[align=center]المملكة الأردنية الهاشمية
جامعة جرش الأهلية
المؤتمر السنوي لكلية الحقوق 2003/2004م
(( القانون الدولي الإنساني: الواقع والأبعاد والرؤى))
جرش 11 – 13 مايو 2004م
المركز القانوني لمقاتلي
الانتفاضة الشعبية المسلحة
في القانون الدولي الإنساني
إعداد الدكتور : محمد حمد العسبلى
أستاذ مادتي القانون الدولي وحقوق الإنسان
جامعة اجدابيا- ليبيا
مستشار قانوني
بمركز التدريب والدراسات بالهلال الأحمر الليبي[/align]
المركز القانوني لمقاتلي الانتفاضة الشعبية المسلحة
المقدمة
تتطلب مواجهة القوات المسلحة الغازية تحركاً سريعاً وواسعاً من القوات المقاتلة في الدولة المعتدي عليها سواء كانت قوات نظامية أم غير نظامية خاصة في حالات المباغتة أو كثافة القتال التي قد تؤدى إلى تقهقر القوات النظامية أو انهزامها. عندئذ ينتفض القادرون على حمل السلاح من السكان المدنيين للمشاركة في مواجهه تلك القوات الغازية سواءً من تلقاء أنفسهم Spontaneously أم بناء على نداء صادر إليهم من حكومتهم. ويسمي هؤلاء المقاتلون بمقاتلي الانتفاضة الشعبية المسلحة(1). وتظهر فئة من المواطنين ينتظمون كمجموعات تمارس القتال ضد القوات الغازية ولا يعترف بهم العدو أولئك هم حركات المقاومة المنظمة. وهؤلاء جميعاً من فئات مجموعة المقاتلين غير النظاميين التي قد تساند القوات المسلحة الوطنية أو تعمل بمفردها استناداً إلى الحق المعترف به لهم المستمد من حق الدفاع عن النفس(2) الذي دفع هؤلاء المقاتلين إلى الدفاع عن أوطانهم.
وقد وردت ملامح المركز القانوني للانتفاضة الشعبية المسلحة في نصوص كثيرة منها مدونة ليبير Liaber الصادرة عام 1863م(3) ومشروع تقنين القانون الدولي للفقيه بلنتشيلى Bluntschli الصادرة عام 1868م(4) ومشروع إعلان بروكسل عام 1874م(5) والنظام الملحق باتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907م(6) ثم اتفاقية جنيف لعام 1929م(7) وأخيراً اتفاقيات جنيف لعام 1949م(8). وتبغي جميع هذه الصكوك الدولية تحديد الإطار العام للمركز القانوني للانتفاضة الشعبية. وفيما يأتي توضيح هذا المركز في تعريف للانتفاضة (أولاً). وتحديد نطاق عمل الانتفاضة الشعبية المسلحة (ثانياً) وشروط الاعتراف بالانتفاضة الشعبية المسلحة تجاه عدم الاعتراف بمقاومة السكان في الأراضي المحتلة (رابعاً) جهود تكييف الكفاح من اجل تقرير المصير (خامساً).
أولاً: تعريف الانتفاضة الشعبية المسلحة .
وضع الفقيه الفرنسي رينولت Renault تعريفاً عاماً للانتفاضة جاء فيه: " تظهر الانتفاضة الشعبية المسلحة عندما تتسلح جماهير المدنيين للدفاع عن أرض الوطن "(9). ويبرز من خلال هذا التعريف عنصر الدفاع عن ارض الوطن الذي يدفع السكان المدنيين إلى المشاركة في التصدي لقوات العدو إلى جانب القوات المسلحة النظامية أو بشكل مستقل عنها كمبرر أساسي للانتفاضة الشعبية المسلحة ويجعلها قاصرة على الحرب الدفاعية(10) ومواجهه القوات الغازية حتى في حالة انسحابها. وهو وضع ابتعاد اكثر منه وضع اقتراب الذي أشارت إليه عبارة " عند اقتراب العدو ". ولم تتردد المحكمة العسكرية الفرنسية الدائمة في ديجون Dijon عام 1943م من تفسير هذه العبارة في القضية المنظورة أمامها بأنه موقف عملياتي " تكتيكي" للعدو استعداداً للاشتباك مرة أخري من وجهة النظر الاستراتيجية للاشتباك عند الانسحاب. ولهذا حكمت بإعدام العقيد بوير Bauer قائد رتل آلماني بسبب قيامه بإعدام ثلاثة مقاتلين من الانتفاضة الشعبية المسلحة الفرنسية وقعوا في الأسر، ممن يرتدون ملابس مدنية أثناء اشتباك قواته المتراجعة عند وصولها إلى مدينة اوتون Autun ، على الرغم من تمتعهم بالمركز القانوني لأسري الحرب الموصوف في المادة (2) من النظام الملحق باتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907م(11).
ويمكن تناول موضوع تعريف الانتفاضة الشعبية المسلحة من حيث انتهي الدكتور صلاح الدين عامر. عندما توصل إلى وضع تعريف للمقاومة الشعبية المسلحة " بأنها عمليات القتال التي تقوم بها عناصر وطنية من غير أفراد القوات المسلحة النظامية دفاعاً عن المصالح الوطنية أو القومية، ضد قوى أجنبية سواء كانت تلك العناصر تعمل في إطار تنظيم، يخضع لإشراف وتوجيه سلطة قانونية أو واقعية أو كانت تعمل بناء على مبادرتها الخاصة وسواء باشرت هذا النشاط فوق الإقليم الوطني أو من قواعد خارج الإقليم(12).
ويبدو أن هذا التعريف واسع جداً يستوعب القسم الكبير من المقاتلين غير النظامين خاصة حركات المقاومة المنظمة وحركات التحرير الوطني والانتفاضة الشعبية المسلحة.
