أحكام ولد الزنا

أحكام ولد الزنا

مشاركة غير مقروءةبواسطة بيان العلي » الاثنين أكتوبر 27, 2008 8:13 pm

[align=center]المملكة العربية السعودية
وزارة التعليـــم العـــــالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
المعهـــد العـــــالي للقضــــاء
قسم الفقه المقارن

بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير


إعداد الطالب
إبراهيم بن عبدالله بن صالح القصيّر

إشراف فضيلة الدكتور
إبراهيـــــم بن ناصــــــــــر[/align]


المقدمــة

الحمد للَّه رب العالمين . أحمده وأستعينه ، وأستغفره وأتوب إليه ، وأعوذ باللَّه من شرور نفسي وسيئات عملي ، وأسأله سبحانه أن يعلمني ما ينفعني وأن ينفعني بما علمني وأن يزيدني علماً ، وأصلي وأسلم على خير البرية ، وأزكى البشرية محمد بن عبدالله صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .
أما بعد :
فإن أصدق الحديث كتاب اللَّه ، وخير الهدي هدي محمدٍ  ، من استمسك بهما نجا ، ومن رغب عنهما ضلَّ وغوى ، لم يبق للناس بعدهما على الله حجة ؛ إذ جعلهم اللَّه بهما على أوضح محجة ؛ فإن النبي  ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، وقد هيأ اللَّه لهذا الدين الذي أتى به النبي  رجالاً يعملون به ويدعون إليه ويجددون ما اندثر منه ، عقيدة وشريعة ، دعوة ومنهاجاً ، وكان من نعمة اللَّه علينا وعلى الناس أن هيأ لذلك في هذا الزمان علماء وأمراء قاموا جنباً إلى جنب ؛ فأقاموا الدين ، وحكموا شرع اللَّه ، ودعوا إليه ، منذ أن انطلقت دعوة التجديد على يد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب والإمام محمد بن سعود إلى هذا اليوم ، تعاقب على ذلك أجيال يتم الآخر ما بناه الأول ، فها نحن نرى آثار ذلك واضحة جليّة ، تتمثل في خير ما تتمثل به في الاهتمام بالعلم وأهله وإنشاء الجامعات لذلك الهدف ، وإن من الجامعات التي تميزت في ذلك لجامعةٌ تشرفت بحمل اسم المؤسس الأول للدولة السعودية تلكم هي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، تلك القلعة التي ضمت صروحاً للعلم في كافة التخصصات يشد بعضها بعضاً .

هذا وإني - والحمد للَّه - قد وفقت أن انتسب إلى أحد تلك الصروح ؛ فانعم اللَّه عليّ أن كنت طالباً في المعهد العالي للقضاء وحسبك بمسماه دالاً على معناه .
وإن من لوازم التخرج من ذلك المعهد تقديم بحث تكميلي يتوج سنتيه الدراسيتين ؛ فكان هذا البحث المتواضع الذي قدم لقسم الفقه المقارن بالمعهد العامر .
وكان مما شجعني على اختيار هذا العنوان - أحكام ولد الزنا - ما رأيت له من حاجة عملية في تبيين الأحكام الخاصة لتلك الفئة من الناس التي وإن كانت قليلة في مجتمعنا بحمد اللَّه ؛ إلا إنها موجودة وهي في بعض المجتمعات الأخرى أكبر وأكثر .
توّج ذلك ما عرفته من عدم وجود كتاب في ذلك الموضوع - حسب ما استقصيت من المكتبات العامة وما سألت من المتخصصين - بل ولم أجد مبحثاً مفرداً لأحكامه في أحد الكتب .
فجمعت ما قدرت على جمعه من بطون الكتب مستعيناً باللَّه تعالى ، وقد اعتمدت في بحثي عدة أمور :
1- اعتمدت الرجوع إلى المذاهب الأربعة من كتبها المعتمدة ، وقد رتبتها عند النسبة إليها حسب تاريخ وفاة إمام كل مذهب ، وعند ترك النسبة إلى واحدٍ من المذاهب ؛ فلأنني لم أقف على المسألة في أحد كتبه .
2- قد أشير إلى مذهب الظـاهرية أو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أو رأي بعض الصحابة ومشاهير التابعين في بعض المسائل .
3- سلكت في مسائل الخلاف ذكر كل قول معقباً إياه بمن قال به ثم ذكر أدلته من غير دلالة لترتيب الأقوال لا على ترجيح ولا غيره ، ولم أسلك طريقة إفراد كل مذهب من المذاهب الأربعة على حدة إلا في مواضع نادرة كالخلاف في ترتيب الأولوية في الإمامة ، والحضانة .
4- ترجيح ما ظهر لي وجه ترجيحه مناقشاً أدلة الأقوال الأخرى ، فإن لم يظهر سبب للترجيح اكتفيت بسياق الأقوال وأدلتها .
5- نظراً لأن مباحث هذا الموضوع ومسائله لم تفرد في مكان واحد في الكتب بل كانت منثورة في خلال مسائل الكتب الفقهية ، وربما كان ذكر أحد المسائل إشارة خفيفة ، بل وربما لم تبحث بخصوصها وإنما كان البحث في باب أعم منها ، ولما يترتب على ذلك من عدم استفاضــة في أدلة وتعليلات ؛ فإنني قد اتبعت ثلاثة أمور :
أ - إدراج المسألة التي لم أجد من تناولها بحكم وأجدها داخلة في مسألة أعم منها بتلك المسألة العامة ، وأذكر الخلاف في تلك المسألة العامة .
ب - تخريج مسألـة على مسألة أخرى مشابهة في أقوال العلماء ومذاهبهم .
جـ- قد استدل لبعض الأقوال بما يصلح دليلاً لها - وإن لم أجده في أحد المراجع - ثم أناقشـه ، طلباً لتكامل الموضوع واستيفاءً لجوانبه ، وهذا في كل دليل لم أشر إلى مرجعه .
6- خرجت الأحاديث والآثار الواردة في البحث مكتفياً بعزوها إلى الصحيحين أو أحدهما إن كان فيهما ، فإن لم يكن ذكرت موضوعها من الكتب الأخرى ، ودرجة الحديث مستفيداً ذلك من حكم أحد المحققين المعتمدين في ذلك كالشيخ ناصر الدين الألباني - رحمه اللَّه - .
7- ترجمت للأعلام الذين ورد ذكرهم في الصلب ترجمة مختصرة ركزت فيها على الاسم وسنة الوفاة ، وقد أذكر غير ذلك ، وذلك فيما عدا الخلفاء الراشدين ، والأئمة الأربعة .
8- اتبعت البحث بفهارس للآيات والأحاديث والآثار ، والموضوعات حسب المتبع عادة .
وقد جاء هذا البحث في تمهيد وثلاثة فصول حسب الخطة الآتية :
المقدمة :
وتشمل ذكر أهمية الموضوع وأسباب اختياره ومنهج الباحث وخطة البحث .
التمهيد :
وفيه التعريف بمفردات العنوان وهو ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : في المراد عن الولد ، في ثلاثة مطالب :
- المطلب الأول : الولد في اللغة .
- المطلب الثاني : الولد في الاصطلاحات الشرعية .
- المطلب الثالث : هل يشمل ولد البنت .
المبحث الثاني : في المراد بالزنا وتحريمه وعقوبته ، في أربعة مطالب :
- المطلب الأول : تعريف الزنا .
- المطلب الثاني : تحريمه والوعيد عليه .
- المطلب الثالث : عقوبتــــه .
- المطلب الرابع : آثاره على الفرد والمجتمع .
المبحث الثالث : في المراد بولد الزنا والفرق بينــه وبين ما يشبهه من الحالات الأخرى :
- المطلب الأول : المراد بولد الزنا .
- المطلب الثاني : الفرق بينه وبين ما يشبهه من الحالات الأخرى :
أولاً : ولد الملاعنة ، وفيه مسألتان :
الأولى : التعريف به .
الثانية : الفرق بينه وبين ولد الزنا .
ثانياً : ولد الشبهة ، وفيه مسألتان :
الأولى : التعريف به وأنواعه .
الثانية : الفرق بينه وبين ولد الزنا .
ثالثاً : اللقيط ، وفيه مسألتان :
الأولى : التعريف به .
الثانية : الفرق بينه وبين ولد الزنا .


الفصل الأول : عــدالـــة ولــد الزنــا :
وفيه تمهيد وأربعة مباحث :
التمهيد : وهو في ثلاثة مطالب :
- المطلب الأول : تعريف العدالة :
أولاً : تعريفها لغةً .
ثانياً : تعريفها اصطلاحاً .
- المطلب الثاني : ما ينافي العدالة .
- المطلب الثالث : نظرة الإسلام لولد الزنا .
المبحث الأول : روايتـــه ، في ثلاثة مطالب :
- المطلب الأول : تعريف الرواية .
- المطلب الثاني : شروط الراوي .
- المطلب الثالث : حكم رواية ولد الزنا .




المبحث الثاني : شهادته ، في ثلاثة مطالب :
- المطلب الأول : تعريف الشهادة .
أولاً : تعريفها لغــة .
ثانياً : تعريفها اصطلاحاً .
- المطلب الثاني : شروط الشاهد .
- المطلب الثالث : حكم شهادة ولد الزنا ، وهو مسألتان :
الأولى : شهادته على الزنا .
الثانية : شهادته على سائر الأمور .
المبحث الثالث : ولايتــه :
- المطلب الأول : تعريف الولاية .
- المطلب الثاني : أقسام الولاية وحكم ولاية ولد الزنا لكل قسم .
القسم الأول : الولاية العامة .
القسم الثاني : الولاية الخاصة ، وهو نوعان :
الأول : الولاية في المــــال .
الثاني : الولاية في النكاح .
المبحث الرابع : إمامته في الصلاة ، في ثلاثة مطالب :
- المطلب الأول : تعريف الإمامة .
أولاً : تعريفها لغــةً .
ثانياً : تعريفها اصطلاحاً .
- المطلب الثاني : الأولى بالإمامة .
- المطلب الثالث : حكم إمامة ولد الزنا .

الفصل الثاني : نســب ولــد الزنــا :
التمهيد : وهو مطلبان :
- المطلب الأول : تعريف النسب لغة واصطلاحاً .
- المطلب الثاني : عناية الإسلام بالأنساب .
المبحث الأول : نسب ولد الزنا ، من جهة الأم .
المبحث الثاني : نسب ولد الزنا من جهة الأب ، وهو حالتان :
الحالة الأولى : إذا كانت الأم فراشاً ، وتحتها ثلاث مسائل :
الأولى : تعريف الفراش .
الثانية : شروط الفراش .
الثالثة : نسب الولد في هذه الحالة ، ولها صورتان :
الصورة الأولى : أن لا ينكره صاحب الفراش .
الصورة الثانية : أن ينكره صاحب الفراش .
الحالة الثانية : إذا كانت الأم غير فراش ، ولها صورتان :
الصورة الأولى : أن لا يستلحقه الزاني .
الصورة الثانية : أن يستلحقه الزاني .

