الحماية الإنسانية للأشخاص المدنيين في المنازعات المسلحة

الحماية الإنسانية للأشخاص المدنيين في المنازعات المسلحة

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الثلاثاء سبتمبر 23, 2008 5:41 am

الحماية الإنسانية للأشخاص المدنيين في المنازعات المسلحة
( للدكتور سلوان رشيد )

وضع القانون الدولي الإنساني قواعد لحماية الأشخاص أثناء المنازعات المسلحة وتهدف هذه القواعد إلى المحافظة على العنصر البشري على الرغم من العداء بين الطرفين المتنازعين . وذلك أن استخدام القوة ، وان كانت قد تؤدي إلى تدمير الطرف الآخر وقهره . إلا إن استخدامها يجب أن يتحدد في إجبار الطرف الآخر على الاعتراف بحق أو التنازل عنه ، وليس الانتقام والتشفي ، وفي جميع الأحوال يجب ألا يكون هدف استخدام القوة المسلحة إبادة العنصر البشري ،وإلا فأنها تخرج عن الإنسانية وتصبح هدفاً للانتقام والإبادة ، وهو ما يحرمه القانون الدولي الإنساني بصورة مطلقة ويعاقب عليه . وقد وضعت الشريعة الإسلامية احكاماً خاصة لحماية الأشخاص وحرم القانون الدولي الإنساني التعرض للمدنيين ولأصناف معينة من العسكريين لأسباب سياسية . إن تحديد الأشخاص الذين تتوجه إليهم الحماية في المنازعات المسلحة يتطلب التمييز بين الأشخاص المقاتلين الذين يجوز قتالهم وغير المقاتلين الذين لا يجوز قتالهم ، أي التمييز بين المدنيين والعسكريين . وينبغي التمييز بين العسكريين الذين يجوز قتالهم والعسكريين الذين لا يجوز قتالهم لأسباب إنسانية . وبناء على ذلك سوف نتناول في الفرعين الآتيين :

الفرع الأول ــ الحماية الإنسانية للأشخاص في ضوء الشريعة الإسلامية .

الفرع الثاني ــ الحماية الإنسانية للأشخاص في ضوء القانون الدولـــــي .


الحماية الإنسانية للأشخاص في ضوء الشريعة الإسلامية

لم يعتمد الإسلام الحرب هدفاً لنشر الدين ، بل أن الحرب في الإسلام وسيلة للدفاع عن المسلمين وحماية الإسلام . ولهذا فأن الحرب في الإسلام لا يلجأ اليها إلا عند الضرورة وإذا ما تم اللجوء إلى الحرب فأنها تبقى محكومة بدفع الضرر وقائمة على الإنسانية والفضيلة ، ومحدودة بالقدر اللازم لتحقيق الغاية منها ، دون المغالاة وعدم استخدامها وسيلة للانتقام أو التشفي . وطبقاً لذلك فأن استخدام القوة العسكرية في الشريعة الإسلامية يتحدد بنطاق الهداية دون سواها . وقتل الأعداء غير مقصود . ولو أمكن الهداية إلى تحقيق الهدف بغير القتال المسلح لكان أولى من الجهاد . لأن تحقيق الهدف بغير إراقة الدماء يجنب المسلمين كوارث الحرب ، ويرفع عن الأعداء الحنق والكراهية ، ويمنعهم من التربص للمسلمين والغدر بهم عندما يجدون الفرصة مؤاتية . وطبقاً لمفاهيم الشرع الإسلامي ، فأن الغاية من استخدام القوة المسلحة تقوم على أساس حماية الإسلام ودفع الشر عنه . وهذا ما يجعل المسلم مدافعاً عن عقيدة وليس خصماً خاصاً ضد الطرف الآخر . وقد تبلورت القواعد الإنسانية في الشريعة الإسلامية منذ ظهور الإسلام وظهرت الحاجة إلى وجود جيش نظامي يأخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن الإسلام وحمايته وهو أمر استوجب فرض الدفاع عن السلام وحمايته ، على كل مسلم قادر على حمل السلاح وهذا يعني إن الشريعة الإسلامية استثنت من حمل السلاح كلاً من النساء والعجزة والصبيان والمجانين والضعفاء ، ومن هم تحت حماية المسلمين . وحملت المسؤولية في الدفاع عن الإسلام على من هو قادر على حمل السلاح . إن البحث في القواعد الإنسانية في المنازعات المسلحة التي حددها الإسلام تتطلب تحديد من هم الأشخاص الذين يجوز أن تتوجه الأعمال القتالية ضدهم . والأشخاص الذين لا يجوز قتالهم لأسباب إنسانية ، وان كانوا من الأعداء اساساً عن نطاق القتال المسلح وهو ما تتضمنه المطالب التالية :

