجلوب من أرض الأعداء وأكثر إطلاقه فى الصغير والنساء ( ) – ولا محل له اليوم لإلغاء نظام الرق.
والمعنى الإجمالى أن الصغير لا يعبر عن نفسه ( ) وفى تقدير دينه ورعويته ضرورة لتطبيق الأحكام ، فكان لابد وأن يحكم له بشئ فى ذلك ، وقد حكم الشارع بتبعية الصغير لأبويه فإن لم يكونا فتبعيته للأرض التى هو عليها ، فالتبعية للوالدين – أو لأحدهما – أما تبعية الدار فاحتياط لمنفعة الولد.
-2-
الاتجاهات الفقهية فى التبعية
ذكرت أن التطبيقات الفقهية تكشف عن اتجاهين فى تقرير التبعية ، أولهما : يقوم على اعتبار مجرد التبعية ، والثانى : يعتد بالتبعية التى تحقق نفعا للصغير ( ).
الاتجاه الأول : التبعية المجردة.
وأقصد بالتبعية المجردة اعتبار مجرد النسب ، ولها فى العمل جانب إيجابى ، وآخر سلبى.
أما الإيجابى : فيظهر على رأى جمهور الفقهاء – وهو الصحيح إن شاء الله – فى أن الصغار يتبعون المسلم من الوالدين فى الإسلام – ومن ثم الرعوية – وإن أسلم الأب فى دار الإسلام ، وصغاره لم يزلوا فى دار الحرب ، وخالف فى ذلك الإمام أبو حنيفة وجمهور أصحابه ، بحجة أن تباين الدارين حقيقة وحكما ينافى العصمة والتبعية ( ).
وقد رد أهل العلم قول الإمام أبى حنيفة حتى قال فيه الشوكانى " ومن غرائب الرأى المبنى على غير صواب الفرق بين إسلام الكفار فى دارنا ، وبين إسلامهم فى دارهم …. فإن هذا ليس عليه أثاره من علم ، ويرد هذا الفرق ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد رجاله ثقات " أن النبى  رد على بنى سليم أرضهم وقال : إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله " وأخرج سعيد بن منصور بإسناد رجاله ثقات أن النبى  حاصر بنى قريظة فأسلم ثعلبة وأسيد بن سعية ، فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار " قال الشوكانى : وفى الباب أحاديث "( ) .
وأبلغ من جواب الشوكانى جواب الكمال ابن الهمام الحنفى على أئمته قال " يتبع الأولاد الصغار والحمل خير الأبوين دينا ، سواء كان الأب أو الأم ، فى دار الإسلام أم فى دار الحرب ، وسواء كان الأولاد معه أم ليسوا معه ، وذلك لعموم قول الرسول  "…….. فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها …." فلا تخصيص فيه لمكان دون آخر أو لحالة دون أخرى"( ).
ولم أقف فيما طالعت على حكم صغار وحمل من طلب الذمة ، ولكن يتخرج على أصل الإمامين مالك والشافعى أن " الولد يتبع أباه فى الدين والجزية"( ) أن حكمه حكم صغار المسلمين ، فيتبع أباه فى ذمته وإن لم يكن معه.
وأما السلبى : فيظهر فى حالة الردة ، ونقض الذمة ، فعلى نص الإمام أحمد وظاهر كلام الخرقى وأبى بكر – من الحنابلة – أن من ولد فى الردة فهو محكوم بكفره ( ) وهو قول أكثر الفقهاء فيمن مات أحد أبويه الكافرين فى دار الإسلام ، ويتصور فى حالة الحمل يموت أبوه غير مسلم ، وأمه على غير الإسلام أيضا ، قالوا " لا يحكم بإسلامه بموتهما ولا موت أحدهما ، لأنه يثبت كفره تبعا ولم يوجد منه إسلام ، ولا ممن هو تابع له فوجب إبقاؤه على ما كان عليه "( ).
وبنفس الحكم يقول الشافعى فى المولود – وإن فى دار الإسلام – لغير المسلمين أن الولد يتبع أباه فى جزيته ودينه وذمته اعتباراً بنسبه ( ) وظاهره أنه لا يغير من الحكم أن تكون أمه ذمية على أساس أن المستأمن لا يصير ذميا بالزواج من ذمية ( ).
ولعل مستند هذا الاتجاه جملة ما تفيده الأدلة الشرعية من تبعية الذرية كقول الله تعالى " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم "( ) وقوله " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون "( ) وقوله " لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم " ( ) وقوله " ادعوهم لآبائهم "( ) وقوله  " الولد للفراش".
الاتجاه الثانى : التبعية النافعة.
وهى لا تبنى على مجرد القرابة أو القرار ، وإنما يراعى فيها ما هو أنفع للصغير وأحظ له.
ويظهر هذا الاتجاه بوضوح من خلال تطبيق القاعدة الفقهية " الولد يتبع خير الأبوين دينا " وتأويل الحديث الشريف " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه … إلخ " وكمثال على ذلك عبارة الإمام البهوتى الحنبلى ونصها " جعل – أى الحديث – التبعية لأبويه ، فإذا لم يكن كذلك انقطعت التبعية ، ووجب بقاؤه على حكم الفطرة ، قال أحمد : الفطرة التى فطر الناس عليها شقى أو سعيد ، وذكر الأثرم معنى الفطرة على الإقرار بالوحدانية حين أخذهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، وبأن له صانعا ومدبرا ، وإن عبد شيئا غيره ، وسماه بغير اسمه ، وأنه ليس المراد – بعلى الفطرة – على الإسلام ـ لأن اليهودى يرثه ولده الطفل إجماعا.
وإن كان السابى لغير البالغ – أى للصغير – منفردا أو مع أحد أبويه ذميا تبعه المسبى على دينه كمسبى مسلم لا نقطاع تبعيته لأبويه"( ).
ويزيد الإمام السرخسى المعنى وضوحا بقوله " الحكم يثبت إذا كان تبعا لغيره ، والتبعية فيما يتمخض منفعة ، لا فيما يشوبه ضرر ، وإنما جعل تبعا لتوفير المنفعة عليه ، وفى اعتبار منفعته مع إبقاء التبعية معنى توفير المنفعة ، لأنه يفتح عليه باب تحصيل هذه المنفعة بطريقين ، فكان ذلك أنفع ، وإنما يمتنع معنى الجمع بين معنى التبعية والأصالة إذا كان بينهما مضادة ، فأما إذا تأيد أحدهما بالآخر فذلك مستقيم "( ).
ومن قبيل اعتبار التبعية النافعة تبعية الولد لأمه – وهو قول جمهور العلماء - ولم يخالف فيه إلا الإمام مالك ، وذلك متى أسلمت الأم ، وهو قول جماعة كيف كان دين الأم إذا كان خيرا من دين الأب .
يقول السرخسى " وكذلك – أى يتبع الولد الأم – وإن كانت الأم نصرانية ذمية ، لأنها من أهل دارنا ، وكما يتبعها الولد إذا كانت من أهل ديننا يتبعها إذا كانت من أهل دارنا ، توفيرا للمنفعة على الولد ، ولأنه لا يتم إحراز الولد بدار الحرب ، لأن اعتبار جانب الأب يوجب أن يكون الولد حربيا ، واعتبار جانب الأم يوجب أن يكون الولد من أهل دار الإسلام ، فكأنه من أهل دارنا حقيقة ، فلا يسترق ، وكذلك إن كان الأب ذميا نقض العهد ، فهو كالمسلم يرتد فى أنه يصير من أهل دار الحرب"( ) .
ومن قبيلها أيضا ما مال إليه ابن عابدين وجماعة من الاعتداد بالنسبة الحقيقية – أى الصلة البيولوجية – وإن عدمت النسبة الشرعية متى كان الاعتداد بالأولى أنفع للولد.
جاء فى رد المحتار ما نصه " تنبيه : يشعر التعبير – يعنى عبارة المتن (الولد يتبع خير الأبوين) – بالأبوين إخراج ولد الزنا ، ورأيت فى فتاوى الشهاب الشلبى قال : واقعة الفتوى فى زماننا (مسلم زنى بنصرانية فأتت بولد فهل يكون مسلما ؟).
أجاب بعض الشافعية بعدمه ، وبعضهم بإسلامه . وذكر أن السبكى نص عليه ، وهو غير ظاهر ، فإن الشارع قطع نسب ولد الزنا ، وبنته من الزنا تحل له ( ) ، فكيف يكون مسلما ؟
وأفتى قاضى القضاة الحنبلى بإسلامه أيضا.
وتوقفت عن الكتابة ، فإنه وإن كان مقطوع النسب عن أبيه حتى لا يرثه، فقد صرحوا عندنا – يعنى الحنفية – بأن بنته من الزنا لا تحل له ، وبأنه لا يدفع زكاته لابنه من الزنا ، ولا تقبل شهادته له .
والذى يقوى عندى – والعبارة للشهاب الشلبى – أنه لا يحكم بإسلامه على مقتضى مذهبنا ، وإنما أثبتوا الأحكام المذكورة احتياطا نظرا لحقيقة الجزئية بينهما ا. هـ .
قلت : والكلام لابن عابدين – يظهر لى الحكم بالإسلام للحديث الصحيح " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه " فإنهم قالوا : إنه جعل اتفاقهما ناقلا له عن الفطرة ، فإذا لم يتفقا بقى على أصل الفطرة، أو على ما هو أقرب إليها ، حتى لو كان أحدهما مجوسيا والآخر كتابيا فهو كتابى ، وهنا ليس له أبوان متفقان فيبقى على الفطرة ، ولأنهم قالوا : إن إلحاقه بالمسلم منهما أو بالكتابى أنفع له ، ولا شك أن النظر لحقيقة الجزئية أنفع له ، وأيضا حيث نظروا للجزئية فى تلك المسائل احتياطا فلينظروا إليها هنا احتياطا أيضا ، لأن الاحتياط بالدين أولى ، ولأن الكفر أقبح القبيح فلا ينبغى الحكم به على شخص بدون أمر صحيح ، ولأنهم قالوا فى حرمة بنته من الزنا إن الشرع قطع النسبة إلى الزانى لما فيه من إشاعة الفاحشة ، فلم يثبت النفقة والإرث لذلك ، وهذا لا ينفى النسبة الحقيقية ، لأن الحقائق لا مرد لها ، فمن ادعى أنه لابد من النسبة الشرعية فعليه البيان "( ).
ومن تطبيقاتها أيضا ما عليه الجمهور من أن الذمى إذا نقض عهده – أى أتى ما يستوجب إسقاط الرعوية عنه – فـ " لا ينتقض بنقض عهده عهد نسائه وأولاده الصغار الموجودين ، لحقوا بدار الحرب أولا …… ولو لم ينكروا عليه النقض ، لأن النقض وجد منه دونهم ، فاختص حكمه به "( ) مع أن مقتضى أنهم تبع أن الحكم إذا بطل فى المتبوع فالتابع كذلك ( ).
وأوضح تطبيقاتها عند الحنفية تجدها فى أحكام الردة .
وكما يلحظ من التعليلات التى نقلناها بنصها فإن مبدأ " التبعية النافعة – إن صح التعبير – مبنى فى المقام الأول على هذا التأويل المضيق لقول النبى  " فأبواه – بصيغة المثنى – يهودانه أو ينصرانه … إلخ" واتخاذ اختلافهما سبيلا لنفع الولد ، فضلا عن أسانيد أخرى سأعرض لها لاحقا.
على أن إصرار الفقهاء على طلب الأحظ للولد ، والاحتياط فى نفعه يشير إلى معنى رعاية الضعفاء فى الشريعة الإسلامية ، كما أن التوسع فى إعماله أقرب إلى سمات الانتماء التى نبهنا عليها من قبل .
ولهذا فإننى أرى – وبغض النظر عن الاختلافات الفقهية فى الفروع التى اعتمدنا عليها ، لا سيما وأن الراجح منها هو الأقرب لمبدأ التبعية النافعة – أن هذا المنحى هو الأقرب إلى روح الفقه الإسلامى فضلا عن الشرع الحنيف الذى جاء بالأخوة وحث على التعارف والتواصل والبر بجميع الخلق حتى المخالفين فى الدين ، ثم إن السبيل الفاعل فى الدعوة إلى الله هو الدعوة بالسلوك والخلق ، ومن ينشأ فى ديار الإسلام يتخلق بخلق المسلمين ، ويطلع على محاسن دينهم فلعله يسلم ، وغاية المسلم أن يهدى الله به رجلا فما بالنا برجال ونساء.
-3-
التبعية بناء على حق الدم
قاعدة الشرع كما رأينا أن " كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه ….." وعلى أساسها وبمراعاة ما زاده الفقهاء من اعتبار الأقرب إلى الفطرة يمكننا القول :
1- إن الوالدين إذا اتفقا فى رعوية دار الإسلام فالولد تابع لهما فى ذلك بلا خلاف ( ).
2- وإذا اختلفا وكان الأب " رعية" من رعايا دولة الإسلام فالولد يتبعه على جميع الآراء ، غير أن جمهور الحنفية يشترطون فى التبعية اتحاد الدار ولو حكما ، وقد رددنا عليه فيما مضى ( ) وزيادة على ما تقدم فإن مفهوم تباين الدارين – أى اختلافهما واستباحة كل منهما الأخرى – رهين بسيادة العداء واستحكامه بين المسلمين وغيرهم ، وغلبة تصور أن دول المخالفين تسودها شرائع الغابة ، ولا شك أن كل هذا قد تغير اليوم حتى أصبحت هناك منظمات رسمية وأهلية تمارس ضغوطا لحماية الرعايا الأجانب والأسرى والمواطنين تحت الاحتلال وغيرهم ، ومن ثم لم يعد لنظرة الحنفية ما يبررها( ).
3- إن لم يكن الولد ثابت النسب وولد لامرأة من رعايا الدولة فإن الرعوية تثبت له تبعا لأمه ، لأن ولد الزنا ينسب لأمه " وكما يتبعها الولد إذا كانت من أهل ديننا ، يتبعها إذا كانت من أهل دار الإسلام "( ).
4- وإن اختلفا وليس فيهما مسلم فمذهب الشافعى ومالك : أن الولد يتبع أباه وإن ثبتت للأم رعوية الدولة ، وعلى مذهب الجمهور فإن الولد يتبع أمه بقاء على الفطرة أو على ما هو أقرب إليها ، والمرعى فى القرب الأنفع له ، والحظ المثال التالى.
قال الأستروشنى " إذا ارتد الأب ولحق بدار الحرب ، وكانت الأم ذمية نصرانية ، وقد بقيت فى دار الإسلام لا يكون الولد فيئا – أى يحل استرقاقه – لأن الولد وإن صار مرتدا تبعا لأبيه ، ولكن يبقى ذميا تبعا لأمه ، وكذا لو كان الأب ذميا نقض العهد لم يكن الولد فيئا ، لأنه يبقى ذمياً تبعا لأمه "( ) ويمكن أن نخرج على هذا المثال المولود لأم وطنية من أب مجهول الجنسية أو عديمها.
5- والمثال الشهير : إذا اختلفا وكانت الأم مسلمة ، وقطعا فإنه لا يتأتى من المنظور الإسلامى إلا إذا أسلمت الأم بعد أن لم تكن مسلمة ، وفى حكم الإسلام فإن الأب إن لم يسلم فإنه يفرق بينهما فنكون بصدد مسلمة لا زوج لها، ولكن هل يلحق الولد بأبيه باعتبار النسب أم يلحق بأمه باعتبار الإسلام والأنفع له؟
هذا ما سأعرض له تفصيلا فى المطلب التالى.
-4-
التبعية بناء على الإقليم
روى الماوردى أن النبى  قال " منعت دار الإسلام ما فيها ، وأباحت دار الشرك ما فيها "( ) كما روينا أن النبى  قال " كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه ….إلخ" ولكن لما كانت تبعية الأبوين أقوى لقول الله تعالى " أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله " فإنه عند وجود الوالدين أو أحدهما ( ) يقضى بتبعية الولد تبعا لهما أو للموجود منهما ، ولا يقضى بتبعية الدار " لأن الدار خلف عن الأبوين فى حق الولد ، ولا يظهر الخلف فى حال بقاء الأصل"( ) .
فإن انقطعت تبعيته لأبويه – ولم يعرف له نسب – ثبتت تبعيته للدار – أى الدولة – قال الشوكانى " لا يحتاج إلى دليل خاص ، لأنه قد اجتمع له الولادة على الفطرة ، والكون فى دار الإسلام ، فكان من جملة من يحكم له بالإسلام بالسببين المذكورين "( ).
ولما كان الشوكانى قد فسر " على الفطرة " بالولادة على الإسلام فإنه يأخذ على من يقول " المتلبس بالدار " بمعنى أن أمره مشكل فيحمل على أنه مولود لمسلم – أعنى رعية – يقول " لا وجه له – أى لهذا التقدير – بل ينبغى الحكم للمتلبس بالإسلام ، لأنه مولود على الفطرة " ( ) والمعنى أننا لا نقدر كونه من مسلم ، بل نثبت له التبعية لذاته ، لأنه مسلم بالميلاد على الفطرة.