الفصل الثالث : أحكــام ولد الزنا في فقــه الأسرة والجنايات والحدود ، وفيه مبحثان :
المبحث الأول : أحكامه في فقه الأسرة ، وفيه ثمانية مطالب :
- المطلب الأول : الإرث ، وفيه أربع مسائل :
الأولى : تعريف الإرث وأسبابه .
الثانية : التوارث بين ولد الزنا وبين أمه ومن أدلى بها .
الثالثة : التوارث بين ولد الزنا وبين أخيه التوأم .
الرابعة : التوارث بين ولد الزنا وبين أبيه ومن أدلى به .
- المطلب الثاني : المحرمية ، وفيه مسألتان :
الأولى : تعريف المحرمية وطرق انتشارها .
الثانية : أثر الزنا في المحرمية .
- المطلب الثالث : تحريم النكاح ، وفيه مسألتان :
الأولى : أسباب تحريم النكاح .
الثانية : أثر الزنا في تحريم النكاح .
- المطلب الرابع : النفقة ، وفيه ثلاث مسائل :
الأولى : تعريف النفقة .
الثانية : على من تجب لولد الزنا ؟
الثالثة : هل تجب على ولد الزنا لأبويه ؟
- المطلب الخامس : الولاية ، وفيه ثلاث مسائل :
الأولى : تعريف الولاية وأقسامها .
الثانية : الولاية على ولد الزنا .
الثالثة : ولاية ولد الزنا على أبويه .
- المطلب السادس : الرضاعة ، وفيه مسألتان :
الأولى : تعريف الرضاعة .
الثانية : رضاعة ولد الزنا .
- المطلب السابع : الحضانة ، وفيه مسألتان :
الأولى : تعريف الحضانة .
الثانية : حضانة ولد الزنا .
- المطلب الثامن : تملك ولد الزنا لقريبه من الزنا ، وفيه مسألتان :
الأولى : حكم من ملك ذي رحم محرم .
الثانية : حكم ولد الزنا في ذلك .
المبحث الثاني : أحكامــه في فقــه الجنايات والحدود ، وفيه أربعه مطالب :
- المطلب الأول : العقل ، وفيه مسألتان :
الأولى : تعريف العقل والمقصود بالعاقلة .
الثانية : من يعقل عن ولد الزنا .
- المطلب الثاني : قتل الوالد بولده من الزنا ، وفيه مسألتان :
الأولى : قتل الوالد بولده مطلقاً .
الثانية : قتله بولده من الزنا .
- المطلب الثالث : سرقة الوالد من مال ولده من الزنا ، وفيه مسألتان :
الأولى : ملكية الأب في مال ابنه .
الثانية : هل للأب ملك في مال ابنه من الزنا .
- المطلب الرابع : إجزاء ولد الزنا الرقيق في الكفارات .

هــذا :
وإنني أحمد اللَّه سبحانه وتعالى على تيسيره وتوفيقه ، ثم لا أنسى أن أشكر كل من مدّ لي يد العون والمساعدة في هذا البحث وأخص بالشكر والديّ الكريمين تولاهما اللَّه بعنايته .
ثم أشكر أستاذي الجليل الشيخ الدكتور / إبراهيم بن ناصر الحمود ، كلأه اللَّه برعايته .
ثم أعم بالشكر كل من دعا لي بخير أو أعانني على خير أو سأل عني مهتماً بي من مشايخي وأسرتي وإخواني .
وأسأل اللَّه سبحانه للجميع الرحمة والمغفرة والتوفيق والهداية ؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه .
وصلى اللَّه وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه .

الباحـث

















وفيه ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : في المراد بالولـد .
المبحث الثاني : في المراد بالزنا وتحريمه ، وعقوبته .
المبحث الثالث : في المراد بولد الزنا والفرق بينه وبين ما يشبهه من الحالات الأخرى .









ويشتمل على ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : الولــد في اللغــــة .
المطلب الثاني : الولد في الاصطلاح الشرعي .
المطلب الثالث : هل يشمل ولد البنت ؟ .

المطلب الأول
الولـــــــد في اللغـــــــــة

الوَلَد ، والوِلْد ، والوُلْد ، والوَلْد( ) ، وهو ( المولود ) ويقع على الواحد والجميع ، والذكر ، والأنثى( ) .
قال في معجم مقاييس اللغة( ) :
" الواو ، واللام ، والدال أصلٌ صحيح وهو دليل النَّجل ، والنَّسل " أهـ .
ويقال للمتبنَّى ولد( ) ، قال تعالى { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً }( ) .







المطلب الثاني
الولد في الاصطلاحات الشرعية

لا يختلف الولد في الاصطلاحات الشرعية كثيراً عنه في اللغة ، فيقصد به النسل شاملاً الذكر ، والأنثى ، قال تعالى : {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}( ) .
كما يشمل أبناء الأبناء ، وإن سفلوا كما وقال تعالى{ يَا بَنِي آدَمَ }( ) ، يخاطب أمة محمد  ، وقال تعالى : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ }( ) يخاطب بذلك من كان في عصر النبي  منهم .
وقال النبي  في حديث سلمة بن الأكوع( ): ( ارموا بني إسماعيل ) ( ) فجعل المخاطبني بنين لجدهم الأبعد ؛ فدخلوا في عموم الأولاد الذي يشمل البنين والبنات .
وقيل بل ذلك مجاز ولا يدخل في الولد في الأحكام الشرعية لأنه ليس ولداً حقيقة ، وعرفاً ، ولهذا يصح نفيه فيقال : ما هذا ولدي ؛ إنما هو ولد ولدي( ) .

المطلب الثالث
هل يشمل ولد البنت

ذهب كثير من العلماء( ) إلى أن لفظ الولد لا يشمل ولد البنت حقيقة ؛ مستدلين بعدم دخولهم في آية ميراث الأولاد :{ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ }( ) ، فدل على أن لفظ الولد لا يشملهم ، كما استدلوا بقول الشاعر :
بنونا بنوا أبنائنا ، وبناتُنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد( )
فهذا يدل على أن ابن البنت ليس ابناً في اللغة والولد يشمل الابن والبنت فلما لم يكن ابن البنت داخلاً في الابن لم يكن داخلاً في الولد .
ولكن بعض أهل العلم ذكروا أن لفظ الولد يشملهم( ) ، بدليل ما رواه أبو بكرة( )  أن النبي  قال : ( إن ابني هذا سيد ) ( ) يعني الحسن بن علي( ) - - ، وهو ابن بنته .


ولدخول حلائل أبناء البنات في قوله تعالى : { وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ }( ). فإذا كان ابن البنت داخلاً في الابن فهو داخل في الولد لأن الابن من الولد( ) .
والأظهر واللَّه أعلم أن ولد البنت يدخل في لفظ الولد لغة من باب المجاز ولكن لا يأخذ أحكامه الشرعية إلا بدليل خاص .











وفيه أربعة مطالب :
المطلب الأول : تعريف الزنا .
المطلب الثاني : تحريمه والوعيد عليه .
المطلب الثالث : عقوبته .
المطلب الرابع : آثاره على الفرد والمجتمع .

المطلب الأول
تعـــــــريـف الزنـــــــــــا

أولاً : تعريف الزنا في اللغة :
الزنا في اللغــة الفجور ، قال في القاموس المحيط " زَنَى يزني زِنىً ، وزِناءً بكسرهما : فَجَر ، وزانى مزاناةً ، وزناءً بمعنـاه ، وفلاناً نسبه إلى الزنا ، وهو ابن زَنية ، وبكسر ابن زنى " ( ) .

ثانياً : تعريف الزنا في الاصطلاح :
وطء الآدمية في القبل من غير عقد ، ولا ملك ، ولا شبهة( ) .
وقيل : الوطء في قبل خالٍ عن ملك وشبهة( ) .
وقيل : إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خالٍ عن الشبهة مشتهى طبعاً( ) .
وقيل : مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حله عمداً( ) .




المطلب الثاني
تحريمه والوعيد عليه

الزنا حرام ، وهو من الكبائر العظام بدليل قوله تعالى : {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً}( ) .
فأخبر اللَّه عن فحشه في نفسه ، - والفاحش القبيح الذي تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول - ثم أخبر سبحانه عن غايته بأنه ساء سبيلاً فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا ، وعذاب وخزي ونكال في الآخرة .
وقال تعالى : {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً}( ) .
فقرنه بالشرك ، وقتل النفس ، وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف مالم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة ، والإيمان والعمل الصالح .
وروى عبداللَّه بن مسعود( ) - - قال : سألت رسول اللَّه  : " أي الذنب أعظم ؟ " ، قال : ( أن تجعل للَّه نداً وهو خلقك ) ، قلت : ثم أي ؟ قال : ( أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ) ، قلت : ثم أي ؟ قال : ( أن تزاني حليلة جارك ) ( ) .
فقرن اللَّه ورسوله الزنا بالقتل لأن مفسدته تلي مفسدة القتل في الكبر فهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب وحماية الفروج ، وصيانة الحرمات وتوقي ما يوقع أعظم العـداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وابنته وأخته وأمه( ) .







المطلب الثالث
عقــــوبتـــه

كان حد الزاني في صدر الإسلام الحبس للثيب ، والأذى بالكلام من التقريع، والتوبيخ للبكر ، قال تعالى : { وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَـهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْـرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً }( ) .
ثم نسخ هذا بما رواه عبادة بن الصامت( )  أن النبي  قال : (خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل اللَّه لهن سبيلاً ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ) ( ) .
وقيل بل نسـخ بالقرآن ؛ للمحصن بآيـة الرجم التي نسخ رسمها وبقي حكمها : ( والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البته ) ( ) ، وللبكر بآية الجلد :
{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ }( ) .

وقد خص اللَّه سبحانه وتعالى حد الزنا بثلاث خصائص :
الأولى : شدة العقوبة إذ هي للمحصن الرجم ، وهو أشنع القتلات ويعم أذاه جميع البدن ، وللبكر الجلد ، وهو عذاب لجميع البدن ، والتغريب ، وهو عذاب للقلب .
الثانية : نهي الناس عن الرأفة والرحمة بالزاني لقوله تعالى : { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ }( ) .
فنهوا عما يمنعهم من إقامة الحد لأن اللَّه تعالى إنما شرع هذه العقوبة رحمة بالناس ، ولم تمنعه رحمته من الأمر بها وهو أرحم بهم من أنفسهم .
الثالثة : أن اللَّه أمر أن يكون الحد بحضور طائفة من المؤمنين ؛ وذلك لمصلحة الحد ، وأبلغ في الزجر( ).