أولاَ ــ الأشخاص الذين يجوز قتالهم .

ثانياَ ــ بعض الأصناف من المقاتلين الذين لا يجوز قتالهم .

ثالثاَ ــ المدنيون الذين لا يجوز قتالهم .

أولاَ / الأشخاص الذين يجوز قتالهم

نظم العرف القبلي قبل الإسلام قواعد معينة للقتال ووضع شروطاً محددة في كيفية بدأ القتال وأدارته وإنهائه والآثار المترتبة عليه ، فكان القتال المسلح بين القبائل العربية وسيلة من وسائل تسوية المنازعات بينهم . وقد عرف العرب تنظيمات عسكرية معينة تنضوي تحتها أصناف معينة من المقاتلين ، وعرفوا أساليب الحرب . وعندما جاء الإسلام ، فانه وضع قواعد إنسانية في تحديد من هو الذي يحمل السلاح للدفاع عن الدين ، ومن تتوجه ضده الأعمال الحربية . فمنع النساء والعجزة والصبيان والضعفاء والمرضى من المسلمين من حمل السلاح واستثناهم من صفة المقاتلين . أما بالنسبة إلى من يتوجه ضدهم القتال من الأعداء ، فان الإسلام وضع قاعدة في قتال الأعداء ، فليس كل عدو يجوز قتاله ، لأن الإسلام دين الفضيلة والرحمة والأمر بالمعروف ، وان الهدف من القتال مقيد بدفع الشر عن الإسلام والذود عنه ، ولهذا فان من يتوجه ضدهم القتال يمكن أن نحددهم بما يأتي :

أ ــ المشركون :
أوجب الدين الإسلامي قتال المشركين من الأعداء . وقد جاءت العديد من الآيات والأحاديث الشريفة تحث المسلمين على قتال المشركين من الأعداء ، بقوله تعالى (( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )) ، وقوله تعالى (( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً )) . وجاء بالحديث الشريف ( أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله ) . إن فتوحات الإسلام للعالم كانت بما فيه من سهولة وبساطة ومبادئ سامية ، وانتشر بقوة ذاتية ، والمسلمون حاربوا غيرهم لا لبث الشريعة الإسلامية بالقسر والقوة ، ولكن ليحققوا أصول الحرية ويوطدوا أركانها ، ولينشروا السلام العام وليقيموا حياة جديدة مؤسسة على الحرية الخالصة في العقائد والأفعال . وان الدعوة للحق والخير ركن أصيل من أركان الإسلام ، والنشاط في سبيل نشر هذه الدعوة بدون شك أمر مطلوب ولا نزاع فيه ، ولم يكن الإسلام متعطشاً للدماء ولم يكن دين سيف . فإذا امتنع المشركون عن قتال المسلمين ، ودخلوا الإسلام ، فأنهم يأمنون من القتال ، وتصان أرواحهم وأموالهم .