المطلب الرابع
المساواة بين الأم والأب فى التبعية
-1-
مشكلة الأم المصرية لولد غير مصرى
كما نوهت مراراً فإن أحد أهم دوافع البحث هو مشكلة أولاد المصرية من أجنبى ، فعلى أساس من القانون 26 لسنة 1975 فإن أولاد المصرية من أجنبى لا يتمتعون بالجنسية الأصيلة إلا نادراً ، وذلك لأن القانون لم يقر حق الأم فى نقل التبعية إلا مدعوما بحق الإقليم ، ومقيدا بأحد شرطين ، أحدهما شاذ واقعيا ، والآخر شاذ اجتماعيا ودينيا.
ويتمثل الشذوذ الواقعى فى أن يكون الأب – الأجنبى – المولود له مجهول الجنسية أو لا جنسية له.
ويتمثل الشذوذ الاجتماعى فى أن يكون الولد غير ثابت النسب قانونا إلى أبيه الأجنبى ، ومرد هذا الشذوذ أن الأصل فى الارتباط بين الرجل والمرأة أن يكون شرعيا ، وهذه الشرعية واجبة ديانة ، ومرعية – بفضل الله – اجتماعيا ، ومع سلامة الارتباط يندر ألا يثبت نسب الولد إلى أبيه ، خصوصا وأن الشارع قد احتاط لهذا الثبوت فترخص كثيرا فى طرائقه ، وتشدد أيما تشدد فى نفيه.
ومؤدى ذلك بداهة أن باب الجنسية المصرية الأصيلة موصد دون أولاد المصرية من أجنبى ، وأنه لا يفتح إلا لحماية الحالات الشاذة ، وكمحاولة لتوسعة دور الأم فى الجنسية فى تلك الحالات الشاذة دينيا واجتماعيا نص فى اتفاقية الجنسية بين دول الجامعة العربية ، والتى وافق عليها مجلس الجامعة
فى 5أبريل 1950 ، نص على أنه " …. ومن ولد لأم عربية فى بلد عربى ولم تثبت نسبته إلى أبيه قانونا فيعتبر تابعا لجنسية أمه " (م5) أى أنه وفقا للاتفاقية يعتبر مصريا من ولد لأم مصرية فى مصر أو أى إقاليم من الدول العربية متى لم يثبت نسبه إلى أبيه قانونا . ولكن يبدو أن هذه الاتفاقية لم توضع موضع التنفيذ عندنا حتى الآن( ).
-2-
الرؤى الفقهية حول دور الأم فى الجنسية
لاشك أن المقنن المصرى قد قصد بتشدده مراعاة الكثافة السكانية فى مصر ، وتحاشى ظاهرة تعدد الجنسيات ، وأنه هدف باحتواء هذه الصور الشاذة إلى المساهمة فى مشكلة انعدام الجنسية.
1- وقد تصور البعض ( ) أن من شأن النص على هذه الصور " تشجيع ظاهرة الأبناء غير الشرعيين .. " ويرى أنه " آن الأوان لإعادة النظر فيه وحذفه لا سيما فى دولة دينها الرسمى الإسلام " ويقول " فطالما أنكر الرجل انتساب الولد إليه فقد أصبح ولدا غير شرعى (ابن زنا) " ( ) ويرى سيادته أن " الحكم السابق قد شكل الثغرة التى نفذ منها المنادون بإضفاء جنسية الأم المصرية على أبنائها فى حالة زواجها من أجنبى …. وقيل إن المشرع يحمى الوضع غير المشروع … رغم أننا سوف نرى أن زواج المصريات من أجانب وبالأخص العرب والذى سرعان ما ينفصم ويفجر مشكلة جنسية الأبناء هو كما عبر البعض زواج متعة ، ومنح الجنسية لأولاد هؤلاء العرب من المصريات هو تقنين لوضع غير شرعى ، والإبقاء على الوضع الحالى هو الوسيلة الفعالة للحد من هذا الوضع ، خصوصا وأننا دولة مصدرة للسكان"( ).
وواضح أن أصحاب هذا الرأى يأخذون على المقنن المصرى إفراطه فى الاعتداد بدور الأم فى الجنسية ( ).
2- وعلى الضد منه تماما فإن تيارا قويا ( ) ينعى على المقنن المصرى تقتيره على الأم المصرية ، وإهداره للمبدأ الدستورى القاضى بالمساواة بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات ، وكذلك لأحكام الاتفاقات الدولية الموقعة فى خصوص حمايات الأمومة والطفولة ، وتجاهله للاتجاهات الحديثة فى تشريعات الجنسية ، وتغافله ظاهرة اجتماعية غير منكورة تتمثل فى معيشة كثرة من أولاد المصريات من أجانب برفقة أمهاتهم فى مصر بعد انفصام علاقة الزوجية بين الأم والأب " الأجنبى".
والجدير بالذكر أن علمانية الجنسية فى التنظيم القانونى المعاصر لم تمنع أن تتخذ المقالات والكلمات من الشريعة الإسلامية غطاء للمناداة بالمساواة بين الأم والأب فى هذا الخصوص ، وبغض النظر عن إرادة التأثير على الرأى العام وحشده بهذا الخطاب ، فإننا لا بد وأن نذكر هنا قول الله تعالى " كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز"( ).
3- وبين الاتجاهين القادح والناعى يتوسط فريق ثالث ( ) فيرى فى اتجاه المقنن المصرى سلوكا متوازنا بين حاجة الأسرة ومصلحة الدولة ، وهى بقدر الله ذات وفرة سكانية عن كل جاراتها ، ويحمدون للقيادة السياسية أخذها بالمفهوم القانونى السليم ، وتمسكها بالحفاظ على المصالح العليا للمجتمع ، فلم ترضخ للضغوط أو تقبل المزايدة على المصالح القومية للبلاد ( ).
وفى تفنيدهم لدعوى المساواة يؤكدون على أنها مساواة تكامل لا تطابق وتماثل كما تدل على ذلك النصوص من الكتاب والسنة ، وأن " مبدأ المساواة أمام القانون – المقرر بالمادة 40من الدستور – مقصور على المشروعية دون الملائمة " كما قضت المحكمة الإدارية العليا ( ).
أما الاتفاقات الدولية فهى تقرر أن تتعهد الدول الموقعة وفق قوانينها ، على أن مصر قد تحفظت صراحة فى تصديقها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على الفقرة الثانية من المادة التاسعة من هذه الاتفاقية( ).
أما الاتجاهات الحديثة فى تشريعات الجنسية فالغربية منها " تتنكر مدفوعة بالحاجة إلى زيادة رعايا الدولة تحت رداء المساواة بين الجنسين … والدول القليلة الأخرى التى أخذت بنفس المبدأ فإنها قد فعلت ذلك خضوعا لجماعات الضغط النسائية ، وكسبا لأصواتها تحقيقا لمكاسب حزبية ضيقة على حساب المصالح القومية ، أو أخذت بالمبدأ من قبيل المحاكاة وتقليد الغالب"( ).
4- هذه رؤى المحدثين فى المشكلة قيد البحث ، وما يهمنا التوقف عنده أن أبرز ما استند إليه كل من دعاة المساواة ، وأنصار الوضع القانونى الراهن هو مبدأ المساواة خصوصا من منظور الشريعة الإسلامية ، فالموسعون يرون أن الشريعة الإسلامية ساوت بين الأم والأب فى الميراث " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك "( ) وأن " النساء شقائق الرجال "( ) وكما قال الله تعالى " ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف"( )، وفى رأى بعضهم( ) : أن أحكام الجنسية تدخل فى باب السياسة المتروكة لمن بيدهم مقاليد الأمر بما يحقق مصالح العباد ، وعلى هذا الأساس فإن إعمال مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة فى خصوص المشكلة المطروحة لا يتعارض مع روح الشريعة.
أما المعارضون فينفون دعوى التطابق أو طلاقة المسئولية مستندين إلى قول الله تعالى " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض"( ) وقوله " وللرجال عليهن درجة "( ) وقوله " يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين "( ) وقوله " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث"( ) وكلها أدلة تدعم دعوى ترجيح مكانة الرجل على مكانة المرأة.
وفى رأى بعض المعارضين فإن المسألة بابها النسب لا الإرث ( ) وقد حكم الله فى نسب معلوم الأب بنسبته إلى أبيه ، قال تعالى " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله "( ).
تعليق :
فى سبيل تقرير حكم نراه أقرب إلى الصواب فإننا لن نحرص على التشبث بأدلة العموم التى استند إليها الفريقان سواء فى دعم طلاقة المساواة أو نسبيتها ، وأفضل أن نتلمس الحل أولا فى فقه السلف ، ثم نرصد التغيرات ذات البال الذى يظن أنها تؤثر فى فتوى السلف.
-3-
ظاهر فتوى السلف تأييد المساواة
ذكرنا قبلا أن الإسلام – أو الذمة – يكسب الشخص رعوية دار الإسلام، ورأينا الفقهاء يقررون أن من لا يعبر عن نفسه لا يعتبر أصلا بنفسه ، فهل يتبع أباه أم أمه ؟ وبعبارة معاصرة إن اختلفت جنسية الأبوين – مع وجودهما وثبوت النسب – فأيتهما التى تنتقل إلى الولد بالتبعية؟
تحت عنوان " من أسلم من الأبوين كان أولاده الأصاغر تبعا له" عقد الفقهاء بحثا ، ننقله بنصه من عبارة الماوردى فى الحاوى الكبير ( ) ، قال :
" مسألة : قال المزنى : قال الشافعى رحمه الله ( وإذا أسلم أحد أبوى الطفل أو المعتوه كان مسلما).
قال الماوردى : وهذا صحيح . فإن اجتمع إسلام الأبوين كان إسلاما لصغار أولادهما معهما ، ولا يكون للبالغين العقلاء ، وهذا إجماع .