المطلب الرابع
آثاره على الفرد والمجتمع

للزنا آثار شنيعة يُخلِّفها بعده على مستوى الفرد والمجتمع .
فعلى مستوى الفرد :
فالزنا أحد الكبائر الموبقات التي حذر منها النبي  ، بل هو أحد أمرين هما أكثر ما يدخل الناس النار لما رواه أبو هريرة( ) أن النبي  سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال : ( الفم والفرج ) ( ) .
كما أنه أحد أسباب حل دم المسلم المحصن : ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ( ) .
ومن شؤمه على الفرد أنه يوجب الفقر ، ويقصر العمر ، ويسود الوجه ويورث المقت بين الناس ، ويشتت القلب ، ويمرضه إن لم يمته ، ويجلب الهم والحزن والخوف .
والزاني بزنـاه فاته الفـلاح واستحق اسم العدوان ، ووقع في اللوم ، قال تعالي: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ }( ) .
وقد ذكر النبي  أن الزاني يرتفع عنه وصف الإيمان حين يزني ، فعن أبي هريرة  أن رسول اللَّه  قال : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ( ) .
ثم تنتظـره العقوبة الشنيعة يوم القيامة كما في حديث منام النبي  والذي رواه سمرة بن جندب( )  وفيه : ( ... فأنطلقنا فأتينا على مثل التنور قال : وأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات ، قال : فاطلعنا فإذا فيه رجال ونساء عراة فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللَّهب ضوضوا - أي صاحوا من شدة حره - قال فقلت لهما من هؤلاء قال : قالا لي : انطلق انطلق ... - إلى أن قال :- وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني ) ( ) .
أما على مستوى المجتمع :
فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على زوجها ، وأهلها ، ونكست رؤوسهم ، وإن حملت من الزنا ؛ فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل ، وإن حملته على الزوج أدخلت على أهلـه وأهلها أجنبياً ليس منهم فحدث ولا حرج عن ما في ذلك من المفاسد .

أما زنا الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضاً وإن المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد .
فكم في الزنا من استحلال حرمات ، وفوات حقوق ، ووقوع مظالم ، وظهور الزنا من أمارات خراب العالم ومن أشراط الساعة( ) .
قال أنس( ) -  - : سمعت من رسول اللَّه  حديثاً لا يحدثكم به غيري ، قال ( من أشرطـة الساعـة ، أن يظهر الجهل ، ويقل العلم ، ويظهر الزنا ) ( ) ، وقال عبداللَّه بن مسعود : " إذا ظهر الزنى والربا في قرية أذن اللَّه عز وجل بهلاكها "( ) .
ومن أضرار الزنا على المجتمع : تفشي الأمراض المستعصية وانتشارها ، وانتشار البغاء والتكسب بالحرام ، وتفكك الأسر ، والانصراف عن الزواج الذي هو الطريق القويم لبناء المجتمع السليم .
ومن آثار الزنا ونتائجه : كثرة اللقطاء وأولاد الزنا الذي لا يجدون - في الغالب - الرعاية الكافية ، والتربية السليمة ، فيغلب عليهم طابع الانعزال عن المجتمع والعدوانية ،و الحقد على من حولهم ؛ فيكونون بيئة خصبة للجرائم ، والانحراف السلوكي ، إلا من عصمه اللَّه ويسر له يداً حانية تأخذ بيده إلى طريق النور .




ويشتمل على مطلبين :
المطلب الأول : المراد بولد الزنا .
المطلب الثاني : الفـــرق بينه وبين ما يشـبهه مــــن الحالات الأخرى .

المطلب الأول
المـراد بولـد الزنــا

الأصل أن ولد الزنا هو الولد الناتج عن فعل الزنا أي عن إيلاج بفرج محرم ... ـ على ما جاء في تعريف الزنا ـ .
ولكن حكم ولد الزنا أوسع من ذلك فيشمل ما إذا كان الرجل قد جامع المرأة بالفعل ، أو التقى ماآهما بطريقة أخرى كاستدخال المرأة لمني الرجل أو تلقيح مائها به داخل الرحم ، أو خارجه ، بما يسمى التلقيح الصناعي( ).
فنقول إذاً أن ولد الزنا هو:
الولد - ذكراً كان أو أنثى - الذي تخلق من ماء رجل ، وماء امرأة ليس للرجل فيها ملك ، ولا عقد ، ولا شبهة .









المطلب الثاني
الفرق بينه وبين ما يشبهه من الحالات الأخرى

أولاً : ولد الملاعنــة :
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى
تعريفــه
الملاعِنة في اللغة :
الملاعنة اسم فاعل من لاعن يلاعن ، لعاناً ، واللعان في اللغة المباهلة ، وهي أن يلعن كل واحد من الشخصين نفسه أو صاحبه( )، يقال تلاعنوا لعن كل واحد الآخر( ).

أما اللعان في الاصطلاح :
فهو شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين - الزوجين - مقرونة بلعن وغضب ، قائمة مقام حد قذف أو تعزير في جانبه ، أو حد زنا في جانبها( ) ، وقيل : " حلف الزوج على زنا زوجته أو نفى حملها اللازم له وحلفها على تكذيبه إن أوجب نكولها حدها بحكم قاض "( ) .
والمقصود بولد الملاعنة هو : [ الولد الذي ادعى الزوج أنه ليس منه ، وأنه من زنا ، وأنكرت ذلك الزوجة ؛ فتلاعنا لأجله ] .
فهذا الولد - باللعان - لا يلحق الزوج .

المسألة الثانية
الفرق بينه وبين ولد الزنا

ولد الملاعنة لم يثبت أنه من زنا ، بل هو إدعاء من الزوج ، وإنكار الزوجة ، فكان اللعان دارئاً لحد القذف عن الزوج ، ودارئاً لحد الزنا عن الزوجة .
فهو وإن أشبه ولد الزنا في تعذر النسبة إلى أب إلا أنه لا يأخذ حكمه إلا فيما يترتب على ذلك من قيام الأم مقام الأب بالنسبة لهما ؛ فينسبان إلى أمهما( )، ولا يرثان بالنسب إلا منها أو ممن أدلى إليهما بها كالأخ لأم( ). وكذلك كل ما يترتب على النسب من الأحكام .
ويفترقان في أحكام ولد الزنا المترتبة على كونه ناتجاً من زنا ومن ذلك :
1- من وَصَف ولد الملاعنة بأنه ولد زنا - أي قذفه بأمه - طلب منه البينه ، أو يحد حد القذف عند الجمهور المالكية( )، والشافعية( )، والحنابلة( )، بخلاف ولد الزنا .
2- تقبل شهادة ولد الملاعنة في الزنا عند المالكية بخلاف ولد الزنا فإنه لاتقبل شهادته فيه عندهم( ).
3- تكره إمامة ولد الزنا عند بعض العلماء( )- كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه - بخلاف ولد الملاعنة .

ثانياًِ : ولد الشُّـبهة :
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى
التعــريف بـه

أولاً : الشبهة في اللغـة :
هي : " أن لا يتميز أحد الشـيئين عن الآخر لما بينهما من التشـابه عيناً كان أو معـنى "( ) .
قال في القاموس المحيط : " الشبهة بالضم الالتباس والمثل " أ.هـ( ) .


ثانياً : الشبهة في الشرع :
هي : " اشتباه المباح بالمحرم " .
أو : " مالم يُتيقن كونه حلالاً أو حراماً "( ).
والشبهة في الاصطلاح هنا هي : الوطء غير المشروع الذي ظن صاحبه مشروعيته، وولد الشبهة هو الولد الناتج عن هذا الوطء ، والشبهة أنواع :
1- الشبهة في الفعل :
وهـو ما ثبت بظـن غير الدليل دليلاً كظــن حل وطء أمــة أبويه وعرسه ( )- أي زوجته -.
2- الشبهة في المحل :
وهو ما تحصل بقيام دليل ناف للحرمة ذاتاً - أى مع قطع النظر عن المانع - كوطء أمة ابنه( ) ، لقوله  في حديث جابر( ) -  - : ( أنت ومالك لأبيك ) ( ) .
3- الشبهة في الملك :
بأن يظن الموطوءة امرأته أو أمته( ) .











المسألة الثانية
الفرق بينه وبين ولد الزنا

الفرق هنا أن ولد الشبهة ناتج عن وطء غير مؤاخذ به ، فالواطئ معذور بهذه الشبهـة بخلاف الزاني الآثم ، فلا يترتب على وطء الشبهة ما يترتب على الزنا من إثم وحد ؛ لقوله تعالى : { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }( ) ، وإنما الشبهة من الغلط .
ولما روي عن عائشة( ) رضي اللَّه عنها أن النبي  قال : ( ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ) ( ) .
ويترتب على هذا الفرق أن لا يأخذ ولد الشبهة أحكام ولد الزنا ؛ فهو منسوب إلى أبيه الواطئ( ) ؛ ولهذا يحد قاذفه بأمه كما أنه لا خلاف في معاملته معاملة الابن الشرعي في بقية الأحكام كالإمامة ، والشهادة ، والإرث ... الخ .

ثالثاً : اللقيـط :
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى
التعريـف بـه

اللقيط لغة :
فعيل بمعنى مفعول أي ملقوط أو ملتقط من لقط الشيء إذا أخذه من الأرض( ) ، وقد غلب اللقيط على الولد المنبوذ يلتقط( ) .

اللقيط اصطلاحاً :
قيل ( اسم للطفل المفقود وهو الملقى أو الطفل المأخوذ والمرفوع عادة ) ( ) ، وقيل ( صغير آدمي لم يعلم أبواه ولا رقه ) ( ) .
وقيل ( صغير ضائع لايعلم له كافل ) ( ) .
وقيل ( طفل لايعرف نسبه ولارقه نبذ أو ضل ) ( ) .

المسـألة الثانية
الفرق بينه وبين ولد الزنا

وإن كان اللقيط مجهول النسب إلا أن الأصل فيه السلامة وأنه ابن شرعي ما لم يثبت أنه ابن زنا .
ويترتب على هذا أن لا يأخذ أحكام ولد الزنا الآتي بحثها إن شاء اللَّه ، والمترتبة على كونه ابن زنا ، كالخلاف في شهادته .
وكذلك أحكام النسب وما يترتب عليه فإن اللقيط له أحكام خاصة تختلف عن أحكام ولد الزنا لأن اللقيط مجهول الأبوين ، أما ولد الزنا فأمه معروفة ، وأما أبوه فلا يلزم من معرفته انتسابه إليه شرعاً كما سنعرف لاحقاً .







الفصل الأول
عدالــة ولــــد الزنــــا



















وفيه تمهيد وأربعة مباحث :
المبحث الأول : شهادته .
المبحث الثاني : روايتـــه .
المبحث الثالث : ولايتــه .
المبحث الرابع : إمامته في الصلاة .








ويشتمل على ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : تعريف العدالة .
المطلب الثاني : ما ينافي العدالة .
المطلب الثالث : نظرة الإسلام لولد الزنا .



المطلب الأول
تعـريف العـدالـــة

أولاً : تعريفها لغة :
العدالة في اللغة من عَدَلَ يَعْدِلُ عَدْلاً فهو عَادِلٌ ، وعَدْلٌ من عدول( ) .
والعَدْلُ والعدالة الحُكم بالحق ، وهو ضد الجور ، وما قام في النفوس أنه مستقيم ، والعدل من الناس المرضي قوله وحكمه( ) .