ب ــ أهل الردة :
إن حالة قتال أهل الردة تشبه حالة المشركين . لأن أهل الردة دخلوا الإسلام ثم ارتدوا عنه . وبارتدادهم عادوا مشركين ، ومن ثم وجب قتالهم . وقد أضاف فقهاء الشريعة الإسلامية حالة الزنديق إلى حالة المرتد وأوجبوا قتالهم ، والزنديق هو من يتظاهر بالإسلام ويسر الكفر في داخله . غير أن حالة مقاتلة الزنديق ليست أمراً قائماً في جميع الأحوال ، فإذا ما كان الزنديق مراهقاً فلا يجوز قتاله ابتداءً ، بل لابد من نصحه وارشاده واصلاحه . حتى يعي حكم الشرع ويحكم تصرفاته واعماله بموجبه . والارتداد عن الإسلام طوعاً يتحقق سواء ولد المرتد على فطرة الإسلام ثم ارتد عنه ، أو اسلم عن كفر ثم ارتد عن الإسلام . والارتداد عن الإسلام إلى دين آخر كاليهودية والنصرانية ، أو إلى الزندقة والوثنية يجب قتاله ، وقبل قتاله يجب أن يعرض عليه الإسلام فان لم يظهر التوبة ، فيجب قتاله .

جـ ــ أهل البغي :
يقصد بأهل البغي ، المسلمين الذين اعتدوا على غيرهم من المسلمين ولم يقبلوا الصلح ، فيجوز قتالهم حتى يقبلوا الصلح . لقوله تعالى (( وانْ طائِفَتان مِن المؤمنيْن اقْتتلوا فاصلِحوا بينهما ، فانْ بغت احداهُما على الأخْرى فقاتلُوا التي تَبْغي حتى تفيء إلى أمر الله فانْ فاءت فاصلحوا بينَهُما وأقْسِطُوا إن الله يُحب المُقسطين )) . والهدف في قتال أهل البغي هو من أجل الإسلام ودرأ الفتنة بين المسلمين ، فإذا ما نشب قتال بين فئتين من المسلمين فان على المسلمين الآخرين ألا يقفوا موقف المتفرج ليحتدم سفك الدماء بين المقاتلين ، بل على جميع المسلمين الآخرين أن يتدخلوا من أجل فرض الصلح أولاً ، وإذا ما رفض أحد الأطراف الصلح وجب على جميع المسلمين مقاتلة المتعنت حتى يوقف القتال . إن الهدف من مقاتلة أهل البغي ، هو منع القتال بين المسلمين والرجوع إلى حكم الله لتسوية المنازعات بينهم ذلك أن الحرب بين الفئات الإسلامية لا تتفق مع أحكام الإسلام التي تقضي بضرورة وحدة الصف الإسلامي من أجل مواجهة أعداء الدين . وانه يفترض وجود حالة سلام دائم بين المسلمين ، وعندما منع الإسلام القتال بين المسلمين إلا من أجل فرض الصلح بينهم ، فانه شرع قاعدة عملية لصيانة المجتمع الإسلامي من الخصام والتفكك الذي غالباً ما يكون سببه النزوات والاندفاعات فالإسلام يدعو إلى التثبت والاستيقان وعدم العجلة والاندفاع ، وان القتال بين المسلمين هو الاستثناء ومحدد بالغاية التي تفرض السلام .

د ــ المعتدي :
أقر الإسلام الحرب الدفاعية المنظمة لقوله تعالى : ((ٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )) . وقوله تعالى : ((وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً )) . وعلى وفق النظرية الإسلامية يعرَّف العدوان بأنه الاعتداء المباشر أو غير المباشر على غير المحاربين المعتدين أي تجاوز ردع الأطراف المحاربة والمشتركة بشكل فعال في العمليات الحربية إلى غيرهم من الفئات التي لا تشكل خطراً أو تهديداً للدعوة الإسلامية كالنساء والأطفال والشيوخ ، فالقتال جائز للدفاع عن النفس ورد العدوان .




هـ ــ الظالم :
من مبادئ الإسلام مكافحة الظلم والفساد ، وعد الاعتداء على أحد المسلمين بمثابة اعتداء عليهم جميعاً ، لقوله تعالى : ((ُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً )) . ولهذا فقد أجاز الشرع الإسلامي قتل من يظلم المسلمين ويعتدي عليهم . فالإسلام أداة عدل يتناقض وأعمال الظلم ، والجهاد يهدف إلى منع الظلم ونصرة المستضعفين . ويشمل الظالم كل من يسلب حقوق الآخرين ولا يحقق العدل بحكم موقعه .