فأما إن أسلم أحد الأبوين ، فذهب الشافعى وأبو حنيفة  وأكثر الفقهاء : إلى أن إسلام كل واحد منهما يكون إسلاما لهم ، سواء كان المسلم منهما أبا أم أما.
وقال عطاء : يكونون مسلمين بإسلام الأم دون الأب ، لأنه من الأم قطعا، ومن الأب ظنا.
وقال مالك : يكون مسلما بإسلام الأب دون الأم ، لرجوعه فى النسب إلى أبيه ، احتجاجا بقول الله تعالى " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون "( ).
والمراد بالآية : الملة ، فدل على إلحاقه بملة الأب دون الأم . ولقوله تعالى " لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم "( ) فدل على إضافة الأولاد إلى الآباء ، دون الأمهات .
ودليلنا – يعنى الجمهور - : قول الله تبارك وتعالى " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم "( ) وهم ذرية لكل واحد من الأبوين ، فوجب أن يتبعوا لكل واحد من الأبوين .
وروى عن النبى  أنه قال " أولاد المسلمين معهم فى الجنة ، وهم مع كل واحد منهم".
ولأن الإسلام حق ، والكفر باطل ، واتباع الحق أولى من اتباع الباطل ، ولأن تعارض البينتين يوجب تغليب أقواهما وأعلاهما ، والإسلام أقوى وأعلى من الكفر ، فوجب أن يغلب الإسلام على حكم الكفر ، لقوله تبارك وتعالى " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا "( )ولقول النبى  " الإسلام يعلو ولا يعلى عليه".
وروى عن عمر بن الخطاب  أنه قال " أى ابن أمة أسلم فديته دية المسلمين " وليس يعرف له مخالف.
ويدل عليه : أن مسلما لو تزوج غير مسلمة كان الولد مسلما ، وكذلك إذا أسلم بعد أن تزوجها.
فأما الجواب عن قوله تعالى " إنا وجدنا آباءنا على أمة " فإنه قاله على وجه الذم لهم ، فدل على أن الحق لهم فى عدولهم عنه.
وأما الجواب عن قوله " لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم " فهو أن الإنذار متوجه إلى الآباء والأمهات ، وإن عبر عنه تغليبا لحكم التذكير". ا. هـ بنصه.
ومذهب الحنابلة كمذهب الجمهور ويعلل له الإمام ابن قدامة تعليلا اجتماعيا رائعا فيقول " ويترجح الإسلام بأشياء منها أنه دين الله الذى رضيه لعباده ، وبعث به رسله دعاة لخلقه ، ومنها أنه تحصل به السعادة فى الدنيا والآخرة ، ويتخلص به فى الدنيا من القتل والاسترقاق وأداء الجزية ، وفى الآخرة من سخط الله وعذابه ، ومنها أن الدار دار الإسلام يحكم بإسلام لقيطها ومن لا يعرف حاله فيها"( ).
وواضح من التعليل أنه يتغيا نفعا للتابع ، ويقدر أنه متى أمكن نفع أحد فليس من الإيمان حرمانه منه.
وقد أضاف ابن قدامة رأيا للإمام الثورى نصه " إذا بلغ خير بين دين أبيه ودين أمه ، فأيهما اختاره كان على دينه ، ولعله يحتج بحديث الغلام الذى أسلم أبوه ، وأبت أمه أن تسلم فخيره النبى  بين أبيه وأمه"( ).
ومضمون قول الإمام الثورى أن الولد يظل على رعوية الميلاد فإذا بلغ خير ، ومثله يقترحه بعض الباحثين.
ويتحصل من ذلك أن فى تبعية الولد الذى أسلم أحد أبويه آراء أربعة :
أولهم : يتبع الولد أمه. ¬
والثانى : يتبع أباه.
والثالث : يبقى على ما ولد عليه ويخير متى بلغ.
والرابع : يتبع من أسلم منهما أبا كان أم أما.
وهذا الأخير هو الأقوى دليلا ، بل إن حكاية الماوردى عن عمر  تومئ إلى الإجماع عليه.
المتغير فى واقعة الفتوى
المسألة التى نقلناها آنفا هى أقرب ما تكون إلى المشكلة التى نحن بصددها ، ولكن هذا باعتبار الظاهر فحسب ، لأن من فروض مسألة السلف فى خصوص الرعوية – أن يكون الباقى من الوالدين على دينه تابعا لدار الكفر ، وعدم تبعية الولد لمن أسلم منهما معناه أن يظل الولد على كفره وتبعيته لدار المخالفين ، وهو الأمر الذى يحل قتله – متى قاتل – واسترقاقه . إذن مرد المسألة دينى فى الأساس ، والرعوية المتغياة هى رعوية دار الإسلام بكل رحابتها وما يكتنفها من عدل وتكافل ، والرعوية التى يراد قطعها هى رعوية دار الكفر – حسب حالها فى عصر الفتوى – بما يغلب عليها من جور وظلم ، وما يخشى من كثرة رعاياها من تهديد أمن دار الإسلام .
وقد قدمنا ( ) أن دار الإسلام – بالمفهوم الدستورى الإسلامى – لا وجود لها الآن ، كما أن دار الحرب – حسب نظرية الحنفية – لا تكاد توجد ، مما يعنى أن فرضية الرعوية لدار الإسلام متخلفة فى زماننا.
على أن تبعية الولد لأبيه فى واقعنا المعاصر تجعله رعية – فى الغالب والأعم بالنظر إلى مشكلة الأم المصرية – لمجتمع من مجتمعات المسلمين ، وحتى إن كان الأب من مجتمعات الكثرة غير المسلمة فإن الولد لن يكون حربيا لانتفاء مفهوم دار الحرب ومحصلة ذلك : أن فتوى السلف – ويشبه أن تكون محل إجماع - لا تنطبق على مسألتنا.
-4-
الرعوية على أساس اجتماعى
فى كلام السلف أيضا ما يشبه أن يكون قبولا لبناء الرعوية على أساس اجتماعى ، ويظهر هذا التقدير من ثنايا الحديث عن تبعية الولد لأبويه غير المسلمين ، بفرض أن أحدهما من غير رعايا دار الإسلام ، وقد عرضت لهذه الصورة من قبل ( )، ورأينا أن المالكية والمذهب عند الشافعية يقولون بتبعية الولد لرعوية أبيه ، والحنابلة وجماعة يقولون بتبعيته دار الإسلام – إن كان أحد الأبوين من رعاياها – على أساس أن تبعية الولد للوالدين مقيد – بالحديث – باتفاقهما ، فإن وقع الاختلاف لزم تغليب الفطرة( ).
أما الحنفية – ورأيهم من رأى الحنابلة ومن معهم – فهم الذين أبرزوا الطابع الاجتماعى ، وبنوا عليه الرعوية ، قال السرخسى " وكذلك – أى يتبع الولد الأم – إن كانت الأم نصرانية ذمية ، لأنها من أهل دارنا ، وكما يتبعها الولد إذا كانت من أهل ديننا يتبعها إذا كانت من أهل دارنا ، توفيرا للمنفعة على الولد"( ).
ويتضح من هذه الصورة أن الفقهاء فى التبعية على أساس اجتماعى – تقديرا – على فريقين ، فريق ينفى ، وآخر يقر ، مع ملاحظة أن المقرين يلحظون فى فتواهم واقع زمانهم ، من تجزؤ العالم إلى دار إسلام ودار حرب، يقول السرخسى " ولأنه لا يتم إحراز الولد بدار الحرب ، لأن اعتبار جانب الأب يوجب أن يكون الولد حربيا ، واعتبار جانب الأم يوجب أن يكون الولد من أهل دار الإسلام " ( ) وأخذ هذه المسألة فى الاعتبار يبعد هذه الفتوى – بإشكالات وقائعها – عن مشكلتنا.
ومع ذلك يبقى معنا ما نتعلق به ، وهو دافع أنصار المرأة بل والمطالبات بمنح جنسية الأم لأولادها ، أعنى توفير المنفعة على الولد ، ويقويه – فى رأيى – النهى عن التفريق بين الأم وولدها، ونعالج مسألة التفريق أولاً ، عسى أن تعنينا فى تقرير ما نراه أقرب إلى الصواب من الحلول.
التفريق بين الأم وولدها :
جاء فى المغنى لابن قدامة ( ) ما نصه :
" أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز ، هذا قول مالك فى أهل المدينة ، والأوزاعى فى أهل الشام ، والليث فى أهل مصر ، والشافعى ، وأبى ثور ، وأصحاب الرأى ، فيه .
والأصل فيه ما روى أبو أيوب قال : سمعت رسول الله  يقول " من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة "( ). أخرجه الترمذى ، وقال : هذا حديث حسن غريب ، وقال النبى  " لا تولهّ والدة عن ولدها "( ).
قال أحمد : لا يفرق بين الأم وولدها وإن رضيت ، وذلك والله أعلم لما فيه من الأضرار بالولد ، ولأن المرأة قد ترضى بما فيه ضررها ، ثم يتغير قلبها بعد ذلك فتندم "( ).
وفى قول أكثر أهل العلم يختص التحريم بالتفريق بالصغير حتى يبلغ الغلام ، وتحيض الجارية ، وقيل لا فرق بين كون الولد صغيرا أو كبيرا ، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد لعموم الخبر ، ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير ، ولهذا حرم عليه الجهاد بدون إذنهما "( ).
وهذا الحكم يورده الفقهاء فى السبى ، ونحوه فى بيع الرقيق ، وورده فى السبى بوجه خاص يقربه من مسألتنا لما يتصور من غربة الولد عن المجتمع الذى سبى إليه ، وكأن تباعد الديار واختلاف المجتمعات يبرر من الأحكام ما لا يتبرر فى غيره ، لأن المنصوص عن الإمام أحمد فى كفالة الولد عند افتراق الوالدين مكانيا أن الأب أحق بالولد " لأن الأب فى العادة هو الذى يقوم بتأديب ابنه ، وتخريجه ، وحفظ نسبه ، فإذا لم يكن فى بلده ضاع " وبه قال شريح ومالك والشافعى ، وقال أصحاب الرأى : إن انتقل الأب فالأم أحق به ، وإن انتقلت الأم إلى البلد كان فيه أصل النكاح فهى أحق ، وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق( ).