ثانياً : تعريفها اصطلاحاً :
عُرّفت العدالة بأنها : [ اجتناب الكبائر ، وأداء الفرائض ، وأن تغلب حسنات المرء سيئاته أو أن يكون صلاحه أكثر من فساده ] ( ) .
وهي : [ صفة توجب مراعاتها الاحتراز عما يخل بالمروءة عادة ظاهراً ] .
وقيل : [ اجتناب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر وفعل الواجبات وعدم الإخلال بالمروءة ] .
وقيل : [ صفةٌ مظنةٌ لمنع موصوفها البدعة وما يشينه عرفاً ، ومعصية غير قليل الصغائر ] ( ) .
وقيل : [ اجتناب الكبائر والإصرارِ على صغيرة ] ( ) .

وقيــل : [ استواء أحوال المرء في دينـه واعتدال أقوالـه وأفعاله ] ( ) ، وقيل : [ العدل من لم تظهر منه ريبة ] .
والمعتبر لها عند الفقهاء أمران :
1/ الصلاح في الدين .
2/ واستعمال المروءة .
وصلاح الدين يكون بأداء الفرائض ، واجتناب الكبائر ، وعدم الاصرار على الصغائر .
والمروءة فعل ما يجمّله ويزينه ، وترك ما يدنسه ، ويشينه( ) .
قال في المصباح المنير :
( وهي - أي المروءة - آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات ) ( ) ا.هـ.



المطلب الثاني
مـا ينـافي العـدالـــة

مما مضى يتبين أن الذي ينافي العدالـة هو الإخلال بأحد ركنيها ، وهما صلاح الدين ، والمروءة .
فصلاح الدين ينافيه ترك الواجبات ، والتهاون بالسنن - عند بعض العلماء - وفعل الكبائر ، والإصرار على الصغائر( ) ، فلا عدالة لفاسق بفعل كزان ، وديوث ، ولا لفاسق باعتقاد كالرافضة والقدرية .
والمروءة ينافيها ما يقدح فيها من الإخلال بالآداب العامة ، وفعل الأمور المزرية ، ومخالفة الأعراف السليمة ، كامتهان الرقص ، ولبس زي يُسخر منه ، والتحدث بما يكون بين الرجل وأهله ، ودخول الحمام بغير مئزر ، وكشف ما جرت العادة بتغطيته من البدن .
أما الحرف الدنئية فلأهل العلم فيها قولان ، والأظهر واللَّه أعلم أنها لا تخل بالمروءة إذا كان معها حسن دين وورع ، وكانت حرفة مباحة ، لأن بالناس إليه حاجة كالحجام والدباغ( ) .

المطلب الثالث
نظـرة الإسلام لولـد الزنا

الإسلام هو دين العدل والرحمة والمساواة ، ولم يكن اللَّه ليظلم أحداً ، أو يؤاخذه بما لم تقترف يداه ، قال تعالى : {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}( ) .
وولد الزنا إنما جنى والداه بجنايتهما الشنيعة ، وهو لم يخلق بعد فكيف يسأل عما جنياه ؟ ، بل هو محل عناية الشارع الحكيم حتى قبل أن يولد ، فإن النبي  رد الغامدية حتى تضع ما في بطنها ثم ردها لترضعه حتى تفطمه ، ثم أمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين( ) .
وقد أوصى عمر -  - بولد الزنا خيراً( ) .
أما ما ورد في ذم ولد الزنا فجميع ذلك متكلم فيه أو مبين المقصود منه ، ومن ذلك ما روته ميمونة بنت سعد( ) مولاة النبي  أن النبي  سئل عن ولد الزنا فقال: " لا خير فيه ، نعلان أجاهد - أو قال أجهز - بهما في سبيل اللَّه أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا "( ) .

وقد قال فيه ابن حزم( ) ( ) [ فيه إسرائيل ضعيف( ) وأبو يزيد مجهول( ) ] .
ومن ذلك ما رواه أبو هريرة أن النبي  قال في ولد الزنا : ( هو شر الثلاثة ) ( ) .
وهــذان الحديثان يجيب عنهما ما قالت عائشة رضي اللَّه عنها لما بلغها أن أبا هريرة  يقول إن رسول اللَّه  قال : ( لأن أمتِّع بسوط في سبيل اللَّه أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا ) وأنه  قال : ( ولد الزنا شر الثلاثة ) ... ، قالت : [ رحم اللَّه أبا هريرة أساء سمعاً فأساء إجابة ، أما قوله ( لأن أمتع بسوط ... ) أنها لما نزلت : { فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ }( ) قيل : يا رسول اللَّه ، ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم ، فقال رسول اللَّه  : ( لأن أمتع بسوط في سبيل اللَّه أحب إلي من آمر بالزنا ثم أعتق الولد ) وأما قوله : ( ولد الزنا شر الثلاثة ) فلم يكن الحديث على هذا ، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول اللَّه  ، فقال : ( من يعذرني من فلان ) فقيل يا رسول اللَّه ، مع ما به ولد زنا فقال  : ( هو شر الثلاثة ) واللَّه عز وجل يقول : { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( )} ( ) .
ثم إن الحديث روي عن عائشة بلفظ (هو أشر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه)( ) .
وروي عن ابن عباس( ) مثله( ) ، فهو على هذا المعنى يكون فيمن أضاف إلى فساد الأصل والنسب فساد العمل .
كما روي عن الحسن البصري( ) - رحمه اللَّه - أنه قال [ إنما سمي ولد الزانية شر الثلاثة أن أمه قالت له لست لأبيك الذي تدعى به فقتلها؛ فسمي شر الثلاثة ] ( ) .
ومن الأحاديث التي قد يفهم منها ذم ولد الزنا ما رواه أبو هريرة  قال قال رسول الله  : ( لا يدخل الجنة ولد زنية ) ، وفي رواية ( ولد زنا ) ، وقد أجيب عنه بأن المراد به من تحقق بالزنا وعرف به حتى صار غالباً عاليه ؛ فاستحق بذلك أن يكون منسوباً إليه فيقال هو ابنٌ له ، كما ينسب المتحققون بالدنيا إليها فيقال لهم بنو الدنيا ، ويقال للمتحقق بالحذر ابن أحذار ويقال للمسافر ابن السبيل( ) .
إذا تبين هذا يتبين أن أكثر ما بُني عليه القدح في ولد الزنا هو ما سبق من آثار وأحاديث إن سلمت من مقال في سندها ما سلمت من مناقشة وما سلمت من معارضة النصوص التي تقرر أن العبد لا يؤاخذ بذنب غيره ، أما بقية ما بني عليه القدح فيه فهـو ما ذكره بعض العلماء من أنه لا أب له يربيه ويعلمه وهذا مردود باليتيم ، ومثله تعليلات أخرى نتطرق إليها في مواضعها إن شاء اللَّه .
وقد كفل الشرع المطهر لهذا الولد حقوقه في هذه الحياة كاملة فلم يفرق بينه وبين الولد الشرعي بشيء إلا في أنه لا ينسب لأب - عند الجمهور - فقد فرض له حقه في الرضاع والحضانة والنفقة ووَرَّثه من أمه ومن أدلى بها ...
وفي مجال الحقوق المعنوية فإن له الصفة المعتبرة كشخص سوي في مجال العدالة وما يدخل ضمنها أو ينبني عليها إذ استوفى ما ينبغي له العناية به من أمر الدين والمروءة .
وكل ذلك سنعرفه إن شاء اللَّه في ثنايا هذا البحث .
























وفيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : تعريف الرواية .
المطلب الثاني : شروط الراوي .
المطلب الثالث : حكم رواية ولد الزنا .






المطلب الأول
تعـريف الروايـــة

أولاً : تعريفها لغة :
قال في معجم مقاييس اللغة [ الراء والواو والياء أصل واحد ثم يشتق منه فالأصل ما كان خلاف العطـش ، ثم يصرف في الكلام لحامل ما يروى منه ، فالأصل رويت من الماء ريَّا ... ثم شبه به الذي يأتي القـوم بعلم أو خبر فـيرويه كأنه أتاهم بريِّهم من ذلك ] ( ) أ.هـ .
فرواية الخبر حمله ونقله .

ثانياً : تعريفها اصطلاحاً :
الرواية اصطلاحاً هي تحمُّل الحديث وأداؤه ، أي : أخذه ممن حدث به عنه ، وإبلاغه إلى الغير( ) .


المطلب الثاني
شـروط الــراوي

يشترط للراوي شرطان رئيسان ليحتج بروايته هما :
1 - أن يكون عدلاً .
2 - أن يكون ضابطاً لما يروي .
والشرط الأول يتحقق بأن يكون مسلماً سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة .
وأما الشرط الثاني فيتحقق بأن يكون عاقلاً متيقظاً غير مغفَّل حافظاً إن حدث من حفظه ، ضابطاً لكتابه إن حدث منه ، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه أن يكون مع ذلك عالماً بما يحيل المعاني( ) . فهذه شروط الراوي إجمالاً .



المطلب الثالث
حكـــــم روايــــــة ولد الزنـا

لا شك أن مدار قبول الرواية على أمرين - كما تقدم - هما العدالة والضبط .
أما الضبط فلا علاقة له بكون الراوي ولد زنا .
وأما العدالة فالحق أن كون الشخص ولد زنا لا يقدح في عدالته ولا يؤثر فيها لأن مدار العدالة على صلاح الدين والمروءة ولا علاقة لشيء منها بذلك .
ثم إن الرواية إخبار فتأخذ حكم الشهادة ، وشهادة ولد الزنا مقبولة على الصحيح .
بل حتى الذين لم يقبلوا شهادته لم يردوها قدحاً في عدالته فيتبين من ذلك قبول روايته إن توفرت فيه شروطها لأنه داخل في عموم الأدلة( ).















وفيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : تعريف الشهادة .
المطلب الثاني : شروط الشهادة .
المطلب الثالث : حكم شهادته ولد الزنا .

المطلب الأول
تعـريـف الشــهادة

أولاً : تعريفها لغة :
[ الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعلم وإعلام ] ( ) ، يقال شهد كذا أي حضره ، وشهد بكذا أي عَلِم وأعلم ، فهو شاهد والجمع شهود ، ومنه قوله تعالى : {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ ...}( ) .
فالشاهد العالم الذي يبين ما علمه( ) .
ومن معنى الحضور قوله تعالى : {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}( ) .