و ــ قاطع الطريق :
عرّف الفقهاء المسلمين جريمة قطع الطريق ، بأنها تلك الجريمة التي تشكل خروجاً على المارة لأخذ المال مجاهرة وبقوة السلاح بصورة تمنع الناس من المرور . ويقطع الطريق سواء كان قاطع الطريق فرداً أو جماعة من المسلمين أو غير المسلمين . وقد أوجب الشرع الإسلامي محاربة هؤلاء لقوله تعالى ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ)) . ويجوز قتال قطّاع الطرق مقبلين ومدبرين وقتل من قتل منهم . ويؤخذون بما استهلكوا من دم ومال في الحرب ، وحبس من أسر منهم فضلاً على ما اجتبوه من خراج وأخذوه من صدقات غصباً ونهباً . والسبب في تشدد الشريعة الإسلامية في معالجة قطاع الطريق ، يعود إلى أن هذه الجريمة تؤدي إلى منع الناس من التنقل كما إنها تخلق الفزع والرعب عندهم ، وتؤدي إلى الفوضى وعدم الاستقرار وتعرض حياة الناس واموالهم للخطر . وفي الحالات السابقة التي أجاز فيها الشرع الإسلامي القتال ، فان هذه الإجازة محددة ومقدرة بالمصلحة وبعيدة عن استخدام الوحشية ضد من توجه ضده الأعمال المسلحة . وقد جاء بالحديث الشريف ( أغزوا ولا تغدروا ولا تمثلوا . . . ) . لأن غاية القتال هي ضمانة ألا يفتن المسلمون عن دينهم وألا يصرفوا عنه بالقوة . فلا يجوز ارتكاب الإبادة الجماعية والتدمير والحرق والبطش والاعتقال الجماعي . وإذا ما أقر الشرع الإسلامي الجهاد ، فان ذلك لا يعني أن يكون الجهاد حروباً ناشطة ، وإذا اتخذت هذا الوصف ، فانه يعني أن تكون حرباً إنسانية تبررها ضرورة قطعية بعيدة عن الانتقام والتشفي . ذلك إن الانتقام لا يولد إلا الانتقام ، وان هدف الإسلام غاية إنسانية وهي تطهير النفوس من عوالق الظلم والتخلف . وهذا لا يمكن أن يتحقق ما لم تكون الأعمال محكومة بالإنسانية والترفع والفضيلة .
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 1418
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

Re: الحماية الإنسانية للأشخاص المدنيين في المنازعات المسلحة

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الثلاثاء سبتمبر 23, 2008 5:42 am

ثانياَ / بعض الأشخاص من المقاتلين الذين لا يجوز قتالهم

لم تجعل الشريعة الإسلامية من الحرب غاية في حد ذاتها ، وقد سبق القول أن الحرب في الإسلام لرد العدوان ودرء الظلم والمفاسد . ولهذا فان الحرب محكومة بالفضيلة وبالقدر الذي يحقق الأهداف المذكورة . ولم يجعل المسلمون الحرب هدفاً لتدمير العدو نهائياً والقضاء عليه ، بل إن الرحمة والشفقة تعلو سيف المسلم وتحكم تصرفاته ويتحدد القتال بالحد الذي تتحقق فيه حالة رد العدوان ودرأ الظلم ودفع المفاسد . ولم يجعل المسلمون كل عدو هدفاً لعملياتهم العسكرية ، بل إن هناك من الأفراد من حرم الإسلام قتالهم وان كانوا من الأعداء ومن هؤلاء الأعداء الذين لا يجوز قتالهم ما يأتي :