وواضح من رأى الحنفية أن الأم المصرية التى عقد نكاحها فى مصر أحق بولدها متى انتقلت إليها بعد الطلاق ، على أن هذه الحقية مقيدة بسن الحضانة ( ).
وعلى كل الآراء فإن نفع الولد ملحظ مرعى ، لأن من قالوا يتبع الأب برروا قولهم بعناية الأب بالتأديب والتخريج وحفظ نسبه ، ومن قالوا يتبع الأم قدروا حاجة الولد إلى خدمة النساء ، والأم عليها أقدر ، وبه أرفق ، وفى مقامها به فى الغربة نوع ذل ( ) فتتضرر ، ومن ثم يتضرر ولدها.
وحاصل كل ذلك توفير المنفعة على الولد ، ولكن هل يتعين توفير المنفعة بطريق واحد هو تبعية الولد لأمه فى رعويتها ؟ أم أن ذلك ممكن بطرق أخرى ؟
لننظر فى الفرض التالى :
-5-
أحكام الجنسية والسياسة الشرعية
خلص الدكتور هلالى عبد اللاه من بحثه – العرضى – فى بناء الجنسية على أساس حق الدم من ناحية الأم إلى أن " أحكام الجنسية – من منظور الشريعة الإسلامية – تدخل فى باب السياسة الشرعية المتروكة لمن بيدهم مقاليد الأمر بما يحقق مصالح العباد ، وعلى هذا الأساس فإن إعمال مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة فى خصوص المشكلة المطروحة لا يتعارض مع روح الشريعة"( ).
ومن جانبى فإننى أوافقه على الأساس الذى بنى عليه رأيه ، ولكن فقط فى إطار الواقع الذى عليه العالم الإسلامى اليوم ، لأنه بتقدير وجود دار الإسلام فإن أحكام الرعوية من الأمور التى نظمها الشرع – كما رأينا – وجمهور العلماء على أن أولى الأمر لا خيرة لهم فى إقرار الرعوية ، وأجاز ذلك الشافعية والمالكية – مع غير المسلمين – فى حدود ضيقة ( ).
وبخصوص النتيجة التى انتهى إليها سيادته فإنها مقبولة متى تعينت طريقا لنفع الولد ، لا سيما وأن توفير المنفعة على الولد مما يمكن القول بإجماع العلماء عليه.
ويختلف الحكم فى رأيى بمكنة تعدد طرق النفع خصوصا وأن نفع الولد مناطه الحقوق لا الواجبات ، فالفقهاء ونحن من بعدهم نتعيا – فى هذه المسألة – ما يوسع حقوق الولد دون نظر إلى ما يلزمه من واجبات ، ولا شك أن هذه هى علة المطالبة بالتسوية بين الأم والأب فى مادة الجنسية .
وحيث إن مبنى الحكم – على ما اختاره الدكتور هلالى عبد اللاه – ونحن نوافقه باعتبار الواقع – السياسة الشرعية ( ) ،فإن الفيصل فى تقرير حكم ما هو ما تستوجبه المصالح المتعارضة بين الصالح الخاص ، والصالح العام.
ولا شك أننا بتقليل دور الأم فى التبعية – نهدد مصلحة الولد – ثابت النسب من أجنبى – فى التمتع بمثل ما يتمتع به ولد المصرى من حقوق تتعلق بمجانية التعليم ، والعلاج ، وكافة الخدمات التى يتمتع بها الوطنيون فقط ، فضلا عن السلامة من خطر الإبعاد عن إقليم الدولة الذى يتهدد الأجانب.
ولكننا فى المقابل نرعى مصلحة المجتمع بكثافته السكانية العالية ، وعجز موارده الذاتية عن الوفاء المقبول بالحد الأدنى من حاجة رعاياه.
والأمر الذى لا ينكر أن مصلحة ولد المصرية – الثابت النسب من أجنبى – لا تخرج – مهما بلغت ( )– عن كونها مصلحة خاصة ، ولو انضبط تزويج الأجانب لكان احتياج أولاد المصرية – ثابتى النسب من أجنبى – إلى رعاية الدولة المصرية نادرا ، حيث تكفله – عندئذ – دولته التى ينتمى إليها تبعا لأبيه ، أما مصلحة المجتمع – المصرى – فهى مصلحة عامة ، وقاعدة الشرع أن مصلحة العموم تفضل مصلحة الخصوص ( ) ، وإن قدرنا أن حرمان ثابت النسب من أبيه الأجنبى من تبعية أمه فى رعويتها مفسدة تلحق الولد وأمه ، وأن تقرير هذه التبعية مفسدة نظرا لارتفاع الكثافة السكانية وضعف موارد الدولة عن الوفاء بمتطلباتها لكنا بصدد مفسدتين ، والقاعدة أنه " إذا تعارض مفسدتان روعى أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما "( ).
هذه – حسبما يظهر لى – هى روح الشريعة ، التى تفاضل بين المتساويين لأسباب خارجية عنهما ، لا بصفات قائمة بهما ( ).
ولا تثريب علينا – إن شاء الله – مادمنا نؤمن بأن هنا التنظيم من قبيل "السياسات الجزئية التابعة للمصالح ، فتتقيد بها زمانا ومكانا"( ) بحيث إننا لو كنا فى مجتمع الخفة السكانية ، أو الوفرة الاقتصادية لقلنا بعكس ذلك تماما ، لتغير وجه المصلحة عندئذ.
رأيى فى المشكلة
بناء على ما قدمنا من بحوث فقهية واجتماعية وقانونية وبمراعاة الواقع المصرى ومشكلة أولاد المصرية ثابتى النسب من أجنبى ، بكل ما يكتنف هذا الواقع ، وهذه المشكلة من تداعيات فإننى أرى :
1- أن الفقه الإسلامى – مستلهما روح الشريعة الغراء – يتغيا بتقرير التبعية توفير النفع على الصغير ، لكنه إذ يقرر هذا المبدأ يضع نصب عينيه الخوف على الولد من تبعية دار الحرب ، ويهدف من بين ما يهدف إلى تقليل سواد الكفار ، وحيث إن حيثيات هذا الحكم وأهدافه غائبة عن زماننا فإنه لا يستساغ الأخذ بمجمله فى واقعنا المعاصر ، وإنما ننتفع من اجتهاد السلف بما يلائم واقعنا .
وعليه فإننى أرى أن نشد على مبدأ " توفير النفع" على أن نطبقه بأيسر الطرق وأنسبها إلى مجموع المصالح.
2- وحيث إن الشرع ينهى عن التفرقة بين الأم وولدها فى الصغر خصوصا ، وهو حكم مقرر قانونا فى أحكام الحضانة ( ) فإننى أرى أن يعفى ولد المصرية من أجنبى طوال مدة الطفولة – وهى ثمانية عشر عاما حسب قانون الطفل ( ) – من رسوم الإقامة ، وأن تعقد له الإقامة طوال مدة الطفولة مرة واحدة ، نفعا له ، ودفعا للمشقة عن أمه ، ويمتنع إبعاده طوال هذه الفترة.
3- يتمتع ولد المصرية المفارقة لزوجها الأجنبى معروف الجنسية بما يتمتع به ولد المصرى من خدمات مدنية ولا يتحمل من الأعباء المادية غير ما يتحمل ولد المصرى . ما لم يثبت أن أباه ينفق عليه نفقة مثله ( ).
4- تلتزم الحكومة ممثلة فى الخارجية المصرية بالدفاع عن مصالح أولاد المصرية من أجنبى ، والسعى فى سبيل حصولهم على نفقاتهم الشرعية ، وما يمكن أن تقدمه دولة الأب لرعاياها من خدمات.
5- متى طلب ولد المصرية – ثابت النسب من أبيه الأجنبى معروف الجنسية ، والمقيم مع أمه المصرية ، المفارقة لزوجها الأجنبى ، إقامة معتادة فى مصر – اكتساب الجنسية المصرية فإنه يجاب إليها بشرط تنازله عن جنسية أبيه، ما لم يتبين أن فى الإبقاء عليها مصلحة.
6- وأخيرا فإننى أضم صوتى إلى كل المطالبين والمطالبات برعاية زواج المصريات من أجانب ، وأن توضع السياسات الكفيلة بتوقى الآثار الضارة الناشئة عن الفرقة ، خصوصا ما يصيب الأولاد منها.
والله الهادى إلى سواء السبيل ،،
الولد للوالدين مقيد – بالحديث – باتفاقهما ، فإن وقع الاختلاف لزم تغليب الفطرة( ).
أما الحنفية – ورأيهم من رأى الحنابلة ومن معهم – فهم الذين أبرزوا الطابع الاجتماعى ، وبنوا عليه الرعوية ، قال السرخسى " وكذلك – أى يتبع الولد الأم – إن كانت الأم نصرانية ذمية ، لأنها من أهل دارنا ، وكما يتبعها الولد إذا كانت من أهل ديننا يتبعها إذا كانت من أهل دارنا ، توفيرا للمنفعة على الولد"( ).
ويتضح من هذه الصورة أن الفقهاء فى التبعية على أساس اجتماعى – تقديرا – على فريقين ، فريق ينفى ، وآخر يقر ، مع ملاحظة أن المقرين يلحظون فى فتواهم واقع زمانهم ، من تجزؤ العالم إلى دار إسلام ودار حرب، يقول السرخسى " ولأنه لا يتم إحراز الولد بدار الحرب ، لأن اعتبار جانب الأب يوجب أن يكون الولد حربيا ، واعتبار جانب الأم يوجب أن يكون الولد من أهل دار الإسلام " ( ) وأخذ هذه المسألة فى الاعتبار يبعد هذه الفتوى – بإشكالات وقائعها – عن مشكلتنا.
ومع ذلك يبقى معنا ما نتعلق به ، وهو دافع أنصار المرأة بل والمطالبات بمنح جنسية الأم لأولادها ، أعنى توفير المنفعة على الولد ، ويقويه – فى رأيى – النهى عن التفريق بين الأم وولدها، ونعالج مسألة التفريق أولاً ، عسى أن تعنينا فى تقرير ما نراه أقرب إلى الصواب من الحلول.
التفريق بين الأم وولدها :
جاء فى المغنى لابن قدامة ( ) ما نصه :
" أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز ، هذا قول مالك فى أهل المدينة ، والأوزاعى فى أهل الشام ، والليث فى أهل مصر ، والشافعى ، وأبى ثور ، وأصحاب الرأى ، فيه .
والأصل فيه ما روى أبو أيوب قال : سمعت رسول الله  يقول " من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة "( ). أخرجه الترمذى ، وقال : هذا حديث حسن غريب ، وقال النبى  " لا تولهّ والدة عن ولدها "( ).
قال أحمد : لا يفرق بين الأم وولدها وإن رضيت ، وذلك والله أعلم لما فيه من الأضرار بالولد ، ولأن المرأة قد ترضى بما فيه ضررها ، ثم يتغير قلبها بعد ذلك فتندم "( ).
وفى قول أكثر أهل العلم يختص التحريم بالتفريق بالصغير حتى يبلغ الغلام ، وتحيض الجارية ، وقيل لا فرق بين كون الولد صغيرا أو كبيرا ، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد لعموم الخبر ، ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير ، ولهذا حرم عليه الجهاد بدون إذنهما "( ).
وهذا الحكم يورده الفقهاء فى السبى ، ونحوه فى بيع الرقيق ، وورده فى السبى بوجه خاص يقربه من مسألتنا لما يتصور من غربة الولد عن المجتمع الذى سبى إليه ، وكأن تباعد الديار واختلاف المجتمعات يبرر من الأحكام ما لا يتبرر فى غيره ، لأن المنصوص عن الإمام أحمد فى كفالة الولد عند افتراق الوالدين مكانيا أن الأب أحق بالولد " لأن الأب فى العادة هو الذى يقوم بتأديب ابنه ، وتخريجه ، وحفظ نسبه ، فإذا لم يكن فى بلده ضاع " وبه قال شريح ومالك والشافعى ، وقال أصحاب الرأى : إن انتقل الأب فالأم أحق به ، وإن انتقلت الأم إلى البلد كان فيه أصل النكاح فهى أحق ، وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق( ).
وواضح من رأى الحنفية أن الأم المصرية التى عقد نكاحها فى مصر أحق بولدها متى انتقلت إليها بعد الطلاق ، على أن هذه الحقية مقيدة بسن الحضانة ( ).
وعلى كل الآراء فإن نفع الولد ملحظ مرعى ، لأن من قالوا يتبع الأب برروا قولهم بعناية الأب بالتأديب والتخريج وحفظ نسبه ، ومن قالوا يتبع الأم قدروا حاجة الولد إلى خدمة النساء ، والأم عليها أقدر ، وبه أرفق ، وفى مقامها به فى الغربة نوع ذل ( ) فتتضرر ، ومن ثم يتضرر ولدها.
وحاصل كل ذلك توفير المنفعة على الولد ، ولكن هل يتعين توفير المنفعة بطريق واحد هو تبعية الولد لأمه فى رعويتها ؟ أم أن ذلك ممكن بطرق أخرى ؟
لننظر فى الفرض التالى
-5-
أحكام الجنسية والسياسة الشرعية
خلص الدكتور هلالى عبد اللاه من بحثه – العرضى – فى بناء الجنسية على أساس حق الدم من ناحية الأم إلى أن " أحكام الجنسية – من منظور الشريعة الإسلامية – تدخل فى باب السياسة الشرعية المتروكة لمن بيدهم مقاليد الأمر بما يحقق مصالح العباد ، وعلى هذا الأساس فإن إعمال مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة فى خصوص المشكلة المطروحة لا يتعارض مع روح الشريعة"( ).
ومن جانبى فإننى أوافقه على الأساس الذى بنى عليه رأيه ، ولكن فقط فى إطار الواقع الذى عليه العالم الإسلامى اليوم ، لأنه بتقدير وجود دار الإسلام فإن أحكام الرعوية من الأمور التى نظمها الشرع – كما رأينا – وجمهور العلماء على أن أولى الأمر لا خيرة لهم فى إقرار الرعوية ، وأجاز ذلك الشافعية والمالكية – مع غير المسلمين – فى حدود ضيقة ( ).
وبخصوص النتيجة التى انتهى إليها سيادته فإنها مقبولة متى تعينت طريقا لنفع الولد ، لا سيما وأن توفير المنفعة على الولد مما يمكن القول بإجماع العلماء عليه.
ويختلف الحكم فى رأيى بمكنة تعدد طرق النفع خصوصا وأن نفع الولد مناطه الحقوق لا الواجبات ، فالفقهاء ونحن من بعدهم نتعيا – فى هذه المسألة – ما يوسع حقوق الولد دون نظر إلى ما يلزمه من واجبات ، ولا شك أن هذه هى علة المطالبة بالتسوية بين الأم والأب فى مادة الجنسية .
وحيث إن مبنى الحكم – على ما اختاره الدكتور هلالى عبد اللاه – ونحن نوافقه باعتبار الواقع – السياسة الشرعية ( ) ،فإن الفيصل فى تقرير حكم ما هو ما تستوجبه المصالح المتعارضة بين الصالح الخاص ، والصالح العام.
ولا شك أننا بتقليل دور الأم فى التبعية – نهدد مصلحة الولد – ثابت النسب من أجنبى – فى التمتع بمثل ما يتمتع به ولد المصرى من حقوق تتعلق بمجانية التعليم ، والعلاج ، وكافة الخدمات التى يتمتع بها الوطنيون فقط ، فضلا عن السلامة من خطر الإبعاد عن إقليم الدولة الذى يتهدد الأجانب.
ولكننا فى المقابل نرعى مصلحة المجتمع بكثافته السكانية العالية ، وعجز موارده الذاتية عن الوفاء المقبول بالحد الأدنى من حاجة رعاياه.
والأمر الذى لا ينكر أن مصلحة ولد المصرية – الثابت النسب من أجنبى – لا تخرج – مهما بلغت ( )– عن كونها مصلحة خاصة ، ولو انضبط تزويج الأجانب لكان احتياج أولاد المصرية – ثابتى النسب من أجنبى – إلى رعاية الدولة المصرية نادرا ، حيث تكفله – عندئذ – دولته التى ينتمى إليها تبعا لأبيه ، أما مصلحة المجتمع – المصرى – فهى مصلحة عامة ، وقاعدة الشرع أن مصلحة العموم تفضل مصلحة الخصوص ( ) ، وإن قدرنا أن حرمان ثابت النسب من أبيه الأجنبى من تبعية أمه فى رعويتها مفسدة تلحق الولد وأمه ، وأن تقرير هذه التبعية مفسدة نظرا لارتفاع الكثافة السكانية وضعف موارد الدولة عن الوفاء بمتطلباتها لكنا بصدد مفسدتين ، والقاعدة أنه " إذا تعارض مفسدتان روعى أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما "( ).
هذه – حسبما يظهر لى – هى روح الشريعة ، التى تفاضل بين المتساويين لأسباب خارجية عنهما ، لا بصفات قائمة بهما ( ).
ولا تثريب علينا – إن شاء الله – مادمنا نؤمن بأن هنا التنظيم من قبيل "السياسات الجزئية التابعة للمصالح ، فتتقيد بها زمانا ومكانا " ( ) بحيث إننا لو كنا فى مجتمع الخفة السكانية ، أو الوفرة الاقتصادية لقلنا بعكس ذلك تماما ، لتغير وجه المصلحة عندئذ.
رأيى فى المشكلة
بناء على ما قدمنا من بحوث فقهية واجتماعية وقانونية وبمراعاة الواقع المصرى ومشكلة أولاد المصرية ثابتى النسب من أجنبى ، بكل ما يكتنف هذا الواقع ، وهذه المشكلة من تداعيات فإننى أرى :
1- أن الفقه الإسلامى – مستلهما روح الشريعة الغراء – يتغيا بتقرير التبعية توفير النفع على الصغير ، لكنه إذ يقرر هذا المبدأ يضع نصب عينيه الخوف على الولد من تبعية دار الحرب ، ويهدف من بين ما يهدف إلى تقليل سواد الكفار ، وحيث إن حيثيات هذا الحكم وأهدافه غائبة عن زماننا فإنه لا يستساغ الأخذ بمجمله فى واقعنا المعاصر ، وإنما ننتفع من اجتهاد السلف بما يلائم واقعنا .
وعليه فإننى أرى أن نشد على مبدأ " توفير النفع" على أن نطبقه بأيسر الطرق وأنسبها إلى مجموع المصالح.
2- وحيث إن الشرع ينهى عن التفرقة بين الأم وولدها فى الصغر خصوصا ، وهو حكم مقرر قانونا فى أحكام الحضانة ( ) فإننى أرى أن يعفى ولد المصرية من أجنبى طوال مدة الطفولة – وهى ثمانية عشر عاما حسب قانون الطفل ( ) – من رسوم الإقامة ، وأن تعقد له الإقامة طوال مدة الطفولة مرة واحدة ، نفعا له ، ودفعا للمشقة عن أمه ، ويمتنع إبعاده طوال هذه الفترة.
3- يتمتع ولد المصرية المفارقة لزوجها الأجنبى معروف الجنسية بما يتمتع به ولد المصرى من خدمات مدنية ولا يتحمل من الأعباء المادية غير ما يتحمل ولد المصرى . ما لم يثبت أن أباه ينفق عليه نفقة مثله ( ).
4- تلتزم الحكومة ممثلة فى الخارجية المصرية بالدفاع عن مصالح أولاد المصرية من أجنبى ، والسعى فى سبيل حصولهم على نفقاتهم الشرعية ، وما يمكن أن تقدمه دولة الأب لرعاياها من خدمات.
5- متى طلب ولد المصرية – ثابت النسب من أبيه الأجنبى معروف الجنسية ، والمقيم مع أمه المصرية ، المفارقة لزوجها الأجنبى ، إقامة معتادة فى مصر – اكتساب الجنسية المصرية فإنه يجاب إليها بشرط تنازله عن جنسية أبيه ، ما لم يتبين أن فى الإبقاء عليها مصلحة.
6- وأخيرا فإننى أضم صوتى إلى كل المطالبين والمطالبات برعاية زواج المصريات من أجانب ، وأن توضع السياسات الكفيلة بتوقى الآثار الضارة الناشئة عن الفرقة ، خصوصا ما يصيب الأولاد منها.
والله الهادى إلى سواء السبيل