ثانياً : تعريفها اصطلاحاً :
عرفت الشهادة اصطلاحاً بعد تعريفات منها :
1 - إخبار صدق بإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء( ) .
2 - إخبار حاكم من علم ليقضي بمقتضاه( ) .
3 - إخبار الشخص بحق على غيره بلفظ خاص( ) .
4 - الإخبار بما علمه الشاهد بلفظ خاص كشهدت أو أشهد( ).
والتعريف المختار للشهادة هو :
أنها إخبار بحق الغير على الغير أو بأمر عام في مجلس الحكم بلفظ شهدت أو أشهد أو ما يقوم مقامهما .
لأن الإخبار في غير مجلس الحكم رواية ، وفي مجلس الحكم إن كان بحق لأحد على أحد فهو ثلاثة أنواع :
1 - إخبار بحق للمخبر على غيره وهو الدعوى .
2 - إخبار بحق لغير المخبر عليه ، وهو الإقرار .
3 - إخبار بحق للغير على الغير ، وهو أحد قسمي الشهادة .
وإن كان بأمر عام كالإخبار برؤية الهلال فهو القسم الآخر للشهادة .








المطلب الثاني
شــروط الشــاهد

اشترط أهل العلم للشاهد لتقبل شهادته جملة من الشروط ، وهي بوجه عام :
1 - الإسـلام :
فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم والدليل قوله تعالى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ }( )، وقوله : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ }( ) ، والكافر ليس من رجالنا ، ولا ممن نرضى .
وقوله : { وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ }( ) ، والكافر ليس كذلك( ).
ويستثنى من ذلك الاضطرار إلى شهادته قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ... }( ) .
2 - البلـوغ :
فلا تقبل شهادة الصبي لقلة الضبط ، ويستثنى من ذلك شهادة الصبي على الصبيان عند بعض أهل العلم( ) .
3 - الحريــة :
عند الحنفية ، والمالكية ، والشافعية( ) دون الحنابلة( ) .
4 - العقــل :
فلا تصح شهادة المجنون اتفاقاً( ) .
5 - العدالــة( ) :
وتكون بصلاح الدين والمروءة وسبق الحديث عنها في التمهيد لهذا الفصل .
6 - البصـر :
عند الحنفية فقط( ) ، والراجح قول الجمهور( ) في عدم اشتراطه في الشهادة على الأقوال .
7 - النطـق :
عند الجمهور( ) لاشتراطهم لفظ شهدت أو أشهد ، والراجح عدم اشتراط ذلك بل يقبل كل ما يدل على معنى الشهادة من لفظ أو كتابة أو اشارة عاجز وهو رأي المالكية( ) .
8 - انتفاء التهمـة القويـة :
كشهادة الشاهد لعمـودي نسبه أو على عدوه أو بما يجلب له نفعاً أو يدفع عنه ضرراً ( ) .

المطلب الثالث
حكـم شـهادة ولـد الزنـا

وفيه مســألتان :
المسـألة الأولى
شـــــــهادتـه على الزنـا

اختلف العلماء في شهادة ولد الزنا على الزنا إلى قولين :
القول الأول : تقبل شهادته على الزنا .
وهو قول الجمهـور : الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية( ) ، وعليه أكثر أهل العلم ، واستدلوا بما يلي :
أدلة القول الأول :
1 - عموم الآيات والأحاديث في قبول شهادة العدل كقوله تعالى : {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ }( ) .
فلم يُفرق بين ولد الزنا وغيره ولا الشهادة على الزنا وما سواها( ) .
2 - أنه عدل مقبول الشهادة في غير الزنا فيقبل في الزنا كغيره( ) .
3 - أنه تقبل شهادته في القتل ففي الزنا من باب أولى( ) .
4 - أن فسق الأبوين - بالزنا - لا يربو على كفرهما ، وكفرهما غير مانع لشهادة الولد ولا موجب لفسقه ففسقهما أولى( ).
5 - أن ولد الزنا لم يفعل شيئاً يستوجب به حكماً( ) .
6 - أن زنا الوالدين لا يقدح في عدالته( ) لقوله تعالى : { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}( ) .
7 - أن الزاني تقبل شهادتــه إذا تاب وهو فاعل الذنب فالولد كذلك ، بل هو أولى ؛ إذ لا يجوز أن يلزم الولد من الوزر أكثر مما لزم الأب( ) .
8 - أن ولد الزنا تقبل روايته فكذلك تقبل شهادته( ) .
9 - لقولــه تعــالى : {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}( ) ، فإذا كان من إخواننا في الدين فلهم مالنا وعليهم ما علينا( ) .


القول الثاني :لا تقبل شهادته في الزنا .
وهو قول المالكية( ) ، واستدلوا بما يلي :
دليل القول الثاني :
أن ولد الزنا متهم بالحرص على التأسي( ) - أي وجود من يكون مثله في كونه ولد زنا - ، قالوا : إن الإنسان إذا كان له من يشاركه في صفة خفّت عليه المصيبة ؛ لأن المصيبة إذا عمت هانت ، وإذا ندرت وخصت هالت( ) ، فالعادة أن من فعل قبيحاً فإنه يحب أن يكون له نظراء فيه ، كما قال عثمان  : " ودت الزانية لو أن النساء كلهن يزنين "( ) .
فولد الزنا متهم بالرغبة في مشاركة غيره له في كونه ابن زنا مثله( ) ، ومتهم بأنه يود اشتهار الزنا بحيث يصير كالنكاح ، فلا معرة تلحقه فيما ينشأ عنه( ) .
فليس رد شهادته هنا لعدم توفر شرط العدالة بل هو لوجود التهمة وكونه ولد زنا وصف لازم له لا ينفك عنه بطاعة ولا فسق( ) .
وقد ردوا كذلك شهادته في كل ما يتعلق بالزنا كشهادته على القذف واللعان( ) .
وقد أجاب الجمهور عن أدلة القول الثاني من وجوه :
1 - أن ولد الزنا لم يفعل قبيحاً فيجب أن يكون له نظراء فيه( ).
2 - لو سلمنا أنه فعل شيئاً فالعدل لا يحب أن يكون غيره مثله في السوء ، والكلام إنما هو في العدل( ) .
3 - لو سلمنا أنـه يحب ذلك بقلبه فليس بقادح ؛ لأنه غير مؤاخذ به مالم يتحدث به( ) .
4 - أن الزاني لو تاب لقبلت شهادته وهو الذي فعل الفعل القبيح فإذا قبلت مع ما ذكروه من أن من فعل قبيحاً أحب أن يكون له نظراء فولده أولى أن تقبل شهادته لامتناع أن يلزم الولد من وزر والده أكثر مما لزم الوالد، مع أنه لا يلزم الولد شيء( ){وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}( ) .
5 - ما ذكر عن عثمان رضي اللَّه عنه غير ثابت بل غير جائز أن يثبت عن عثمان كلامٌ بالظن عن شيء في قلب امرأة لم يسمعها تتكلم به( ) .
وبهذا يترجح قول الجمهور ؛ لأنهم أحظى بالدليل ، ولأن مناط قبول الشهادة بالعدالة ، وقد اتفق الفريقان على عدم تأثرها بكونه ابن زنا ، وما ذكروه من تهمة فضعيفة على فرض وجودها في العدل ، وللإجماع على قبول شهادة التائب من الذنب وهذا أولى .

المسألة الثانية
شـهادته على سـائر الأمـور

اتفق علماء المذاهب الأربعة على قبول شهادة ولد الزنا في سائر الأمور أي في ما سوى الزنا( ) ؛ لأن مدار الشهادة هو العدالة ، وكما عرفنا فإن كون الشخص ولد زنا لا يقدح في عدالته .
وإنما رد المالكية شهادته في الزنا لما قالوا من التهمة ، وتلك خاصة في الزنا ، وقد عرفنا ذلك والرد عليه في المسألة السابقة .















ويشتمل على مطلبين :
المطلب الأول : تعريف الولاية .
المطلب الثاني : أقسام الولاية وحكم ولاية ولد الزنا لكل قسم .

المطلب الأول
تعـــريف الولايـــة

أولاً : تعريفها لغة :
من ولي يلي وَلْياً ، والوَلْيُ القرب ، والدنو والوليُّ الاسم منه وهو المحب والقريب والصديق والنصير .
ووَلِيَ الشيء ووَلِيَ عليه وِلاية ووَلاية الإمارة والسلطان( ) .

ثانياً : تعريفها اصطلاحاً :
الولاية في الاصطلاح لا تخرج عن المعنى اللغوي ، فنجد أن لها معان لا تخرج عن معنى الإمارة والقرب والنصرة ، فقد عرفت بأنها [ تنفيذ لقول على الغـير شاء أم أبى ] ( ) . فالمراد بالولاية [ تحمل المكلف مسؤوليـة تـدبير أمر من الأمور الشرعية المتعلقة بغيره من عامة المسلمين أو أفرادٍ منهم ] ، كتولي الخلافة ، أو الإشراف على التصرفات المالية لبعض الأشخاص .. الخ.


المطلب الثاني
أقسام الولاية وحكم ولاية ولد الزنا لكل قسم

القسم الأول : الولاية العامة :
المقصود بالولاية العامة هنا ما يتعلق بعامة المسلمين وهذا في أمرين هما الإمامة العظمى والقضاء .

أولاً : الإمامـة العظمى :
وهي رئاسة عامة في الدين والدنيا خلافة عن النبي  ( ) .
وقيل استحقاق تصرف عام على الأنام( ) .
وقد اشترط الفقهاء للإمام شروطاً هي( ):
1 - الإسلام : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }( ) .
2 - التكليف : أي العقل والبلوغ .
3 - الذكورة : لحديث أبي بكرة  أن النبي  قال : " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " ( ) .
4 - الحرية : لأن العبد لا ولاية له على نفسه ، فلا يكون له ولاية على غيره .
5 - سلامة الأعضاء والحواس مما يمنع من النهوض بأمر الإمامة .
وإن اختلفوا في تفصيل ذلك في السمع والبصر والأطراف واشتراط ذلك لابتداء الإمامة في أي شيء أو لدوامها ولكن الضابط هو ما يمنع من القيام بأمور الأمة وما لا يمنع .
6 - أن يكـون الإمام قيماً بأمر السياسة واقامة الحدود والحرب والذب عن الأمة .
7 - العدالـة .
8 - الاجتهاد .
وهذا شرطان عند المالكية ، والشافعية والحنابلة ولا يسقطان إلا عند عدم العدل أو المجتهد( ) . أما الحنفية فجوزوا تولية غير العدل وغير المجتهد ولو مع وجودهما( ) .
9 - النسب :
فيشرط أن يكون قرشيا( ) لحديث : " إن هذا الأمر في قريش "( ) ، فلم يجيزوا أن يتولى غير القرشي الإمامة العظمى ، قالوا لأن الإمامة أعلى المراتب الدينية فاعتبر فيها النسب لحصول التميّز عن الرعية( ) .
فإذا كان الإمام باختيار أهل الحل والعقد فإنه يشترط فيمـن يختارونه أن يكون قرشياً ، إن وجد قرشيُّ جامع للشروط الأخرى ، فإن عدم سقط هذا الشرط .
أما إن استولى بالقهر والسيف فلا خيار في نسبه ولا يخرج عليه لذلك .

وقد خالف بعض العلماء في اشـتراط ذلك محتجـين بما رواه أنس بن مالك  قال : قال رسول اللَّه  : " اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد ... "( ) ، ولكن هذا الحديث محمولٌ على ما إذا استولى بالقهر والسيف ، أو إذا أمِّر في غير الإمامة العظمى كإمارة جيش أو نحوها .