ولذا يمكن وضع تعريف اكثر تحديداً للانتفاضة الشعبية المسلحة بأنها " العمليات القتالية التي يشنها أفرادً أو جماعات من السكان المدنيين – من غير المقاتلين النظاميين أو غير النظاميين ممن لهم روابط تنظيمية – عندما يحملون السلاح بصورة عفوية أو بناء على دعوة عامة دفاعاً عن الوطن عند اقتراب العدو دون أن يكون لديهم الوقت الكافي لتنظيم صفوفهم لمقاومته ". وبذلك يمكن حصر الانتفاضة الشعبية المسلحة في القتال الذي يقوم به أفراد مدنيون لا يرتبطون بأي شكل تنظيمي أثناء فترة معينة للوقوف في وجه هجوم عسكري لقوات مسلحة أجنبية وصدها ثم متابعة ذلك حتى أثناء انسحابها. وإذا ما واصل هؤلاء المقاتلون قتالهم خارج نطاق ما تقدم سوف تتغير صفتهم، كأن يتحولون إلى مقاتلي مقاومة منظمة في حالة الاحتلال أو مقاتلي حركة تحرير وطني في حالات التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي والأنظمة العنصرية.
ثانياً: تحديد نطاق عمل الانتفاضة الشعبية المسلحة.
بعد معرفة صفة المشاركين في الانتفاضة الشعبية، يثور النقاش حول مدى مشاركة الشعب في هذه الانتفاضة بين مفهوم موسع وآخر مضيق:
1- المفهوم المضيق: لا يتحقق ذلك إلاّ باشتراك جميع أفراد الشعب في الانتفاضة الشعبية المسلحة . وهو ما ذهبت إليه الدول الكبيرة في القرن التاسع عشر كفرنسا وروسيا وألمانيا بغية تضييق حق الشعوب الصغيرة في الدفاع عن نفسها.
2- المفهوم الموسع: يرفض ذلك ويذهب إلى جواز مواجهة الغزو ولو من مجموعة قليلة العدد عندما يحملون السلاح في وجه القوات الغازية. عندئذ يتحقق لأفرادها وضع المقاتلين وذلك إذا تم تحقيق الشرطين المنصوص عليهما في المادة (2) من النظام الملحق باتفاقية لاهاى الرابعة لعام 1907م وهما : حمل السلاح ظاهراً واحترام قوانين وأعراف الحرب(13). وهذا ما أخذت به اتفاقية جنيف الثالثة حيث خلا النص الخاص بالمركز القانوني للانتفاضة الشعبية في الفقرة الفرعية (آلف/ 6) من المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة من أي شرط يتعلق بحجم عدد المشتركين في الانتفاضة الشعبية المسلحة.
واعتبرت كل من بريطانيا والولايات المتحدة في كتبها العسكرية جميع سكان المنطقة غير المحتلة التي تتعرض للهجوم مقاتلين قانونيين. ولذلك سمحت لقواتها بمعاملة جميع الرجال في سن الخدمة العسكرية من سكان تلك المنطقة معاملة اسري الحرب(14).
وردد الفقه الدولي بأن الأخذ بنظام التجنيد الإجباري ونظام الاحتياط في كثير من دول العالم قد افقد الانتفاضة الشعبية المسلحة الكثير من أهميتها وألاّ تكون لها أهمية كبيرة إلاّ في البلاد الصغيرة التي لا تأخذ بتلك النظم. ومن الكتاب العرب الذين قللوا من أهمية مثل هذه الانتفاضات الأمير أمين أرسلان الذي قال عندما يكون كل فرد جنديا تصبح الانتفاضة الشعبية المسلحة نادرة الحدوث(15). وينتقد الدكتور صلاح الدين عامر الانتقاص من أهمية الانتفاضة الشعبية المسلحة ولا يري في نظام الاحتياط عوضاً عن الانتفاضة الشعبية المسلحة التي يسهم فيها الشعب بكامله لصد العدو. وذلك بسبب العدد المحدود عادة لأولئك الذين تتوافر فيهم شروط تأدية الخدمة العسكرية في الاحتياط. ويعزو هذا المؤلف تضاؤل أهمية الانتفاضة في العصر الحاضر إلى التقدم في فنون الحرب والأسلحة الحديثة ذات التدمير الواسع. واصبح تصدى الشعب في شكل انتفاضة شعبية أمراً غير ذي جدوى بما يحمله من مخاطر ضد جميع السكان(16).
والواقع أن الانتفاضة الشعبية لم تفقد دورها في الحروب حتى اليوم كما تشهد له انتفاضة الشعب اللبناني لمواجهة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982م. التي كانت أحد العوامل الهامة في إنسحاب القوات الإسرائيلية وتحولت فيما بعد إلى مقاومة مسلحة منظمة. ونجم عن هذه الانتفاضة وقوع عدد كبير من المقاتلين اللبنانيين والفلسطينيين وغير اللبنانيين في قبضة القوات الإسرائيلية ووضعتهم في مخيم أنصار في جنوب لبنان بلغ عددهم 8485 أسيراً حتى نهاية 1982م. وكانت السلطات الإسرائيلية تنكر على هؤلاء الأفراد حق التمتع بوضع أسير الحرب. إلاّ أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعترف للمقاتلين في مخيم أنصار التمتع بوضع أسرى الحرب. وقامت بزيارات يومية لهم ونجحت مساعيها في الإفراج عن 3086 أسيراً منهم قبل نهاية عام 1982م(17).
ثالثاً: شروط الاعتراف بمقاتلي الانتفاضة الشعبية المسلحة .
تشتمل الفقرة الفرعية (آلف /6) من المادة (4) من اتفاقية جنيف على فئة من المقاتلين الآخرين الذين يعتبرون أسرى حرب وهم " سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوافر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية ، شريطة أن يحملوا السلاح ظاهراً وأن يراعوا قوانين الحرب وأعرافها ". تتضمن هذه الفقرة شروط تتعلق بمكان انطلاقة الانتفاضة والصفة التلقائية لها وموقع العدو وسلوك المقاتلين.