ثبت بأهم مراجع البحث
1- القرآن الكريم
مؤلفات السادة الأفاضل الأئمة والعلماء والأساتذة :
2- إبراهيم أحمد إبراهيم . مركز الأجانب . نشر مكتبة سيد عبد الله وهبه. 1978، وبحث بعنوان مركز المرأة فى قانون الجنسية المصرى . منشور ضمن أعمال مؤتمر: حول بعض الجوانب الاجتماعية والقانونية للمرأة فى مصر 1988، ومقالة بجريدة الأهرام المصرية عدد 14/6/1997 . بعنوان " الأم مصر وأبناء الأم المصرية".
3- أبو الحسن الندوى – ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين . طبعة مكتبة الإيمان بالمنصورة.
4- أبو بكر بن مسعود ( الكاسانى) . بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع ط دار الكتب العلمية الثانية.
5- أحمد إبراهيم بك . حكم الشريعة الإسلامية فى الزواج مع اتحاد الدين واختلافه . مقالة بمجلة القانون والاقتصاد . السنة الأولى 1931.
6- أحمد أبو الوفاء . أثر أئمة الفقه الإسلامى فى تطوير قواعد القانون الدولى والعلاقات الدولية – مستخرج من مجلة القانون والاقتصاد إصدار حقوق القاهرة . العدد 63 سنة 1993.
7- أحمد بن إدريس ( القرافى المالكى) الفروق . ط عالم الكتب.
8- أحمد بن الحسين (البيهقى )- سنن البيهقى ط م مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الهند 1356هـ
9- أحمد بن سالم بن غنيم (النفراوى) الفواكه الدوانى . ط مصطفى الحلبى.
10- أحمد بن عبد الحليم (ابن تيمية) اقتضاء الصراط المستقيم . ط م أنصار السنة المحمدية بالقاهرة . الثانية.
11- أحمد بن على (الجصاص)– أحكام القرآن نشر دار الكتاب العلمية 1994 . وطبعة أخرى
12- أحمد بن على بن شعيب (النسائى )– سنن النسائى ط دار الجيل
13- أحمد بن على بن محمد (ابن حجر العسقلانى) تلخيص الحبير فى تخريج أحاديث الرافعى الكبير بتحقيق وتعليق السيد عبد الله اليمانى . م الطباعة الفنية . القاهرة 1964.
14- أحمد بن محمد بن حنبل - المسند ط المكتب الإسلامى للطباعة والنشر .
15- أحمد بن يحيى بن المرتضى الزيدى . البحر الزخار . ط دار الحكمة اليمانية.
16- أحمد حمد . فقه الجنسيات . دراسة مقارنة فى الشريعة والقانون بدون جهة نشر 1986.
17- أحمد طه السنوسى . فكرة الجنسية فى التشريع الإسلامى المقارن .بحث بمجلة مصر المعاصرة س 48 العدد 288.
18- أحمد عبد الكريم سلامة . المبسوط فى شرح نظام الجنسية . الطبعة الأولى 1993 . فكرة القانون الدولى الخاص فى الفقه الإسلامى المقارن . نشر دار النهضة العربية . (وقد نفذت وأعارنى سيادته نسخته الخاصة).
19- أحمد قسمت الجداوى . الوجيز فى القانون الدولى الخاص . الجزء الأول . دار النهضة العربية 1978.
20- أحمد محمد أحمد بخيت (المؤلف ) . أثر الوعى الإسلامى فى النهضة القانونية الأوربية فى العصور الوسطى . دراسة تاريخية تحليلية . نشر دار النهضة العربية 2001 – الزواج فى الفقه الإسلامى والتقنينات العربية المعاصرة دراسة مقارنة – نشر دار النهضة العربية 1999- العطايا والمواريث فى الفقه الإسلامى والتقنينات المعاصرة نشر دار النهضة العربية 2000- مدى خضوع الأجنبى لقانون القاضى الوطنى . رسالة للماجستير – على الآلة الناسخة – مقدمة إلى كلية الشريعة والقانون بأسيوط 1991
21- أحمد محمد رفعت . القانون الدولى العام . ط خاصة لطلبة الدراسات القانونية بالتعليم المفتوح. جامعة القاهرة 1999.
22- إسماعيل بن كثير (المفسر والمؤرخ ) . البداية والنهاية . بتحقيق د. أحمد أبو ملحم . وآخرين . ط دار الكتب العلمية.
23- الحاكم النيسابورى - المستدرك على الصحيحين . نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية
24- السيد عبد العزيز سالم . محاضرات فى تاريخ الحضارة الإسلامية . نشر مؤسسة شباب الجامعة . الإسكندرية 1997.
25- السيد محمود ( شهاب الدين الألوسى) روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى ط دار الفكر.
26- الشريف الرضى . شرح نهج البلاغة . ط دار الشعب.
27- القاسم بن سلام . (أبو عبيد) الأموال . بتحقيق الشيخ محمد خليل هراس . ط دار الفكر . بيروت 1988.
28- باول شمتز . الإسلام قوة الغد العالمية . بترجمة الدكتور محمد شامة. نشر مكتبة وهبة.
29- جمال الدين الشبال . ضمن " أثر العرب والإسلام فى النهضة الأوربية " لمجموعة باحثين . ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 1970.
30- جمال حمدان . شخصية مصر . ط مكتبة الأسرة 1995.
31- جوستانى لوبون . حضارة العرب . بترجمة عادل زعيتر. نشر مكتبة الأسرة 2000.
32- حامد زكى القانون الدولى الخاص . ط أولى 1936.
33- حامد سلطان . أحكام القانون الدولى فى الشريعة الإسلامية . ضمن التشريع الإسلامى والنظم القانونية الوضعية دراسة مقارنة . المجلد الثالث . نشر منظمة اليونسكو 1978.
34- حسام الدين فتحى ناصف . أثر انعقاد الزواج وانحلاله على جنسية أفراد أسرة الوطنية والأجنبى 1996.
35- حسين مؤنس . دستور أمة الإسلام . دراسة فى أصول الحكم وطبيعته وغايته عند المسلمين . ط مكتبة الأسرة 2000م .
36- خالد رشيد الجميلى . أحكام الأحلاف والمعاهدات فى الشريعة الإسلامية والقانون 1987.
37- خالد محمد عبد القادر . من فقه الأقليات المسلمة. من سلسلة كتاب الأمة القطرية . السنة السادسة عشرة العدد 61.
38- رأفت عبد الحميد . الفكر المصرى فى العصر المسيحى . نشر مكتبة الأسرة 2000م.
39- رفيق حبيب . تفكيك الديمقراطية . نشر دار الشروق 1994.
40- زين العابدين بن إبراهيم . (ابن نجيم ) الأشباه والنظائر بتحقيق عبد الكريم الفضيلى . ط المكتبة العصرية 1998.
41- سعيد شبار . المصطلح . خيار لغوى وسمة حضارية . من سلسلة كتاب الأمة الفطرية . السنة العشرون . العدد 78.
42- سعيد عبد الله المهيرى .العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية . دراسة مقارنة . رسالة دكتوراه. ط م الرسالة 1995 .
43- سليمان بن الأشعث (أبو داود) سنن أبى داود . مطبوع مع الموطأ بشرح الزرقانى نشر الكليات الزهرية 1979م.
44- سليمان محمد توبولياك الأحكام السياسية للأقليات المسلمة فى الفقه الإسلامى نشر دار النفائس. الأردن . الطبعة الأولى 1997.
45- صبحى المحمصانى . القانون والعلاقات الدولية فى الإسلام ط دار العلم للملايين . الثانية بيروت 1982.
46- صلاح الدين جمال الدين محمد . نظرات فى الجنسية المصرية. دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية . دار النهضة العربية 1998.
47- عباس محمود العقاد . أثر العرب فى الحضارة الأوربية . ط مكتبة الأسرة 1998.
48- عبد الحكيم مصطفى عبد الرحمن حماية الطفولة فى القانون الدولى الخاص المقارن حق الطفل فى الجنسية 1994 بدون جهة نشر.
49- عبد الحليم عويس . التأصيل الإسلامى لنظريات ابن خلدون . ضمن سلسلة . كتاب الأمة القطرية . السنة الثالثة عشرة العدد 50 .
50- عبد الرازاق أحمد السنهورى . فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية . ترجمة د. نادية السنهورى . ومراجعة وتعليق وتقديم د. توفيق الشاوى . ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 1989.
51- عبد الرحمن بن أبى بكر (جلال الدين السيوطى) . الأشباه والنظائر فى الفروع . ط دار الفكر. الجامع الصغير فى أحاديث البشير النذير ط دار الكتب العلمية 1990.
52- عبد الرحمن بن محمد (ابن خلدون ) . مقدمة ابن خلدون بتحقيق وتعليق وشرح الدكتور على عبد الواحد وافى . نشر لجنة البيان العربى . الطبعة الثانية 1967.
53- عبد العزيز بن عبد السلام (عز الدين) قواعد الأحكام فى مصالح الأنام . ط م الريان 1998.
54- عبد العظيم الديب . فقه إمام الحرمين . خصائصه . أثره . منزلته . ط دار الوفاء . المنصورة 1988.
55- عبد العظيم بن عبد القوى (المنذرى). الترغيب والترهيب، بتحقيق وتخريج وفهرسة أيمن صالح شعبان . ط دار الحديث – الأولى.
56- عبد القادر عودة التشريع الجنائى الإسلامى مقارناً بالقانون الوضعى ط م الرسالة السادسة بيروت 1985.
57- عبد الكريم زيدان أحكام الذميين والمستأمنين فى دار الإسلام . رسالة للدكتوراه ط م الرسالة 1985.
58- عبد الله بن أحمد بن محمد (موفق الدين ابن قدامة) المغنى على مختصر الحزقى مع الشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة . بتحقيق د. محمد شرف الدين خطاب وآخرين . ط دار الحديث. الأولى.
59- عبد الله بن عبد الرحمن (الدارمى) - سنن الدارمى . بتحقيق وتخريج وفهرسة فؤاد أحمد زمزلى ، خالد السبع . نشر دار الريان للتراث الأولى 1987.
60- عبد الله بن يوسف (الزيلعى) نصب الراية فى تخريج أحاديث الهداية . ط دار الحديث.