حكم تولي ولد الزنا لمنصب الإمامة العظمى :
من ما مضى يتبين أن تولي الإمام إما أن يكون بالشورى واختيار أهل الحل والعقد ، أو أن يتولى بغير مشورة أهل الحل والعقد بأن يستولي بالقهر والسيف .
أما الحالة الأولى وهي الاختيار : فلا ريب أن الواجب اختيار قرشيِّ تتوفر فيه الشروط ، فإذا عدم ذلك وجب اختيار الأصلح من الناس ، ولكن إن كان هذا الأصلح للتولي ولد زنا فهل يجوز أن يولَّى الإمامة ؟ . ذهب الشافعية إلى أنه إذا عدم قرشيُّ مستجمع للشروط ، قدم المنتسب إلى كنانه ثم المنتسب إلى إسماعيل وهم العرب ثم إلى جرهم - لأنهم أصل العرب ومنهم تزوج إسماعيل عليه السلام ثم إلى إسحاق ، وقيل إذا فقد منتسب إلى إسماعيل وُلِّيَ رجلٌ من العجم( ) ؛ فلا يولّى ولد الزنا لتعذر انتسابه ، بل نص الشافعية على أنه لا يكون إماماً ولا قاضياً( ) .
أما بقية المذاهب فلم يتطرق أصحابها إلى ذلك ولكن قد يُخرَّج على تقديم القرشي على من سواه تقديم النسيب على مجهول النسب .
كما أن ذلك قد يُخرَّج على كراهة الحنفية لإمامة ولد الزنا في الصلاة مع وجود من سواه - كما تقدم - .
أما الحالة الثانية وهي إذا لم يكن للناس خيار في تولّيه - الحالة الثانية - فلا ينظر إلى النسب فيه ، ولا يجوز الخروج عليه لذلك كما لا يجوز الخروج عليه للفسق بل هو أولى( ) .


ثانياً : ولاية القضـاء :
القضاء في اللغة يطلق على معان منها الحكم والصنع والحتم والبيان( ) .
وفي الاصطلاح عرف القضاء بأنه [ إلزام على الغير ببينة أو إقرار أو نكول ] ( ).
وقيل هو : [ صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين ] ( ) .
وقيل هو : [ إلزام من له الإلزام بحكم الشرع ] ( ) .
وقيل هو : [ تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات ] ( ) .
وقد اشترط الفقهاء رحمهم اللَّه لمن يتولى منصب القضاء ما يلي :
1 - الإسلام .
2 - التكليف ويشمل العقل والبلوغ .
3 - العدالة .
4 - الاجتهاد عند الجمهور خلافاً للحنفية .
5 - الحرية .
6 - الذكورية ، وجوز الحنفية قضاء المرأة في غير الحدود .
7 - السلامة مع الموانع( ) .

حكم تولي ولد الزنا للقضاء :
كون الشخص ولد زنا لا يخالف شرطاً من شروط القاضي ، وبناء على ذلك فيجوز أن يتولى ولد الزنا القضاء ، لاسيما إذا كان معروفاً بالعلم والصلاح ، ولم يمنع من ذلك جمهور العلماء .
إلا أن المالكية اختلفوا في ذلك إلى ثلاثة أقوال :
1 - تجوز توليته غير أنه لا يحكم في الزنا ، وهذا قول سحنون( ) ، واستدل بالقياس على عدم قبول شهادته في الزنا - عند المالكية -( ) .
2 - تجوز توليته ويحكم في الزنا وغيره ، وهذا قول أصبغ( ) .
3 - لا يولى مطلقاً ، وهذا قول أبي الوليد الباجي ، وعلل ذلك بأمرين :
1. أن القضاء موضع رفعة وطهارة أحوال كالإمامة( ) .
2. لئلا تتسارع إليه ألسن الناس بالطعن( ) .
أما الشافعية فقد استحبوا كون القاضي معروف النسب( ) ، ولكن مراعاة العلم والتقى عندهم أولى من مراعاة النسب( ) .

والراجح واللَّه أعلم هو :
أن ولد الزنا يلي القضاء ويحكم في الزنا وغيره لأن مناط ذلك العلم والتقى والعدالة وتلك الصفات لا تتنافي مع كونه ولد زنا ، وإذا لم يمتنع تولي العدل ولد الكافر القضاء فولد الزاني أولى أما جهالة النسب فليست بقادح شرعاً ولا تنافي الرفعـة وطهارة الأحوال لأن النسب إنما هو للتعارف لا التفاضل قال تعالى : {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}( ) .
وأما القياس على منع شهادته في الزنا فقياس على غير مسلّم إذ الراجح قبولها .


القسم الثاني : الولايـة الخاصـة :
وهي نوعان :
1 - ولاية المــال .
2 - الولاية في النكاح .
الولاية في المال :
هي رعاية مال الصغير والمجنون والسفيه بما فيه مصلحتهم حتى يرفع الحجر عنهم بلوغ الصبي ورشد السفيه وعقل المجنون ، ويشترط للولاية :
1- العدالة . وقيل يكفي في العدالة أن يكون مستور الحال بأن لا يعلم فسقه .
2- الرشد .
3- الإسلام . إلا في ولاية الأب الكافر العدل في دينه مال ولده( ) .
أما الولاية في النكاح :
فهي : ( تولي أمر تزويج المرأة والصغير والمجنون والنظر في مصلحتهم ) .
والأصل فيمن يتولى ذلك القريب العاصب .
وقد اختلف العلماء في ترتيبهم ، فعند الحنفية والمالكية : يقدم الابن ثم الأب ثم الأقرب فالأقرب حسب ترتيب العصبة في الميراث . وأجاز الحنفية ولاية المرأة خلافا للجمهور .
وعند الحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية يقدم الأب ثم الابن ثم الأقرب فالأقرب ثم السلطان ، وولي الأمة سيدها .
أما الشافعية فقد منعوا تزويج الابن لأمه إلا أن يكون ذا قرابة لها من جهة أخرى أو معتقاً أو قاضياً( ) .
ويشترط للولي شروط هي إجمالاً :
1 - الحرية .
2 - الذكورية عند الجمهور خلافاً للحنفية .
3 - اتفاق الدين .
4 - العقل .
5 - البلوغ .
6 - الرشد وهو المعرفة بالكفء ومصالح النكاح( ) .
7 - العدالة واشتراطها محل خلاف .فذهب الشافعي في أصح قوليه وهو المذهب عند الشافعية ( ) وأحمد في رواية عنه هي المذهب( ) إلى اشـتراطها لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما : " لا نكاح إلا بولي وشـاهدي عدل ، وأيما امـرأة انكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل "( ) ، ولقـول ابن عباس : " لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد "( ) .
ولأنها ولاية نظرية فلا يستبد بها الفاسق كولاية المال .
ولأن الفسق نقص يقدح في الشهادة فيمنع الولاية كالرق( ) .
وذهب أبو حنيفة( ) ومالك( ) والشافعي في القول الآخر( ) ، وأحمد في الرواية الأخرى( ) إلى عدم اشتراطها لأنه يلي نكاح نفسه فتثبت له الولاية على غيره كالعدل . ولأن سبب الولاية القرابة وشرطها النظر وهذا قريب ناظر ، ولأن الفسقة لم يمنعوا من التزويج في عصر الأولين .
ويحمل قوله [ مرشد ] على اشتراط العقل لأن العقل هو أداة الإرشاد الذي يقابل السفه( ) .
أما ما يتعلق بولد الزنا فإننا وبناء على ما تبين من عدم اخلال كونه ولد زنا بعدالته نتبين هنا أنه تصح ولايته للمال ، والنكاح إذا توفرت فيه شروط ذلك( ) ولا يؤثر عليه ما اقترفته أيدي والديه( ) .











ويشتمل على ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : تعريف الإمامة .
المطلب الثاني : أولى الناس بالإمامة .
المطلب الثالث : إمامة ولد الزنا .



المطلب الأول
تعـريف الإمامــة

أولاً : تعريفها لغة :
من أمَّ يؤمُّ أمَّاً ، والأمُّ بالفتح القصد ، يقال أَمّهم ، وأَمّ بهم أي تقدمهم ، والإمام من ائتم به قوم من رئيس وغيره سواء كانوا على الصراط المستقيم ، أو ضالين .
والإمام المثال والقدوة والطريق وقيم الأمر المصلح له والقرآن والنبي ص والخليفة وقائد الجند( ) .

ثانياً : تعريفها اصطلاحاً :
لا يخرج معنى الإمامة في الاصطلاح عن المعني اللغوي فالإمام هو ( الذي يُقتدى به في الصلاة ) ، عن أنس -  - أن النبي  قال : " إنما جعل الإمام ليؤتم به ..." ( ) أي يقتدى به .
وقد عرفها بعض العلماء بأنها : ( ارتباط صلاة مصل بمصل آخر بشروط بينها الشرع ) ( ) . وقيل : [ اتباع مصلِّ في جزءٍ من صلاته غير تابع غيره ] ( ).

المطلب الثاني
أولـى النـاس بالإمامــة

عن أبي مسعود الأنصاري( )-  - قال : قال النبي  : " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه تعالى فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فاقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً ولا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه "( ) .
اتفقت المذاهب الأربعة( ) على تقديم السلطان في الإمامة كالأمير ونحوه إذا كان مقيماً لشروط صحة الصلاة ، ثم تقديم الإمام الراتب في المسجد ، وصاحب البيت في البيت .
أما في حالة عدم وجود أحد منهم فالجمهور على تقديم الأعلم بالسنة وأحكام الدين إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلاة ؛ لحديث عائشة - رضي اللَّه عنها - أن النبي  قـال : " مرو أبا بكر فليصل بالناس "( ) ، وكان في القـوم من هو أقـرأ منه " أقرؤكم أبي "( ) ، ولأن الحاجة إلى الفقه أهم من الحاجة إلى القراءة لأنه يحتاج إليها في جميع الأركان .
والنبي  إنما قدم الأقرأ ؛ لأن أصحابه كان أقرؤهم أعلمهم( ).
وذهب الحنابلة إلى تقديم الأقرأ ؛ لنص الحديث المتقدم " يؤم القوم أقرؤهم" ولأن القراءة ركن لابد منه والحاجة إلى العلم إنما هي إذا عرض عارض مفسد ليمكنه إصلاح صلاته ، وقد يعرض وقد لا يعرض( ).
أما عند استوائهم في العلم والقراءة فالحنفية يقدمون الأورع ثم الأسن ثم الأحسن خلقاً ثم الأحسن وجهاً ثم الأشرف نسباً ثم الأنظف ثوباً ثم يقرع بينهم( ) .
والمالكية يقدمون الأكثر عبادة ثم الأسن في الإسلام ثم الأشرف نسباً ثم الأحسن خَلْقاً ثم الأحسن أخلاقاً ثم الأحسن ثوباً( ) .
والشافعية يقدمون الأورع ثم الأسنّ ثم الأشرف نسباً ثم الأنظف ثوباً وبدناً ثم الأحسن صوتاً وأطيب صنعة ثم يقرع بينهم( ) .
والحنابلة يقدمون الأقدم هجرة ثم الأسن ثم الأشرف نسباً ثم الأقدم هجرة ثم الأتقى والأورع ثم يقرع بينهم( ) .