أ ــ الأعداء الذين لم تبلغهم الدعوة للإسلام :
ميّز الإسلام بين نوعين من الأشخاص : النوع الأول أهل الكتاب . وهؤلاء لا يجوز قتالهم إذا رفضوا الدخول في الإسلام ، إلا انهم فضلوا دفع الجزية مقابل حمايتهم ، فهؤلاء لا يجوز قتالهم وان بلغتهم الدعوة للإسلام . أما النوع الثاني فهم المرتدون وعبدة الأوثان من العرب ، فهؤلاء لا يقبل منهم إلا الإسلام ، ولا يعد كل كافر عدواً إلا إذا بلغته الدعوة إلى الإسلام ورفض ذلك ، وطبقاً لذلك لا يجوز قتال من لم تصل إليه الدعوة ، لأنه لا يلزمه الإسلام قبل علمه به ، لقوله تعالى (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)) ، وذا كان الإسلام قد حرم قتل الكفار الذين لم تصل إليهم الدعوة للإسلام ، فانه لا يجوز ضرب مدنهم وتهديد منازلهم والتعرض لأموالهم ، ولا يجوز استخدام حرب المباغتة ضدهم وتدميرهم ، فلا بد من عرض الإسلام عليهم قبل كل شيء ، وذا رفضوا أو بدأوا الحرب ضد المسلمين جاز مقاتلتهم .

ب ــ الأعداء وراء الدروع البشرية :
عرفت الحروب القديمة التترس وراء الدروع البشرية . وقد واجه المسلمون هذه الحالة وهي على نوعين :
النوع الأول ــ الدروع البشرية من أطفال ونساء الأعداء :
الإسلام دين الإنسانية والرأفة والفضيلة ، وهو في الوقت نفسه دين الجهاد في سبيل الله ، ودين القوة والمنعة . وقد عرف أعداء المسلمين هذه الحقيقة منذ بدأ الإسلام فعمد بعضهم إلى وضع دروع بشرية يتترسون خلفها أما للتخلص من قتال المسلمين لهم أو استخدام هذه الدروع لقهر المسلمين والنصر عليهم . وقد ذهب فقهاء الشريعة الإسلامية ، إلى أن الأعداء الذين يتترسون وراء أطفالهم ونسائهم يجوز قتالهم في حالة الالتحام مع الأعداء ، بشرط توقي رمي النساء والأطفال وعدم تعرضهم للخطر . أما إذا تترس الأعداء خلف أطفالهم ونسائهم ولم يكونوا في حالة التحام أو اشتباك ففيه قولان :
القول الأول ــ أجاز رميهم لأن ترك الأعداء يؤدي إلى تعطيل الجهاد ، ولأن الأعداء حملوا السلاح ضد المسلمين لمحاربتهم .
القول الثاني ــ لم يجز القول الثاني رميهم . لأن القتال في هذه الحالة محظور على الأطفال والنساء ، وان كان هؤلاء من الأعداء . أما إذا وضع الأطفال والنساء في الحصون و تترس الأعداء بهم ففي هذه الحالة لا يجوز رمي الحصون . وقد روي عن مالك بن أنس ، بأنه أجاز حرق حصون الأعداء في حالة كونها خالية ليس فيها ذراء ولا يوجد فيها غير الرجال . وذهب بعض الفقهاء إلى جواز رمي الحصون وان كان فيها أطفال ونساء ، بسبب كونها حصوناً عسكرية تتربص الفرص للغدر بالمسلمين فقد روي عن الأمام علي كرم الله وجهه ، إن النبي (صلى الله عليه وسلم) نصب المنجنيق على أهل الطائف وان كانت لا تخلوا من النساء والأطفال . ويعلل بعض الفقهاء المسلمين هذه الحالة بأنه ليس المراد بها إباحة قتل الأطفال والنساء بطريق القصد بل أن المراد إذا لم يكون الوصول إلى الآباء إلا بوطئة الذرية ، فأن أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتالهم ، وبذلك فأن جواز رمي هذه الحصون لا يقصد به النساء والأطفال ، بل يقصد منه الأعداء وان تترسوا بأولادهم ونسائهم ، فأن لم تدع الضرورة أو الحاجة فلا يجوز رميهم . وعلى الرغم من الاختلاف في وجهات نظر الفقهاء حول الدروع البشرية المؤلفة من الأطفال والنساء من الأعداء التي يستخدمها الأعداء لمحاربة المسلمين ، فأن الشريعة تحرّم ضرب الأطفال والنساء ، وان أُستخدموا وسيلة من وسائل الحرب في القتال ضد المسلمين . وهذا المبدأ الإنساني الرفيع لم يتوصل إليه القانون الدولي لا من الناحية التطبيقية ولا من الناحية النظرية ، فكثيراً ما ضربت المدن والملاجئ ومدارس الأطفال .