61- عبد الملك بن هشام – صاحب السيرة - سيرة ابن هشام . باختصار وتعليق لجنة السيرة النبوية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية . ط المجلس 1997.
62- عثمان أبو الفتح (ابن جنى اللغوى) الخصائص . بتحقيق محمد على النجار . طبعة دار الكتاب العربى .
63- عز الدين عبد الله . القانون الدولى الخاص . الجزء الأول فى الجنسية والموطن وتمتع الأجانب بالحقوق . الطبعة الحادية عشرة . الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986 ص 126.
64- عكاشة محمد عبد العال . القانون الدولى الخاص دار الجامعة الجديدة للنشر . الإسكندرية 1996.
65- على الخفيف . السياسة الشرعية ط دار الأنصار.
66- على العدوى - حاشية على كفاية الطالب الربانى على رسالة ابن أبى زيد القيروانى ط مصطفى الحلبى 1938
67- على بن أحمد بن سعيد (ابن حزم) المحلى بتحقيق حسن زيدان طلبة نشر مكتبة الجمهورية العربية . مصر 1970.
68- على بن بلبان (علاء الدين) . الإحسان فى تقريب صحيح ابن حبان ط مؤسسة الرسالة . الأولى 1988.
69- على بن محمد بن حبيب (الماوردى). الأحكام السلطانية والولايات الدينية . ط دار الفكر الأولى . 1983 ، الحاوى الكبير ، بتحقيق وتخريج وتعليق الدكتور محمود مسطرجى وآخرين . ط دار الفكر 1994.
70- عنايت عبد الحميد . مبتدأ القول فى أصول تنظيم علاقة الرعوية . ط دار النهضة العربية 1990.
71- فؤاد أحمد . المساواة فى الإسلام . رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق بالإسكندرية ط 1972.
72- فؤاد رياض . أصول الجنسية . دار النهضة العربية 1995.
73- فهمى هويدى . مواطنون لا ذميون . ط دار الشروق 1985 - فؤاد أحمد . المساواة فى الإسلام . رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق بالإسكندرية ط 1972.
74- قاسم بن عيسى التنوخى (ابن ناجى) شرح ابن ناجى على متن الرسالة لابن أبى زيد القيروانى. ط دار الفكر. ومعه شرح الشيخ زروق.
75- محسن عبد الحميد . المذهبية الإسلامية والتغيير الحضارى. ضمن سلسلة كتاب الأمة القطرية. السنة الثانية . العدد السادس .
76- محمد أبو زهرة . العلاقات الدولية فى الإسلام ط دار الفكر العربى. الوحدة الإسلامية . ط دار الفكر العربى . الجريمة فى الفقه الإسلامى . ط دار الفكر العربى .
77- محمد أحمد الشربينى الخطيب - مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للنووى . ط مصطفى الحلبى 1370هـ .
78- محمد أحمد المفتى ، د. سامى صالح الوكيل . النظرية السياسية الإسلامية فى حقوق الإنسان الشرعية . دراسة مقارنة . ضمن سلسلة كتاب الأمة القطرية. السنة السابعة . العدد 25.
79- محمد أمين بن عمر ابن عابدين – رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار والمشتهر بحاشية ابن عابدين ط دار الفكر 1995 ، وطبعة أخرى.
80- محمد الغنام .مقالة بعنوان (رؤية إنسانية لأبناء الأم المصرية من زوج أجنبى ) الأهرام . عدد 6 يوليو 1997.
81- محمد بن أبى بكر (ابن القيم) أحكام أهل الذمة . ط دار الكتب العلمية 1995.
82- محمد بن أحمد (القرطبى ). الجامع لأحكام القرآن . بتحقيق وتخريج . د. محمد إبراهيم الحفناوى . د. محمود حامد عثمان . ط دار الحديث 1996.
83- محمد بن أحمد بن أبى سهل (السرخسى) المبسوط ط دار المعرفة . شرح السير الكبير بتحقيق الدكتور صلاح المنجد . ط مطبعة مصر 1958.
84- محمد بن أحمد بن رشد (الجد). المقدمات الممهدات . مطبوع مع المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس ط دار السعادة، البيان والتحصيل ط دار الغرب الإسلامى 1984.
85- محمد بن إدريس (الشافعى) . الأم والمسند بهامش الأم ط دار الشعب .
86- محمد بن إسماعيل " البخارى " الصحيح بشرح فتح البارى ط دار الحديث . الأولى.
87- محمد بن إسماعيل الأمير ( الصنعانى) . سبل السلام . ط دار الحديث . الأولى.
88- محمد بن الحسين (الفخر الرازى) . التفسير الكبير . ط دار إحياء التراث العربى.
89- محمد بن سعد . الطبقات الكبرى . بتحقيق . د. حمزة النشرتى وآخرين . ط المكتبة القيمة.
90- محمد بن عبد الله (ابن العربى) أحكام القرآن بتحقيق على محمد البجاوى ط دار الجيل . بيروت 1978.
91- محمد بن عبد الله (ابن العربى) – أحكام القرآن بتحقيق على محمد البجاوى ط دار الجيل بيروت 1987.
92- محمد بن عبد الواحد (الكمال بن الهمام) شرح فتح القدير على الهداية ، ومعه العناية على الهداية للبابرتى (محمد بن محمود) ط مصطفى الحلبى الأولى.
93- محمد بن عرفة . (الدسوقى) حاشية الدسوقى . على الشرح الكبير للدردير . ط عيسى الحلبى .
94- محمد بن على (الشوكانى) السيل الجرار شرح متن الأزهار ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية . نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار – لابن تيمية الجد – ط دار التراث.
95- محمد بن عيسى بن سورة (الترمذى) - الجامع الصحيح بتحقيق وتخريج وتعليق الشيخ محمد فؤاد عبد الباقى نشر دار عمران . بيروت .
96- محمد بن محمود بن الحسين(الأستروشنى) أحكام الصغار بتحقيق الدكتور مصطفى صميدة . ط دار الكتب العلمية الأولى 1997.
97- محمد بن يزيد (ابن ماجة) - سنن ابن ماجة بتقديم وترقيم العلامة محمد فؤاد عبد الباقى ط دار الحديث .
98- محمد رشيد رضا . تفسير المنار ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 1972.
99- محمد سلام مدكور . المعاهدات فى الإسلام. مقال بمجلة العلوم القانونية والسياسية عدد أبريل 1964.
100- محمد سليم العوا. فى النظام السياسى للدولة الإسلامية ط دار الشروق السابعة.
101- محمد سيد أحمد . وحدة الدولة الإسلامية . بحث بمجلة كلية الشريعة والقانون بطنطا . العدد الأول.
102- محمد عبد المنعم رياض مذكرات فى القانون الدولى الخاص . لطلبة تخصص القضاء الشرعى 1936.
103- محمد عبيد حسنة . مجموعة مقدمات للأعداد المشار إليها من كتاب الأمة القطرى.
104- محمد عزيز الحبابى . الشخصانية الإسلامية . نشر دار المعارف . الطبعة الثانية.
105- محمد عمارة . الإسلام والعروبة . ط م الأسرة 1996.
106- محمد عمر درميل . المواطنون فى ظل الشريعة الإسلامية والقانون الوضعى رسالة للماجستير – على الآلة الناسخة – مقدمة إلى كلية الشريعة والقانون بالقاهرة 1978.
107- محمد محمد المدنى – نظرات فى فقه الفاروق عمر بن الخطاب ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
108- محمد ممدوح العربى . دولة الرسول فى المدينة ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 1988 (رسالة دكتوراة).
109- محمد ناصر الألبانى – صحيح الجامع الصغير ط المكتب الإسلامى .
110- محمود بن أحمد العينى – البناية فى شرح الهداية ط دار الفكر الثانية 1990.
111- محمود شلتوت . منهج القرآن فى بناء المجتمع . من إصدارات إدارة الثقافة بوزارة الأوقاف.
112- مسلم بن الحجاج القشيرى - الصحيح بشرح النووى ط دار الحديث الثانية.
113- منصور بن يونس بن إدريس (البهوتى) - كشاف القناع عن متن الإقناع . نشر مكتبة مصطفى نزار الباز . الرياض 1996.
114- منى أبو الفضل . نحو تأصيل منهاجى لمفهوم الأمة فى الإسلام. الأمة القطب 1982.
115- منير حميد البياتى . النظام السياسى الإسلامى مقارنا بالدولة القانونية (رسالة للدكتوراة) نشر دار البشير . الأردن 1994.
116- نعمان عبد الرازق السامرائى . نحن والحضارة والشهود . من سلسلة كتاب الأمة القطرية السنة العشرون . العدد 80.
117- هـ . ل . ب . موس . ميلاد العصور الوسطى بترجمة الدكتور عبد العزيز جاويد . ط الهيئة المصرية العامة للكتاب . ضمن سلسلة الآلف كتاب الثانى رقم 285. 1998.
118- هشام صادق . مدى حق الطفل فى الجنسية الأصيلة المستمدة من الأم دراسة نقدية لموقف المشرع المصرى . ورقة عمل مقدمة لمؤتمر الطفل الذى نظمته كلية الحقوق جامعة الإسكندرية . من 14-15 يوليو 1988.
119- هلالى عبد اللاه أحمد . حقوق الطفولة فى الشريعة الإسلامية مقارنة بالقانون الوضعى . رسالة للدكتوراة مقدمة إلى كلية حقوق بنى سويف 1994.
120- وهبة الزحيلى . آثار الحرب فى الفقه الإسلامى . دراسة مقارنة . رسالة للدكتوراه . ط دار الفكر ، العلاقات الدولية فى الإسلام. مقارنة بالقانون الدولى الحديث ط م الرسالة .
121- يعقوب بن إبراهيم (أبو يوسف) الخراج ط السلفية . السادسة .
122- يوسف القرضاوى . السياسة الشرعية فى ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها . نشر مكتبة وهبة 1998 . فقه الدولة فى الإسلام ط دار الشروق غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى . نشر مكتبة وهبة.