1. مكان انطلاق الانتفاضة الشعبية المسلحة
يقضى هذا الشرط بضرورة توفر جانبين هما أن تكون المنطقة التي تنطلق منها الانتفاضة أراضي تتعرض للهجوم وان تكون هذه الأراضي غير محتلة :
1- يجب انطلاق الانتفاضة من سكان أراضى تتعرض للهجوم. وهذا يعنى عدم جواز القتال لغير هؤلاء السكان ضمن مقاتلي الانتفاضة. وطرحت هذه المشكلة أثناء الحرب الروسية – اليابانية عام 1904 م عند محاكمة اليابان (200) من السجناء الروس الذين أطلق سراحهم من قبل السلطات الروسية للمساعدة في الدفاع عن منطقة فلاديميروكا Vladimirowka. وكانت حجة السلطات اليابانية في تقديمهم إلى المحاكمة أن أولئك السجناء ليسوا من سكان تلك المنطقة بل احضروا من أماكن أخرى. وبالتالي لن يتمتعوا بحقوق المقاتلين كالسكان المدنيين الذين يشاركون في القتال. وهذا غير صحيح لأن مقاومة مقاتلي الانتفاضة الشعبية تستند على وطنيتهم في الدفاع عن بلادهم. والوطنية ليست حكراً على أي مجموعة خاصة. فهي واجب على أولئك السجناء كما هي واجب على بقية مواطني هذه المدينة (18).
ولم تتعرض الفقرة الفرعية (آلف / 6) من المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة للأجانب المقيمين في تلك الأراضي غير المحتلة المشاركين في الانتفاضة الشعبية المسلحة إلى جانب السكان المدنيين المواطنين. وهو ما يتطلب المعالجة عند مراجعة اتفاقية جنيف الثالثة والنص على منحهم نفس مركز المقاتلين من السكان المدنيين المواطنين. وحتى يتم ذلك فيمكن اعتبارهم جزءاً من هؤلاء السكان لأنهم يقيمون مع سكان الأراضي غير المحتلة التي تتعرض للغزو. فإذا تطوع أي منهم للانضمام إلى جهود المدافعين عنها وسقط في قبضة العدو فينبغي أن يتمتع بمركز اسري الحرب أسوة بزملائه المقاتلين من السكان المدنيين.
2- يجب أن تكون الأراضي غير محتلة وفق المادة (42) من النظام الملحق باتفاقية لاهاى الرابعة لعام 1907م التي تنص على أنه " تعتبر أرضى الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو. ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها ". تتضمن هذه المادة التمييز بين حالتين هما :-
أ. حالة الغزو Invasion: وهى حالة دخول قوات العدو في أراضى الإقليم بهدف احتلاله وقبل السيطرة الفعلية عليها وأستتاب الأمر لها.
ب. حالة الاحتلال Occupation: وهى حالة دخول قوات العدو ومباشرة السيطرة الفعلية وأستتاب الأمر لها.
فإذا تم احتلال مدينة وقبل دخول مدينة أخري مجاورة، فأن سكان المدينة الأخرى يحق لهم قتال القوات الغازية للدفاع عن مدينتهم وهم بذلك مقاتلون في انتفاضة شعبية مسلحة. فإذا استوفوا شروط الفقرة الفرعية (آلف /6) من المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة ووقع أحدهم في قبضة العدو يعتبر أسير حرب(19) ومن ذلك قيام سكان مدينة طرابلس وضواحيها عند الغزو الإيطالي عام 1911م بانتفاضة شعبية مسلحة لصد القوات الإيطالية الغازية. واعترفت هذه القوات بمركز المقاتلين لأفراد تلك الانتفاضة. وحدث فيما بعد قيام بعض الأفراد من هذه المدينة بالهجوم على قوات الاحتلال الإيطالي لطردها فاعتبرت إيطاليا المقاتلين المشتركين في تلك العمليات مجرمين وقدمتهم للمحاكمة وأعدمتهم(20). والسبب في ذلك أن مقاتلي العمليات القتالية الأولى كانت لصد الغزو وهم مقاتلو انتفاضة شعبية مسلحة أما مقاتلو المجموعة الثانية فهم مقاومو الاحتلال.
وعليه ينبغي معالجة النقص الحاصل في المادة (42) من اتفاقية لاهاي 1907 بالنص على حق سكان المدن الأخرى في مقاومة الاحتلال الأجنبي ماداموا من مواطني الدولة المتعرضة للغزو. وحتى يتم ذلك ينبغي منح السكان المدنيين غير المقيمين من المدن أو المناطق المجاورة حق المشاركة في الانتفاضة الشعبية المسلحة في الأراضي غير المحتلة التي تتعرض للغزو استناداً إلى واجب الدفاع عن الوطن المقرر على جميع مواطني البلد الذي يتعرض للغزو إضافة إلى أن كلمة Territory المنطقة أو الإقليم في هذا السياق لا يقصد منها جميع أنحاء البلد الذي يتعرض للغزو بل هي كما يقول الدليل العسكري البريطاني لعام 1958م جزء من البلد لم يتم وصول قوات الغزو إليه بعد (21). وسوف يكون من المستحيل إنكار حق الانتفاضة الشعبية المسلحة على سكان المدن أو المناطق المجاورة للمنطقة التي تتعرض للغزو. ولذلك يجب عدم قصر هذا الحق على السكان المقيمين في المدن والمناطق المجاورة أيضاً بسبب إمكانية غزو مدنهم ومناطقهم في أي وقت من قبل القوات الغازية.
2. الصفة التلقائية للانتفاضة الشعبية المسلحة .