النوع الثاني ــ الدروع البشرية من المسلمين :
استخدم أعداء المسلمين دروعاً بشرية مؤلفة من الأطفال والنساء والأسرى من المسلمين في بعض الحروب ، كما استخدموا هذه الدروع للحيلولة دون ضرب الحصون التي يتحصن بها أعداء المسلمين . وقد حرم بعض فقهاء الشريعة الإسلامية ضرب حصون الأعداء أو حرقها أو إغراقها إذا علم أن في هذه الحصون احداً من المسلمين . وقد استند هؤلاء الفقهاء إلى قاعدة مفادها إن التحرز عن قتل مسلم فرض ، وضرب حصون الأعداء وحرقها وإغراقها مباح ، والأخذ بما هو فرض أولى ، واتجه رأي آخر من الفقهاء إلى انه إذا كان في حصن الأعداء نساء وأطفال وأسرى مسلمون ، فأنه يجوز ضرب المواقع العسكرية دون التعرض لمواقع الأطفال والنساء والأسرى ، وإذا التحم المسلمون مع الأعداء في الحصون ، وتترس الأعداء بالمسلمين من الأطفال والنساء والأسرى ، فيقاتل الأعداء دون المسلمين . ويرى آخرون من الفقهاء المسلمين الكف عن مقاتلة الأعداء إلا أن يكونوا في وضع غير متترسين ، فإذا تركوا التترس ففي هذه الحالة يجوز محاربتهم أما إذا وضع الأعداء دروعاً بشرية أمامهم وتترسوا بها وكانت هذه الدروع تتألف من أسرى مسلمين أو أهل الذمة أو من الأشخاص الذين عقدوا الأمان مع المسلمين، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز رميهم في حالة الالتحام ، وعدم رميهم في غير حالة الالتحام . وقد يستخدم الأعداء دروعاً بشرية ليس في القتال البري أو وضعهم رهائن في القلاع والحصون ، بل قد يستخدمون المسلمين دروعاً بشرية أو رهائن في الحرب البحرية ، عندما يضعونهم في مراكب ، فذهب الفقهاء في هذه الحالة إلى عدم رمي مثل هذه المراكب كذلك إذا وضع الأعداء الأسرى من المسلمين مأدركهم جيش المسلمين فلا يجوز رمي المراكب التي فيها الأسرى وان كان فيها الأعداء ، ويتضح من ذلك أن الحرب في الإسلام تحكمها الإنسانية والفضيلة وان الرأفة و الرحمة متأصلة في الإسلام حتى عند مواجهة العدو الظالم ، وان ما قرره الإسلام من قواعد إنسانية لا تتحدد بحدود المسلم ، بل تتجاوز ذلك لتشمل من حمل السلاح ضد المسلمين .

جـ ــ الجرحى والمرضى من الأعداء :
الرحمة في الإسلام جماعية وفردية ، وهي رحمة إيجابية على الدوام . فهي تبرز بشكل انساني . وهي فاعلة لأنها تبيح استخدام القوة من أجل أقامة الإخاء والوفاق والعدل وإزالة الشر وقهر الظلم ، وإذا كانت تسوغ القتال وترخص بالحرب لظروف معينة ، فان ذلك محدد بدفع الشر عن المسلمين دون أن يتعدى ذلك ، ولهذا تبقى الإنسانية والرحمة الطوق الذي يحكم القتال ، فلم يكن القتال في الإسلام من أجل الانتقام وإراقة الدماء والغنائم ، وانما لحماية المجتمع الإسلامي . وقد كان الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) إذا أمر قائداً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً ، وكان يأمر قادته قائلاً : (أغزوا بسم الله ، قاتلوا من كفر بالله ، أغزوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ولا تمثلوا وليداً …) ، وقد حرم الإسلام مقاتلة يابس الشق والمقطوع اليمنى ومقطوعي الأيدي والأرجل والأعمى والضعفاء والزمني والمقعد والمجنون إلا إذا قاتلوا . إن تحريم الإسلام قتل المرضى والجرحى في الحرب ، يقوم على أساس أن الهدف من الحرب هو دفع الشر عن الإسلام ولما كان هؤلاء لا يشكلون خطورة على سير العمليات الحربية ، فقد اقتضى عدم التعرض لهم وان وُجدوا في ساحة العمليات العسكرية .