ثبت أهم الموضوعات
الموضوع الصفحة
مقدمه 3
المبحث الأول : الجنسية بين الشريعة والقانون 5
المطلب الأول : فكرة الجنسية من منظور الفقه الإسلامى 8
1- فكرة الجنسية فى الوعى الإسلامى 8
2- الإصطلاح الإسلامى على الرابطة بين الفرد والدولة 11
3- ثبات اصطلاح الرعية فى التعبير الإسلامى 16
المطلب الثانى : أساس الجنسية – الرعوية – فى الفقه الإسلامى 22
1- اختلاف المعاصرين فى تحديد رعايا الدولة الإسلامية 22
المبحث الثانى : الوضع الدولى من منظور الفقه الإسلامى 32
المطلب الأول : الدولة فى القانون والشرع 35
1- الدولة فى الفكر القانونى 35
2- الدولة تاريخياً 36
3- ردة فى بحث الدولة فى الإسلام 39
4- دولة المسلمين حقيقة متيقنة وواقع تاريخى 45
5- دولة الرسول أول دولة بالمعنى الدقيق 49
المطلب الثانى : الدولة الإسلامية فى فقه السلف 54
1- المصطلح الإسلامى على الكيان السياسى 54
2- إطباق الفقهاء على مصطلح الدار 61
3- مدى إقرار تعدد السيادة فى دار الإسلام 64
المطلب الثالث : أهم إفرازات الواقع المعاصر 72
1- حقيقة دار الإسلام 73
2- هل يلزم المسلم بالتحول إلى مجتمعات المسلمين 76
3- حكم النوح من مجتمعات المسلمين إلى بلاد المخالفين 78
4- التجنس بجنسية دولة غير مسلمة 81
5- توزع تبعية المسلمين على دولة عدة 84
المبحث الثالث : دور الأم فى جنسية الأولاد 96
المطلب الأول : أسباب الرعوية وتحليلها 99
1- الرعوية الأصلية 99
2- الرعوية الطارئة 100
المطلب الثانى : أسباب الرعوية فى الشريعة الإسلامية 106
1- ضوابط الانتماء فى ضوء الكتاب والسنة 106
المطلب الثالث : أسباب الرعوية فى المنظور الإسلامى 122
1- قاعدة التبعية فى الرعوية 122
2- الاتجاهات الفقهية فى التبعية 125
3- التبعية بناء على حق الدم 133
4- التبعية بناء على الإقليم 135
المطلب الرابع : المساواة بين الأم والأب فى التبعية 137
1- مشكلة الأم المصرية لولد غير مصرى 137
2- الرؤى الفقهية حول دور الأم فى الجنسية 138
3- ظاهر فتوى السلف تأييد المساواة 143
4- الرعوية على أساس اجتماعى 148
5- أحكام الجنسية والسياسة الشرعية 152
رأيى فى المشكلة 155
ثبت بأهم مراجع البحث 157
الفهرس 167
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

رد: كتاب دور الام في جنسية الاولاد

مشاركة غير مقروءةبواسطة bismiallah » الأحد إبريل 10, 2011 12:39 am

بارك الله فيك
bismiallah
عضو
عضو
 
مشاركات: 32
اشترك في: السبت يناير 30, 2010 5:11 pm
الجنس: أنثى

رد: كتاب دور الام في جنسية الاولاد

مشاركة غير مقروءةبواسطة bismiallah » الأحد إبريل 10, 2011 12:39 am

بارك الله فيك
bismiallah
عضو
عضو
 
مشاركات: 32
اشترك في: السبت يناير 30, 2010 5:11 pm
الجنس: أنثى


العودة إلى القانون الدولي الخاص

 


  • { RELATED_TOPICS }
    ردود
    مشاهدات
    آخر مشاركة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 4 زائر/زوار

cron