تعد الانطلاقة التلقائية هي الفعل الأساسي الذي يدل على انتفاضة السكان المدنيين لمواجهه القوات الغازية وإظهار المشاعر الوطنية للدفاع عن الوطن التي كانت وراء احترام مشاركة أولئك الأفراد من السكان المدنيين في واجب الدفاع عن الوطن وقبولهم كمقاتلين من بين فئات المقاتلين الأخرى واعتبار من يقع منهم في قبضة العدو أسير حرب ضمن نص الفقرة الفرعية (آلف/6) من المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة.
وجرت محاولة من قبل مندوب إسرائيل أثناء المؤتمر الدبلوماسي لعام 1949م لحذف كلمة " تلقائيا " من نص هذه الفقرة وبالتالي إلغاء هذا الشرط والاعتراف فقط بالانتفاضة الشعبية المسلحة بناء على أمر تصدره الحكومة أو قائد القوات المسلحة. وحجته – عند معارضة ذلك من قبل مندوبي بريطانيا والولايات المتحدة – بأن ذلك لأسباب إنسانية حتى يمكن تلافي نتائج الانتفاضة الشعبية التي حدثت في مدينة وارسو- بولندا عام 1939م. وأدت إلى الرد القاسي من قبل الجيش الألماني على جميع سكان المدينة غير أن هذه المحاولة فشلت. ويهدف مندوب إسرائيل من وراء ذلك إلى حالة منع مقاتلي الانتفاضة الشعبية من التمتع بالحماية التي يتمتع بها أسير الحرب في أي انتفاضة شعبية مسلحة في وجه أي عدوان إسرائيلي ضد البلدان العربية.
ويحاول بعض الفقهاء التمييز بين الانتفاضة الشعبية التلقائية والانتفاضة الشعبية تلبية لنداء حكومة أو سلطة لحمل السلاح لمواجهه الغزو إلى جانب القوات المسلحة النظامية وعدم اعتبار الثانية انتفاضة شعبية بالمعنى الدقيق، بل هي دعوة موسعة للتجنيد تفقد عنصر التلقائية بسبب تدخل الحكومة وتأخذ وضع وشكل المقاومة المنظمة (22). غير أن ذلك ليس دقيقاً فالتلقائية المقصودة هي الانتفاضة لحمل السلاح لمواجهه القوات الغازية. ولن يتأتى هذا إلاّ إذا علم السكان المدنيين باقتراب العدو سواء وصل هذا الخبر إليهم مباشرة أو من قبل إعلان أو نداء من حكومتهم. ويمكن الاسترشاد بما حدث عند نشوء الانتفاضة الشعبية المسلحة الفرنسية أثناء الحرب البروسية – الفرنسية عام 1870 – 1871م. عندما كانت الحكومة الفرنسية تصدر الإعلان تلو الإعلان لدعوة المزارعين الفرنسيين للدفاع عن وطنهم. وأدى إلى انفجار الشعور بالوطنية الفرنسية واندفعوا إلى جميع أشكال المقاومة بما فيها الانتفاضة الشعبية(23)، فالانتفاضة الشعبية المسلحة واحدة لا تتجزأ سواء كانت تلقائية أم بناء على نداء من الحكومة أو السلطة الممثلة للسكان، تستند إلى الحق المشروع في الدفاع عن النفس. وربطت ببعض الشروط لتنظيم أعمال الحرب والتقليل من الحالات الفوضوية وتحديد صفة المشاركين فيها(24). وبالتالي تم الاعتراف بهذه الفئة من المقاتلين ومنح من يقع منهم في قبضة العدو المركز القانوني لأسير الحرب.
3. الاقتراب المفاجئ للعدو .
تمثل حالة اقتراب العدو وعدم وجود الوقت الكافي لتشكيل وحدات مسلحة منظمة شرطاً يجب توفره حتى يتسنى لأولئك الأفراد من السكان التحرك لبدء الانتفاضة الشعبية المسلحة لمقاومة القوات الغازية. ويتضمن هذا الشرط شقين هما : شق جغرافي وأخر يتعلق بالوقت :
1- جغرافي ويتمثل في اقتراب العدو من مدينة أو منطقة الأفراد المشاركين في الانتفاضة الشعبية المسلحة. وهذا يعنى ربط الانتفاضة بحالة " اقتراب العدو " الواردة ضمن الفقرة الفرعية (آلف / 6) من المادة (4) من اتفاقية جنيف. كحالة انتفاضة سكان مدينة خور مشهر Khorramshah الإيرانية لمساندة كتيبة المشـاة الوحيدة بالمدينة خلال شهري أكتوبر ونوفمبر عام 1980م وعلى مدى (40) يوماً لمواجهه القوات العراقية(25).
2- عدم توفر الوقت الكافي للإعداد للمقاومة المسلحة وعدم تمكن السكان المنتفضين من تشكيل قوات مسلحة منظمة. ولعل قصد واضعي عبارة " دون أن يتوفر لهم الوقت " هو فترة الغزو تحديداً. حتى لا تكون الانتفاضة الشعبية المسلحة قانونية خارج الأبعاد الضيقة لفترة الغزو وبهدف وضع المزيد من القيود في مواجهه مثل هذه الانتفاضات.
ويلبي هذان الشقان صيغة التوافق التي تم التوصل إليها عند وضع النص الخاص بالانتفاضة الشعبية. ذلك التوافق الذي تم بين الدول ذات القوات المسلحة الكبيرة المعارضة تماماً للاعتراف بمقاتلي الانتفاضة الشعبية لما في ذلك من خطر على قواتها، وبين الدول ذات القوات المسلحة القليلة التي كانت ترغب في الاستفادة من قواها البشرية كافة لمقاومة الغزو لما في ذلك من أهمية للتصدي للقوات المسلحة النظامية مهما كان عددها(26).