د ــ أسرى الحرب :
حرّم الإسلام قتل الأسير ، وأوجب معاملته معاملة إنسانية منذ القبض عليه لحين الإفراج عنه .




ثالثاَ /المدنيون الذين لا يجوز قتالهم

المدني هو الذي لا يحمل السلاح لمحاربة المسلمين وان كان عدواً لهم . وتذهب النظريات الحديثة في تحديد ساحة العمليات الحربية الىان هذه الساحة تمتد لتشمل المدنيين ايضاً على أساس أن المدنيين يعدون أمتداداً للعسكريين ، وهم الذين يعتمد عليهم في دعم القوات المسلحة وتزويدها بالسلاح والمقاتلين والغذاء . وان ضرب المدنيين يعد أكثر تأثيراً من ضرب القوات المسلحة المقاتلة . وعلى الرغم من أهمية هذه النظريات ونجاحها في تحقيق النصر على الطرف الآخر فان الإسلام تمسك بالقيم الإنسانية وفضّل عدم مقاتلة الأصناف الآتية من المدنيين :

أولاً ــ الأطفال والنساء والشيوخ :
إن تعاليم الإسلام تأمر قادة المسلمين ، ألا يقتلوا من لم يبلغ سن القتال ، وقد روي عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، انه إذا بعث سرية قال (لا تقتلوا وليداً ولا النساء ولا الشيخ الكبير) . وقد رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) في إحدى الحروب مع الأعداء امرأة مقتولة ، فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان . وروي عنه ايضاً (لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صغيراً ولا امرأة) ، وقوله (لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً) وأوصى الخليفة أبو بكر (رضي الله عنه) قائد جيشه المتجه إلى بلاد الشام يزيد بن أبي سفيان الوصايا الآتية : (لا تقتلوا امرأة ، ولا صبياً ولا كبيراً هرماً…) . ومن هذا يتضح أن الإسلام عبر عن الكيفية الإنسانية التي تُدار فيها العمليات الحربية في ساحة القتال . وميز بين من يجوز قتاله ، ومن لا يجوز قتاله . و أقام هذا النهج الإنساني على مبدأين أساسيين ، الأول الإنسانية التي تعلو سيف المقاتل وتحد منه ، والثاني أن قتل هؤلاء لا يحقق ميزة عسكرية للمسلمين بل انه قد يزيد من حنق الأعداء وكراهيتهم ويبعدهم عن الدخول في الإسلام .

ثانياً ــ رجال الدين من أهل الكتاب :
روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه إذا بعث جيشاً لمحاربة الأعداء قال لهم (أخرجوا بسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله ، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع) وروي عنه (صلى الله عليه وسلم) انه قال (لاتقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع) . وطبقاً لذلك فقد أفتى فقهاء الشريعة الإسلامية بتحريم قتل الراهب في صومعته ، ولا أهل الكنائس الذين لا يخالطون الناس . والسبب في منع قتال رجال الدين من أهل الكتاب يعود إلى أن هؤلاء لا يشكلون خطراً على جيش المسلمين ، وان قتلهم لا يحقق ميزة عسكرية .