المطلب الثالث
إمـامـة ولـد الزنـا

بما أن أمر الإمامة على الفضيلة والكمال ، فكل من كان أكمل كان أفضل ، فقد اختلف العلماء في إمامة ولد الزنا مع وجود ولد الرشدة إلى ثلاثة أقوال :
القول الأول :
تكره إمامة ولد الزنا وإن تقدم جاز ، وهذا مذهب الحنفية( )، وبعض الشافعية( ) .
الأدلــة :
1 - قالوا لأنه ليس له أب يثقفه فيغلب عليه الجهل .
2 - ولأن في تقديمه تنفير للجماعة( ) .

القول الثاني :
لا تكره إمامته ولكن يكره أن يكون إماماً راتباً وهذا مذهب المالكية( ) ، والشافعي فقد قال ( أكره أن ينصب من لا يعرف أبوه إماماً لأن الإمامة موضع فضل ، وتجزي من صلى خلفه صلاتهم ) ( ) ورواية عن أحمد( ) .
الدليل : حجتهم في ذلك أن الإمامة موضع فضيلة فكره تقديم من كان فيه شيء من النقائص فيها كالعبد والمرأة .
ولأن الإمامة موضع رفعة ينافس صاحبه ويحسد على موضعه ، ومن كان بهذه الصفة كره أن يعرض نفسه لألسنة الناس ويستشرف الطعن والسب( ).

القول الثالث :
لا تكره إمامته مطلقاً - وهذا مذهب الحنابلة( ) ، وذلك إذا كان مرضياً توفرت فيه صفات الأهلية للإمامة .
الأدلــة :
1 - لقوله تعالى : { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }( ) .
2 - لعموم حديث " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه "( )، فجعل مناط التقديم بالعلم والفضل لا بالنسب .
3 - لقول عائشة : " ليس عليه من وزر أبويه شيء "( ).
4 - لأنه حرٌّ مرضيٌّ في دينه فصحت إمامته كغيره( ) .

الترجيح :
الراجح واللَّه أعلم هو القول الثالث وهو أن من توفرت فيه صفات الأهلية للإمامة من أولاد الزنا لا تكره إمامته ولا أن يكون أماماً راتباً ، وذلك لوجهين :
1 - ما سبق من أدلة القول الثالث .
2 - أن النسب إنما الأصل فيه أنه للتعارف لا للتفاضل .

مناقشة أدلة القول الأول :
1 - أما قولهم أنه ليس له أب يثقفه فيغلب عليه الجهل فيناقش من وجهين :
أ - أن ذلك منقوض باليتيم ليس له أب يعلمه ولا خلاف في إمامته .
ب - أن الكلام هنا في من توفرت فيه صفات العلم والفضل من أولاد الزنا ، أما من لم يكن كذلك فلا ريب في تقديم من هو أفضل منه عليه ولو كان ولد رشدة .
2 - وأما قولهم أن في تقديمـه تنفيراً للجماعة فإنما يكون ذلك ممن كان فيه عيب في ذاته أو فعله لا ممن كان العيب من فعل أبيه ، ثم لو كانت إمامة من زنى أبوه تنفيراً لكانت إمامـة من كفر أبوه أشد تنفيراً ولم يقل بذلك أحد ، فإن حصل أن نفر أحد من ولد الزنا الصالح الفاضل فلا يكون ذلك النفور معتبرٌ شـرعاً إذ لا تزر وازرة وزر أخـرى ؛ فلا تترتب الأحكام على ذلك .

مناقشة دليل القول الثاني :
قالوا إن الإمامة موضع فضيلة فكره تقديمه فيها كالعبد ، وذلك مناقش من ثلاثة وجوه :
أ - أن العبد لا تكره إمامته وإنما الحر أولى منه( ) لما روى ابن عمر( ) رضي اللَّه عنهما قال " لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء - قبل مقدم رسول اللَّه  كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة( )وكان أكثرهم قرآنا "( ).
ب - أن العبد ناقص في أحكامه فلا يلي النكاح ، ولا المال ، ولا تقبل شهادته في بعض الأشياء بخلاف ولد الزنا ، فلو كرهت إمامة العبد لم يجز قياس ولد الزنا عليه( ) .
جـ - أن كون الإمامة موضوع فضيلة لا يتنافى مع كون الإمام ولد زنا إذ تدرك الفضيلة بالعمل والتقى لا بالنسب .

الفصل الثاني
نســــــب ولــــد الزنــــا




















وفيه تمهيد ومبحثان :
المبحث الأول : نسب ولد الزنا من جهة الأم .
المبحث الثاني : نسب ولد الزنا من جهة الأب .









وفيه مطلبان :
المطلب الأول : تعريف النسب لغة واصطلاحاً .
المطلب الثاني : عناية الإسلام بالأنساب .

المطلب الأول
تعريف النسب لغة واصطلاحاً

تعريف لغة :
النَسَب ، والنُِسبة بالكسر والضم القرابة( ) .
قال في معجم مقاييس اللغة : ( النون والسين والباء كلمة واحدة قياسها اتصال شيء بشيء منه النَسَب سمي لاتصاله وللاتصال به ) ( ) .
وهو اشتراك من جهة أحد الأبوين ، وهو نوعان :
1 - نسبٌ بالطول كالاشتراك والصلة بين الآباء والأبناء .
2 - نسب بالعرض كالصلة بين الإخوة والأعمام( ) .
تعريف النسب اصطلاحاً :
لم يذكر الفقهاء تعريفاً خاصاً لمعنى النسب اكتفاءً بشهرة معناه ، ووضوح المقصود به ، وقد عرفه بعض العلماء بأنه:
( عبارة عن مرج الماء بين الذكر والأنثى على وجه الشرع . فإن كان بمعصية كان خلقا مطلقا , ولم يكن نسبا محققا )( )
وعرفه بعض المعاصرين بأنه :
( حالة حكمية إضافية بين شخص وآخر من حيث إن الشخص انفصل عن رحم امرأة هي في عصمة زواج شرعي أو ملك صحيح ثابتين ، أو مشبهين الثابت للذي يكون الحبل من مائه ) ( ) .
فقولنا : ( حالة حكمية ) أي : تقديرية لا يدركها الحس .
وقولنا : ( إضافية ) أي أن تلك الحالة لا تدرك إلا بتعلق مفهومها بشيئين فهي حالة لكل منهما بالنسبة إلى الآخر .
وقولنا : ( من حيث ... ) بيان لسبب تلك الحالة .
وقولنا : ( انفصل عن رحم امرأة هي في عصمة زواج ... ) بيان لأنواع النسب اللاحق ، وهو ما كان عن زواج أو ملك ، أو شبهة .
وقد عـرف الفرضيـون النسب بأنه : ( الاتصال بين إنسانين بولادة قريبة أو بعيدة )( ) .


المطلب الثاني
عناية الإسلام بالأنساب

لما كانت الأسرة هي أساس المجتمع ولَبِنته الأولى ، بصلاحها يصلح المجتمع ، اعتنى الإسلام بها عناية كبيرة وحرص على ترابط أفرادها ترابطاً متيناً قوياً برباط النسب والقرابة الذي هو أهم مقوماتها ، فالنسب من الأمور التي فطر اللَّه الإنسان على الاهتمام بها ، والعناية بأمرها ، فهو محتاج إلى ذلك لحاجته إلى الانتماء .
وقد امتن اللَّه تعالى على الناس بذلك أن جعلهم سلالات يتصل نسبهم بأبيهم الأول وأمهـم الأولى ، ويتفرع من هذه السلالات الشعوب والقبائل ، ليعرف بعضهم بعضاً : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا }( ) .
كما فطر اللَّه الخلق على الميل إلى التزاوج والتكاثر لبقاء النوع الإنساني ، ولكن الإسلام نظم هذه الغريزة بنظام الزوجية والأسـرة حفاظاً على الأنساب أن تختلط أو تضيع .
ومن اهتمام الإسلام بالنسب وعنايته به ، تحديد أحواله وأحكامه وتمييز صحيحه من باطله ، وتنقيحه مما علق به من أمور الجاهلية كالحلف والولاء والتبني ، وإبعاده عن تشريعات الأمم الأخرى الضالة .
وكذلك فقد حرم الإسلام الزنا لما ينتج عنه من اختلاط الأنساب ، وحرم الانتساب إلى غير الأب فعن سعد بن أبي وقاص( )  قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) ( ) .
كل ذلك لئلا يدخل في الأسرة من ليس منها فيختلط بالنساء ويرث ويورث وهو أبعد ما يكون عنها .
وكما اعتنى الإسلام بتنقيح النسب مما ليس منه اعتنى بالحفاظ على المنتسبين من أن يخرجوا من نسبهم ؛ فحرم على الولد نفي ولده عنه وهو يعلم أنه ولده ، وحرم على الولد أن يرغب عن أبيه ، وأنكر ما كان عند أهل الجاهلية من تبرؤ القبيلة من أحد أفرادها لأي سبب من الأسباب ، وهو ما يسمونه بالخليع .
ثم إن الإسلام قد سد الذرائع الموصلة إلى الإخلال بالأنساب واختلاطها ؛ فشرع حد الـزنا زاجراً عن الاعتداء على النسب ، وسد الطرق الموصلة إلى الزنا فأمر بالحجاب ، وغض البصر والعفاف ..، وشرع العدد والاستبراء للتأكد من خلو رحم المرأة من حمل سابق قبل الشروع في النكاح أو التسري ، كما شرع إعلان الزواج والإشهاد عليه ليُعْرفَ والدُ كل مولود .
وتشوَّق الإسلام إلى إلحاق النسب فألحق ولد الشبهة بالواطئ لعذره ، وألحق كل ما ولد على فراش رجل به مالم يتبرأ منه ببينة أو لعان ، وأجاز استلحاق مجهول النسب ما أمكن .
ويكفي لبيان عناية الإسلام بالأنساب أن جعل حفظ النسل والنسب أحد الضروريات الخمس .




















نسب ولد الزنـا من جهـة الأم

اتفقت المذاهب الأربعة على أن نسب ولد الزنا يلحق بأمه كما يلحق ولد الملاعنة بأمه( )، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق ولد الملاعنة بأمه فعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما : " أن النبي صلى الله عليه وسلم لا عن بين رجل وامرأته ، فانتفى من ولدها ، ففرق بينهما ، والحق الولد بالمرأة "( )، وعن عبداللَّه بن عمرو بن العاص( ) رضي اللَّه عنهما : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بميراث ابن الملاعنة لأمه كله لما لقيت فيه من العناء "( ) ، ولأنه يكون ولداً لها بالولادة وهي أمر ظاهر معلوم بخلاف الأب فإن تَخلُّق الولد من مائه بالزنا أمر خفيٌّ الأصل عدم إشهاره فلا يكون ولداً إلا بالفراش وهو أمر ظاهر .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ولد الزنا : ( .. لأهل أمه من كانوا .. ) ( ) .