وجرت محاولة من قبل مندوب إيطاليا في المؤتمر الدبلوماسي لعام 1949م لاستبعاد الانتفاضة الشعبية المسلحة من الحماية باعتبارها أمراً نادراً في العصر الحديث. ودعي إلى الدمج بين حركة المقاومة المنظمة والانتفاضة الشعبية المسلحة. وتم التصدي لهذه المحاولة واحتفظ بالتفرقة بينهما كل في نص مستقل يحدد المركز القانوني للمقاتلين المقصودين به(27). ومن التطبيقات المبكرة للانتفاضة الشعبية المسلحة انتفاضة شعب مدينة بور سعيد عام 1956م ضد الغزو الإنجليزي – الفرنسي- الإسرائيلي(28).
يبدو عدم منطقية شرط الاقتراب المفاجئ لأنه شرط يضيق من حق غير سكان المدينة أو المنطقة التي يقترب منها العدو في الانتفاضة الشعبية المسلحة. وهذا يتطلب المعالجة عند مراجعة اتفاقية جنيف الثالثة بالنص على إمكانية انضمام بقية سكان البلد الذي يتعرض للغزو وفق شروط منطقية تكون قابلة للتطبيق لما في ذلك من رادع هام لصد العدوان. وحتى يتم ذلك يعد من حق جميع السكان في البلد التي تتعرض للغزو الانضمام إلى الانتفاضة الشعبية المسلحة استجابة لحق الدفاع عن الوطن الذي يقع على عاتق جميع السكان.
4. سلوك مقاتلي الانتفاضة الشعبية المسلحة.
يتضمن سلوك مقاتلي الانتفاضة الشعبية المسلحة أثناء القتال شرطين هما: ضرورة حمل السلام ظاهرا واحترام قوانين وأعراف الحرب.
1. يعتبر حمل السلاح صفة للمقاتل غير النظامي بصفة عامة وتحديدا لهويته، ويقتضي ذلك من مقاتلي الانتفاضة الشعبية المسلحة حمل السلاح ظاهرا أثناء القتال للدلالة على صفتهم كمقاتلين وتمييزا لهم عن فئة المدنيين غير المقاتلين حماية لهذه الفئة وحتى يتمتع مقاتلي الانتفاضة عند وقوعهم في قبضة العدو بالمركز القانوني لأسرى الحرب. غير أن هناك من رأى أن شرط حمل السلاح ظاهرا لا يتفق مع طبيعة قتال هذه الفئة من المقاتلين وما تتطلبه من سرعة وانقضاض واختفاء وطالب بإلغاء هذا الشرط ويستند هذا الرأي إلى الأخذ بطريقة القياس على حالة إخفاء المقاتل النظامي لسلاحه التي لا تمنع من تمتعه عند وقوعه في قبضة العدو من المركز القانوني لاسير الحرب (29). وقد أدى انتهاك شرط حمل السلاح ظاهرا إلى رد فعل قاس من قبل القوات الغازية ضد المدنيين خاصة في الحرب الفيتنامية مما دعي عند وضع اللحق (البروتوكول) الأول الإضافي إلى الإبقاء على الشرط في نص الفقرة (3) من المادة (44) من هذا اللحق (البروتوكول) والتي تطالب من كل مقاتل غير نظامي " أن يحمل سلاحه علنا في مثل هذه المواقف:ـ
أ- أثناء أي اشتباك عسكري.
ب- طوال ذلك الوقت الذي يبقى خلال مرئيا للخصم على مدى البصر أثناء انشغاله بتوزيع القوات في مواقعها استعدادا للقتال قبيل شن هجوم عليه أن يشارك فيه..".
وظهرت عند إقرار هذا النص ثلاثة آراء حول تطبيق شرط حمل السلاح ظاهرا تتعلق بمعيار التمييز بين المقاتلين غير النظاميين والمدنيين هي:ـ
الأول: إناطة تحديد معيار التمييز بالسلطات العسكرية للقوات الغازية مما يجعلها تتحكم في ذلك بشكل يضيق من نطاق الحماية. والثاني: ربط معيار التمييز بلحظة اتخاذ المقاتل غير النظامي الوضع القتالي عند توزيع القوات. والثالث: تحديد معيار التمييز بحمل السلاح طيلة الظهور أمام الخصم (30).
ويتضح من مضمون نص هذه الفقرة والرأيين الثاني والثالث ربط مدى الرؤية المطلوبة بالرؤية الطبيعية للخصم، ومع ذلك هناك إمكانية لعدم تطبيق شرط حمل السلاح ظاهرا بشكل موضوعي لخضوعه لتقدير الخصم، مما يتطلب المعالجة عند مراجعة اللحق ( البروتوكول) الأول الإضافي لعام 1977م.
2. يرتبط شرط احترام قوانين وأعراف الحرب بسلوك المقاتلين ومحتواه عدم ارتكاب أعمال النهب والسلب وإساءة معاملة الجرحى والمرضى والأسرى أو قتلهم. وعدم الاعتداء على المدنيين وتدمير الأهداف المدنية. وهو التزام عام موجه إلى جميع فئات المقاتلين غير النظاميين ومن بينهم مقاتلي الانتفاضة الشعبية المسلحة. وذكر شراح اتفاقية جنيف الثالثة غموض مفهوم قوانين وأعراف الحرب مما جعله عرضة للخلاف (31). فمن رأى بأنه إذا خالف أحد المقاتلين غير النظاميين قوانين وأعراف الحرب فقد جميع هؤلاء المقاتلين الحماية المقررة لهم وعدم الاعتراف بمن يقع منهم في قبضة العدو كأسير حرب. ورأى آخر يعتبر التزام هؤلاء المقاتلين التزاما فرديا باحترام هذه القوانين بحيث يفقد المقاتل الفرد مركزه القانوني في حالة مخالفته أو خروجه على هذا الالتزام دون أن يؤثر ذلك على الحماية المقررة لجماعة المقاتلين التي ينتمي إليها ذلك المقاتل الفرد المخالف بصفة عامة (32). وينبغي لتلافي هذا الغموض توضيح شرط احترام قوانين وأعراف الحرب عند مراجعة اتفاقية جنيف الثالثة بالنص بالتفصيل على المقصود منها أولا وتحديد الطرف المطلوب أن يلتزم بها ثانيا وحتى يتم ذلك يمكن الاستفادة من الدول التي أصدرت تعليمات بضرورة تحذير المقاتلين غير النظاميين بعدم القيام بأعمال الغدر والتهديد بعدم الإبقاء على قيد الحياة وإساءة معاملة الجرحى والمرضى والأسرى والتمثيل بجثث الموتى والسلوك غير الملائم ضد أعلام الهدنة والسلب والعنف غير المبرر والتدمير (33).