ثالثاً ــ المستأمن والموادع :
على الرغم من أن المستأمن مقاتل فان الشريعة الإسلامية حرّمت قتله فإذا دخل المستأمن دار الإسلام فلا يجوز محاربته خلال المدة التي سمح له بها . ولا يتعرض لشيء من أمواله . وقد حدد بعض الفقهاء مدة محدودة للمستأمن لا تزيد على سنة واحدة تخوله دخول دار الإسلام والإقامة بها لأغراض التجارة . أما الموادعة ، فهي هدنة مؤقتة لا يجوز فيها القتال مع الأعداء . ويسمى من يتمتع بهذا الحق بالموادع . فقد وادع النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أهل مكة عام الحديبية على وقف القتال بينه وبينهم مدة عشرة سنين . وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) في العهود (وفاء لا غدر) . أما إذا نقض الأعداء الموادعين فيجوز قتالهم مباشرة ، ويذهب فقهاء الشريعة الإسلامية إلى أبعد من ذلك فإذا نشبت الحرب بين الموادعين أنفسهم فلا يجوز للمسلمين شراء شيء من الأموال من الطائفة التي انتصرت وغنمتها لأنهم لم يملكوها لعدم إحرازها بدار الحرب فيكون الشراء غدراً ، بخلاف اقتتالهم فيما بينهم في خارج دار الإسلام ، فانه يحل الشراء لإحرازها في دار الحرب ، كذلك إذا آمن مسلم كافراً أو جماعة أو أهل حصن أو مدينة صح أمانه ، فلا يجوز لاحد قتالهم ، لقول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) : (المسلمون تتكافأ دمائهم ويسعى بذمتهم أدناهم) . والسبب في عدم قتال هؤلاء على الرغم من انهم من الأعداء يعود إلى اعتبارين أساسيين :
الأول : النزعة الإنسانية التي تتصف بها الشريعة الإسلامية التي تمنع قتال من لا يشكل خطورة على المسلمين .
الثاني : العهد الذي منحه الإسلام لهؤلاء الأعداء وهو أمر يدفعهم إلى الاختلاط بالمسلمين للاستفادة من التجارة معهم ، ومنحهم فرصة للإطلاع على الشرع الإسلامي .

رابعاً ــ العامل أثناء عمله :
روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال : ( لا تقتلوا ذرية و عسيفاً) والعسيف هو الأجير ، لانه منصرف إلى عمله ولا يحارب المسلمين ، وان قتله لا يشكل ميزة عسكرية .

خامساً ــ الرسول :
إذا أرسل الأعداء رسولاً للتفاوض مع المسلمين أو للمرور في أرض المسلمين فلا يجوز قتله وان كان من الأعداء . فعندما جاء رسولان من مسيلمة الكذاب إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقال لهما الرسول (أتشهد أني رسول الله ، قالا نشهد أن مسيلمة رسول الله) . فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لو كنت قاتلاً رسولاً لضربت أعناقكما) فجرت السنة على أن الرُسُل لا تقتل . وطبقاً لذلك جرى العمل لدى المسلمين بعدم قتل الرُسُل ومنحهم الأمان ، لان بالرُسُل تسوى المشاكل ويعرف غرض الأعداء .

الفرع الثاني
الحماية الإنسانية للأشخاص في ضوء القانون الدولي

حددت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م والبروتوكولان الإضافيان لعام1977م حماية الأشخاص المدنيين وبعض الأصناف من المقاتلين من آثار العمليات الحربية ومنعت التعرض لهم . وبالنظر إلى أن حالة الحرب قد تدفع الأطراف المتحاربة إلى استخدام وسائل قد تؤدي إلى تدمير العسكريين والمدنيين ولهذا فقد تدخل القانون الدولي الإنساني ، ووضع حدود للتمييز بين العسكريين والمدنيين ، ومنح بعض أفراد القوات المسلحة حماية خاصة وحرم استخدام العمليات الحربية ضدهم لأسباب إنسانية ولأن ضربهم لا يحقق ميزة عسكرية يستفيد الطرف الآخر منها . وبناءاً على ذلك فان موضوعات هذا البحث تتوزع على المطالب الآتية :

أولاَ ــ التمييز بين العسكريين والمدنيين .

ثانياَ ــ العسكريون المتمتعون بالحماية الإنسانية .

ثالثاَ ــ العسكريون غير المتمتعين بالحماية الإنسانية .

رابعاَ ــ المدنيون المتمتعون بالحماية الإنسانية .

خامساَ ــ العسكريون الذين يجوز مقاتلتهم .
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 1418
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر


العودة إلى القانون الدولي العام وحقوق الانسان

 


  • { RELATED_TOPICS }
    ردود
    مشاهدات
    آخر مشاركة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار

cron