رابعاً: مقاومة السكان في الأراضي المحتلة
يرى الفقه الغربي أن أحكام القانون الدولي قد نصت على فئات المقاتلين سواء النظاميين أو غير النظاميين الذين يتمتعون بالمركز القانوني للمقاتل. واستبعدت من هؤلاء المقاتلين السكان المدنيين في الأراضي المحتلة الذين يشنون مقاومة مسلحة ضد سلطات الاحتلال ويعتبرونهم خارج نطاق الحماية التي تقررها اتفاقية جنيف الثالثة. ومن ثم يحق لسلطات الاحتلال محاكمتهم لارتكابهم لجرائم ضدها (34) ويستند هذا الاتجاه على حجتين هما : نطاق حق السكان في الانتفاضة الشعبية المسلحة ثم نطاق العلاقة الواقعية بين سكان الأراضي المحتلة وسلطات الاحتلال.
1. نطاق حق السكان في الانتفاضة المسلحة .
يجوز للسكان المدنيين ممـارسة الحق في الانتفاضة المسلحة وفقا للفقرة الفرعية (آلف/6) من المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة. ويتمتع من يقع منهم في قبضة العدو بالمركز القانوني لأسري الحرب بشرط أن يكون الإقليم الذي يقطنه السكان المنتفضون لم يحتل بعد. ويستند أوبنهايم Oppenheim(35) وباكستر Baxter (36) وشورزنبرجر Schwarzenberger (37) إلى ما جاء في الفقرة الفرعية (2) من المادة (5) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على أنه " إذا اعتقل شخص تحميه الاتفاقية في أرض محتلة بتهمة الجاسوسيه أو التخريب أو لوجود شبهات قاطعة بشأن قيامه بنشاط يضر بأمن دولة الاحتلال أمكن حرمان هذا الشخص في الحالات التي يقتضيها الأمن الحربي حتما من حقوق الاتصال المنصوص عنها في هذه الاتفاقية ". ويعني ذلك أن قيام السكان المدنيين بانتفاضة مسلحة في الأراضي المحتلة يعتبر خرقاً لحكم هذه الفقرة ويحق لسلطات الاحتلال حجب الحماية عنهم ومحاكمتهم وتوقيع العقاب عليهم(38).
2. نطاق العلاقة الواقعية بين السكان وسلطات الاحتلال .
تعد حالة الاحتلال وفقا للقانون الدولي التقليدي واقعة قانونية ينجم عنها علاقة معينة بين سلطات الاحتلال وسكان الأراضي المحتلة. وتلتزم سلطات الاحتلال بموجب هذه العلاقة المحافظة على النظام والأمن العام(39) وضمان حماية السكان المدنيين وحرياتهم وكرامتهم وصيانة أموالهم و ممتلكاتهم(40). ويلتزم السكان في مقابل ذلك بواجب الطاعة للأوامر والتعليمات الصادرة من سلطات الاحتلال. ويعد الخروج عن هذا الواجب انتهاكاً لأحكام القانون الدولي تعرض المخالف لها للمحاكمة وتوقيع العقاب عليه باعتباره مجرماً عادياً(41). ويضع الفقه الغربي العراقيل أمام نضال الشعوب ضد الاستعمار. استناداً على المفاهيم التقليدية لأحكام القانون الدولي. غير أن هذا الاتجاه قد أخذ في الاضمحلال بظهور حق الشعوب في تقرير المصير(42). وتتوجت مقاومة العديد من الشعوب بقيادة حركات التحرير الوطني باستقلال الكثير من البلدان الأفريقية والآسيوية.
خامساً: جهود تكييف الكفاح من اجل تقرير المصير
تطورت مع بدايات عقد الستينيات من القرن العشرين حروب التحرير الوطني لكي تكون نزاعات دولية ضمن مفهوم المادة (2) المشتركة. وبدأ هذا التطور بالقرار الشهير الصادر عن الجمعية العامة رقم 1514 في دورتها الرابعة عشرة بتاريخ 14/12/1960م. الذي تضمن الإعلان عن منح حق تقرير المصير للشعوب والأقاليم المستعمرة. ولم يتطرق القرار إلى تطبيق قوانين الحرب في حالة المنازعات المسلحة بين الشعوب المستعمرة والبلد المستعمر(43) بل اعتبر الكفاح المسلح حقا ًمشروعاً لممارسة حق تقرير المصير.
واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1968م قراراً دعت فيه الأمين العام للأمم المتحدة بعد استشارة اللجنة الدولية وغيرها من المنظمات الدولية المعنية إلى القيام بدراسة الخطوات الواجب اتخاذها لضمان أفضل تطبيق لأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقياته النافذة في جميع المنازعات المسلحة وذلك سواء في شكل اتفاقيات تكميلية أو في أي شكل آخر ملائم لضمان حماية أفضل للمدنيين والأسرى في المنازعات المسلحة كافة(44). وصدرت عن الجمعية العامة أيضاً عدة قرارات بنفس المحتوى تضمنت الإشارة إلى المنازعات المسلحة التي تقوم بها حركات التحرير الوطني في جنوب أفريقيا وروديسيا الجنوبية وأقاليم الإدارة البرتغالية والدعوة إلى حماية الأسرى والمدنيين في هذه المنازعات (45).
وتتوج هذا التطور في 13/12/1973 م بإصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3103 في دورتها الثامنة والعشرين المعنون " المبادئ الأساسية المتعلقة بالمركز القانوني للمقاتلين الذين يكافحون السيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية ". وتضمنت الفقرتان الثالثة والرابعة الآتي :-
3- " أن المنازعات المسلحة التي لها دخل بكفاح الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية تعتبر منازعات مسلحة دولية بالمعنى الوارد في اتفاقيات جنيف لعام 1949م. كما أن المركز القانوني المستهدف سريانه على المقاتلين في هذه الاتفاقيات وفي سائر الصكوك الدولية يعتبر سارياً على الأفراد المضطلعين بكفاح مسلح ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية.
4- يمنح الذين يؤسرون من المقاتلين الذين يكافحون السيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية مركز أسرى الحرب وتكون معاملتهم متفقة مع أحكام اتفاقية جنيف الثالثة المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب لعام 1949م ".
الخلاصــة:ـ
اهتم العديد من فقهاء القانون الدولي على أثر هذه القرارات بإيجاد الأسس القانونية لمقاتلي الانتفاضة الشعبية المسلحة سواء في أحكام اتفاقيات جنيف من خلال تفسيرات حديثه لها أو في الدعوة إلى وضع قواعد جديده .وفي ضوء التمسك بالقيد الوارد في الفقرة الفرعية (آلف /6) من المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة الذي يقضي بتحديد من يحق له حمل السلاح وهم سكان الأراضي غير المحتلة فقط حيث نتفق مع راى الدكتور عبد الواحد الفار الذي يرى في هذا أمراً لا يستقيم مع التطور الذي حدث في المنازعات المسلحة الحديثة التي أصبح فيها الحد الفاصل بين ما يعتبر غزواً وما يعتبر احتلالا يكاد يكون حداً وهميا يصعب تمييزه.
وأدى التقدم الاستراتيجي في العمليات العسكرية إلى جعل حالة الغزو كحالة الاحتلال وكلاهما مرحلة من مراحل الحرب يختلط فيها الأمر بحيث لا تعترف الدولة المحتلة بحالة الاحتلال بل قد تعلن أنها مازالت تقاوم الاحتلال وتدعي دولة الاحتلال سيطرتها التامة على الأراضي المحتلة. وعندئذ كيف يمكن تغليب وجهة نظر على الأخرى (46) ؟
ويمكن الإجابة عن هذا السؤال بالاستناد إلى ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة بشأن حق تقرير المصير(47) ومبدأ عدم استخدام القوة(48) وحق الدفاع الشرعي لمن يدافع عن سلامة أراضيه وينتفض مواطنوه لحمل السلاح لمقاومة العدوان ودحره. وبالتالي يعتبر كل من قام منهم بذلك في حكم المقاتل القانوني. وليس لدولة الاحتلال التي تدعي السيطرة على الأراضي المحتلة أي حق في حجب مركز أسير الحرب عنه إذا ما وقع في قبضتها. ويستشهد على ذلك بما أعلنه المارشال ستالين Stallin أثناء الحرب العالمية الثانية بأنه " في مثل الحرب التي يكون الغرض منها غزو الدول أو إخضاع شعوبها لا يمكن فرض شروط أو قيود قد تحد من حرية المعتدى عليه لصالح المعتدي الذي أخل بالنظام الدولي وأهدر مبادئه الأساسية " (49).
مراجع الهوامش
1. أورد الدكتور صلاح الدين عامر فى رسالته للدكتوراه استخدامات بعض الكتاب العرب لمصطلح levy en masse بالهبة التلقائية أو الجماهيرية أو المقاومة الشعبية. ويستخدم هنا مصطلح الانتفاضة الشعبية المسلحة لارتباطها بالواجب الوطني المقدس: الدفاع عن الوطن الذي يقع على عاتق السكان عامة عندما يتعرض الوطن للغزو من جهة ولما يتفق مع مضمون النص القانوني الذي ورد فى الصكوك الدولية من جهة أخرى، إضافة لدخول هذا المصطلح إلي قاموس كفاح الشعوب بفضل انتفاضة الشعب الفلسطيني عام 1987م ضد الاحتلال الإسرائيلي.
انظر الدكتور محمد العسبلى : المركز القانوني لأسرى الحرب فى القانون الدولي "رسالة دكتوراه" كلية القانون – جامعة قاريونس 2002م ص121-130 و140-144.
2. انظر J. Spaight : War Rights on Land ; London Macmillan , 1911 , p .54.
3. انظر Art. 84 of Instruction for the Government of Armed of the United States in the field , Prepared by Francis Lieber , Promulgated as General Orders No . 100 by President Lincoln , 24 April 1863
4. انظر Bluntschli: Le Droit International Codifie. Traduit de l’ Allemande par M .C .Laedy Devxieme ed ., Paris 1874 , Art . 597
5. انظر Art. 10. of Project of an International Declaration Concerning the Laws and Customs of War , Brussels 1874 .
6. أنظر نص المادة (2) من النظام الملحق باتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907م.
7. أنظر النص المادة (1) من اتفاقية جنيف لعام 1929م.
8. أنظر نص الفقرة (آلف /6) المكررة في المواد (13) من الاتفاقية الأولي و (13) من الاتفاقية الثانية و(4) من الاتفاقية الثالثة.
9. البروفيسور رينولت أحد القانونيين الفرنسيين البـارزين الذين شاركوا في أعمال مؤتمري السلام الأول 1899م والسلام الثاني 1907م وكان له تأثير كبير في أعمال المؤتمرين إلى جانب الفقيه الروسي دي مارتن De Martens .
10. أنظر الدكتور صلاح الدين عامر: المقاومة الشعبية المسلحة فى القانون الدولي العام مع إشارة خاصة إلي أسس الشرعية الدولية للمقاومة الشعبية الفلسطينية " رسالة دكتوراه " – دار الفكر العربي – القاهرة (بدون تاريخ) ص191 – 192.
11. انظر T.W.malison & S. V. malison; The Juridical Statvs of Privileged Combatant Under the Geneva Protocol of 1977, Concerning International Conflicts, Law and Contemporary Problems ( Durham ) vol. 42, no. 2, 1978.
12. أنظر الدكتور صلاح الدين عامر المقاومة الشعبية المسلحة مرجع سبق ذكره ، ص40 - 41.
13. أنظر المرجع السابق نفسه ص 195.
14. انظر The Law of War on Land, being part III, of the Manual of Military Law, The Ear Stationery office 1958, Appendix XXVII Royal Warrant Governing the London Her Majesty Maintence of Discipline Among Prisoners of War, Para. 97-100, pp. 35-36
وسوف يذكر فيما بعد على النحو التالي UK Military of Military Law of 1958
15. أنظر الأمير أمين أرسلان: حقوق الملل ومعاهدات الدول، القسم الرابع الحرب، القاهرة مطبعة الهلال سنة1901 ص 43 .
16. أنظر الدكتور صلاح الدين عامر: المقاومة الشعبية المسلحة مرجع سبق ذكره ص 192 – 193.
17. أنظر التقرير السنوي للجنة الدولية للصليب الأحمر لعام 1982 م ص 57 – 59.
18. انظر R . C . Hingoreni : POWS., . Ocean Publication Inc. DOBBS Ferry, New York 1982 .
19. انظر Oppenheim, Lasso & Lauterpacht, Hers chi: International Law: A Treatise, vol. II: Disputes, War and Neutrality, 8 th edt .and rev. by H. Lauterpacht ; London, Legman’s and Green 1955 , p 258.
20. أنظر الدكتور محمود سامي جنينة : بحوث في قانون الحرب والحياد القاهرة 1942 م ص 123 .
21. انظر UK. Manual of Military Law , op . cit .Para. 95 p . 35
22. أنظر الدكتور صلاح الدين عامر : المقاومة الشعبية المسلحة . مرجع سبق ذكره ص 196 – 197
23. أنظر المرجع السابق نفسه ص 133 – 134
24. انظرR.C. Hingoreni: POWs.,op.cit p.50
25. انظر Mission to Inspect Civilian area in Iran and Iraq which been Subject to Military Attack Report of Sectary General of UN. Doc. S/15834, 20 June 1983, Para. 49
26. أنظر الدكتور صلاح الدين عامر : المقاومة الشعبية المسلحة ، مرجع سبق ذكره ص 151-156 و 174-181
27. أنظر Final Record of the Diplomatic Conference of Geneva of 1949, vol. 11. a section, Federal Political Department, Bern, p. 239
28. أنظر الدكتور صلاح الدين عامر: المقاومة الشعبية المسلحة ،مرجع سبق ذكره هامش (4) ص 335
29. أنظر الدكتور عبدالواحد الفار: اسرى الحرب دراسة فقهية وتطبيقية في نطاق القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية (رسالة دتواره عام 1975م). الناشر عالم الكتب 38 شارع عبدالخالق ثروت ص 103-105.
30. أنظر Official Records of the Diplomatic Conference of the Reaffirmation and Development of International Humanitarain law Applicable in Armed Conflicts, Geneva 1974-1977, vol.iv, pp.121-122,xiv.144-145.
31. أنظر Commentary III, Geneva Convention Relative to the Tretment of Prisoner of War, Geneva, ICRC, 1960,P.61
32. أنظر الدكتور صلاح الدين عامر: المقاومة الشعبية المسلحة، مرجع سبق ذكره ص 205.
33. أنظر Field Manual 27-10, the law of land Warfare 1956, para. 64/d
34. أنظر الدكتور عبد الواحد الفار : مرجع سبق ذكره ص 127
35. انظر L . Oppenheim : The Legal Relation Between an Occupying Power and Inhabitants ;low Quarteny Review .p . 368
36. انظر R. Baxter : The Duty of Obeience to the Belligerent Occupant BYIL OL.27,1950 .p.254 .
37. انظر G . Schwarzenberger : International Law as Applied by International Courts and Tribunals; vol. II: The Low of Armed Conflict, London Steven 1968
38. أنظر الدكتور عبد الواحد الفار : مرجع سبق ذكره ص 127 – 128
39. أنظر نص المادة (43) من النظام الملحق باتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907م
40. أنظر نص المواد من 27 إلى 34 ومن 47 إلى 78 من الاتفاقية الرابعة لعام 1949م
41. أنظر الدكتور عبد الواحد الفار : مرجع سبق ذكره ص 128
42. انظر "UN G.A. Resolution on. 3103 XXVIII Entitled Basic principles on Legal Status of the Combatants Struggling against colonial and alien domination and racist regimes" Para. 1, adapted on 12/12/1972
43. انظر D. Sehindler: Types of Armed Conflicts According to the Geneva Conventions and Protocols in RCADI, vol. 163, II, 1979, p. 133
44. انظر UN. G. A. Resolution on. 2444 (XX111) of 1968
45. انظر D. Schindler; Types of Armed Conflicts, op. cit. p 133
46. انظر الدكتور عبد الواحد الفار : مرجع سبق ذكره ص 129-130.
47. انظر نص الفقرة (2) من المادة (1) والمادة (55) من ميثاق الأمم المتحدة.
48. انظر نص الفقرة (4) من المادة (2) من المرجع السابق نفسه.
49. انظر الدكتور عبد الواحد الفار : مرجع سبق ذكره ص130 .