وفيه حالتان :
الحالة الأولى : إذا كانت الأم فراشاً ، وفيه ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : تعريف الفراش .
المسألة الثانية : شروط الفراش .
المسألة الثالثة : نسبه في هذه الحالة .
الحالة الثانية : إذا كانت الأم غير فراش، وفيه صورتان:
الأولى : أن لا يستحقه الزاني .
الثانية : أن يستحقه الزاني .


الحالة الأولى
إذا كانـت الأم فراشــاً

وهنا ثلاثة مسائل :
المسألة الأولى
تعريـف الفـراش

الفراش لغة :
(الفاء والراء والشين أصل صحيح يدل على تمهيد الشيء وبسطه) ( ) ، والفراش هو ما يفرش( ) ، جمعه فرش ، والمرأة تسمى فراشاً لأن الرجل يفترشها( )، ويُكنَّى بالفراش عن كل واحد من الزوجين( ) .

والفراش اصطلاحاً :
هو المرأة الجائز وطؤها بعقد شرعي ( الزوجة ) ، والأمة الموطوءة عند بعض أهل العلم كما سيأتي تفصيله إن شاء اللَّه تعالى .


المسألة الثانية
شـروط الفــراش

الفراش نوعان :
• فراش نكاح وهي الزوجة .
• فراش ملك وهي الأمة .
فالزوجة يشترط لها لتكون فراشاً يترتب عليه إلحاق نسب ولدها بالزوج :
1 - حصول عقد النكاح سواء كان هذا العقد صحيحاً أو فاسداً ، فإن النسب يلحق في العقد الفاسد لشبهة العقد( ) .
2 - إمكان الوطء عادة - عند الجمهور( ) - وذلك بأن يكونا في بلد واحد أو بلدين قريبين ، بحيث يمكن تلاقيهما ويتصور ذلك في المدة التي بين العقد وبين مجيء الولد .
وعند الحنفية لا يلزم ذلك بل لو تزوج المشرقي بمغربية وأتت بولد، وهما لم يلتقيا أو طلقها في مجلس العقد قبل الدخول وأتت بولد لستة أشهر لحق نسب الولد به( ) .
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية( ) ، وابن القيم( ) تحقق الدخول لا مجرّد إمكانه ؛ فمن طلق قبل الدخول وأتت امرأته بولد انتفى عنه بغير لعان( ) .
3 - أن يكون الزوج ممن يولد لمثله فلا يلحق نسب الصغير الذي لا يتصور منه الوطء ، ولا الخصي ، ولا مجبوب الذكر والخصيتين ؛ لعدم تصور الإنزال منهم، أما من قطع ذكره دون الخصيتين فهو ممن يلحق به النسب لأنه يمكنه الإنزال بالمساحقة لأن الحيوانات المنوية إنما تفرزها الخصيتان ، أما الذكر فهو للتوصيل فقط( ) .
4 - إمكان كون الولد من صاحب الفراش بأن لا تأتي به قبل أقل من مدة الحمل من العقد وهي ستة أشهر على الراجح ولا بعد أكثر مدة الحمل من حين الفرقة بالطلاق أو الوفاة ، عند من يقول بأن لأكثر مدة الحمل حداً محدداً( ) .
أما الأمة فيشترط لها تلك الشروط إلا أنها لا تكون فراشاً بمجرد عقد ملكها ولا بإمكان الوطء بل بثبوته بإقرار السيد بوطئها أو استلحاقه لولد منها( )، وعند الحنفية لا تكون الأمة فراشاً إلا بإقراره بالولد ولو أقر بوطء فإذا أقربه ثم جاءت بآخر لحقه وله نفيه( ) .
وتشترك الأمة مع الزوجة في الشرطين الثالث والرابع .


المسألة الثالثة
نسـبه في هذه الحالـة

ولها صورتان :
الصورة الأولى
أن لا ينكره صاحب الفراش

إذا ولد الولد على فراش بأن توفرت في أمه شروط الفراش ولم ينكره صاحب الفراش فهو ولده وإن إدعاه من ادعاه ، لأن الأصل السلامة وأن الولد ولد شرعي ، والفراش أمر ظاهر بين ، أما الزنا فالأصل فيه الخفاء فلا معوَّل عليه ، وعلى هذا إجماع أهل العلم( ) ، ومستنده ما روته عائشـة رضي اللَّه عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ) ( ) ، وما رواه أبو هريرة  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الولد لصاحب الفراش ) ( ) .
وقد قضى به النبي صلى الله عليه وسلم في الخصومة ، فعن عائشة رضي اللَّه عنها قال : " اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة( ) في غلام فقال سعد : هذا يا رسول اللَّه ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول اللَّه ولد على فراش أبي من وليدته ، فنظر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فرأى شبهاً بيناً بعتبة فقال : ( هو لك عبدُ ؛ الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة( )فلم تره سودة قط( )) .
ومعنى قوله للفراش أي لصاحب الفراش كما بينته الرواية الأخرى وقيل للفراش أي تابع للفراش أو محكوم به للفراش ، أي حكمه تابع للحكم بالفراش، وقيل بل المعنى للزوج لأنه يسمى فراشاً في اللغة( ) ، فكما أن الزوجة فراش له فهو فراش لها ، قال الشاعر :
باتت تعارضه وبات فراشها.. ( )
فالمقصود أن الولد تابع لصاحب الفراش الذي هو الزوج( ) ، سواء كان موافقاً له في الشبه أو مخالفاً ولا يعتبر ولد زنا .

الصورة الثانية
أن ينكره صاحب الفراش

إن أنكر صاحب الفراش أن هذا الولد منه فإما أن تكون أُمّه زوجة أو أمة ، فإن كانت زوجة وأقرت بالزنا أو شهدت عليها البينة الشرعية أقيم عليها الحد ، وكان ولدها ولد زنا ، ويكون حكمه هنا كالحكم إذا كانت أمة غير فراش - الحالة الثانية- وسيأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه .
وإن أنكرت ذلك تلاعنا ويُفَرّق بينهما فرقة أبدية ، والولد يكون ولد ملاعنة لا ولد زنا ، بل يحد من وصفه بذلك بلا بينة على الصحيح( ) وينسب لأمه .
أما إن كانت الأم أمة فراشاً فإنه لا ينتفي عنه نسب الولد إلا إن ادعى أنه كان قد استبرأها بحيضة ولم يطأها ؛ بعدها فيقبل قوله عند الجمهور( ) ، أما إن لم يستبرئها فلا يجوز له إنكاره لاحتمال كونه منه .
فالمقصود أنه إذا انتفى من ولدها باستبراء أو غيره فيكون حكم الولد ملحقاً بحكمه إذا كانت أمه غير فراش لزوال حكم الفراش ، بإنكار صاحبه المعتبر شرعاً، كما في الحرة إن أقرت بالزنا ، لا إن أنكرت ولا عنت .

الحالة الثانية
إذا كانت الأم غير فراش

ولها صورتان :
الصورة الأولى
أن لا يستلحقه الزاني

والحكم هنا أن لا ينسب ولد الزنا لأب بل ينسب إلى أمه باتفاق العلماء( ) ، ويترتب على ذلك ما يترتب على النسب من أحكام كالإرث ، والنفقة والعقل وسيأتي تفصيل هذه الأحكام في الفصل الثالث إن شاء اللَّه تعالى .
وولد الزنا هنا يكون كولد الملاعنة في إنتسابه إلى أمه والتوارث بينه وبينها .


الصورة الثانية
أن يستلحقه الزاني

إذا أقر الزاني بزناه ، وأقر أن هذا الولد منه فهل يلحق به أم لا ؟ قولان للعلماء :

القول الأول
لا يلحق ولد الزنا بالزاني

وهو قول جمهور العلماء من المذاهب الأربعة( ) ، والظاهرية( ) وغيرهم .
أدلة القول الأول :
1- الدليل الأول :
قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روتـه عنه عائشة رضي اللَّه عنها : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ( ) .
وجه الاستدلال :
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل ولداً لغير الفراش كما لم يجعل للعاهر سوى الحجر - وهو الخيبة والحرمان - وإلحاق ولد الزنا بالزاني إلحاق للولد بغير الفراش ، ومخالفة لحرمان العاهر( ) .



2 - الدليل الثاني :
ما رواه عبداللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما أنه لما فتحت مكة على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، قام رجل فقال إن فلاناً ابني عاهرت بأمه في الجاهلية فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ( لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية ، الولد للفراش وللعاهر الأثلب ) ، قالوا وما الأثلب قال : ( الحجر ) ( ) .

وجه الاستدلال :
أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر استلحاق ولد الزنا وعده من أمور الجاهلية ولم يستفسر عن حال الولد : هل هو على فراش أم لا .

3 - الدليل الثالث :
عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا مساعاة في الإسلام من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته ، ومن ادعى ولداً من غير رشـدة فلا يرث ولا يورث ) ( ) .

وجه الاستدلال :
أن النبي صلى الله عليه وسلم ألغى المساعاة في الإسلام : ( وهي الزنا عموماً وقيل في الإماء خاصة كن يسعين لمواليهن فيكسبن لهم بضرائب كانت عليهن ، يقال ساعت الأمة : فجرت وساعاها فلان إذا فجر بها ) ( ) .
ثم إنه بيّن صلى الله عليه وسلم حكم ادعاء ولد الزنا أنه لا يرث ولا يورث ، والإرث من لوازم النسب فيدل على أنه لا يلحق بالمدعي ولم يفصِّل في كون الأم فراشاً أو عدمه بل هو عام ؛ لأن الشرط من ألفاظ العموم .

4 - الدليل الرابع :
عن عبداللَّه بن عمرو بن العـاص رضي اللَّه عنهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن كل مستحلق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته ، فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه ، وليس له مما قسم قبله من الميراث شـيء وما أدرك من ميراث فله نصيبه ، ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره ، وإن كان من أمة لا يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق ولا يرث - وإن كان الذي يدعي له هو ادعاه - فهو ولد زنية من حرة كان أو أمة " ، وفي رواية : " وهو ولد زنا لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة "( ) .

5 - الدليل الخامس :
قــول النبي صلى الله عليه وسلم : (أيما رجل عاهر بحره أو أمة فالولد ولد زنا ، لا يرث ولا يورث) ( ) ، وهذا مثل الذي قبله .

6 - الدليل السادس :
أنه لا يلحق به إذا لم يستلحقه فدل على أنه لايعتبر ابنه شرعاً فلا يلحق به بحال( ) .
7 - الدليل السابع :
القياس على ما لو كانت أمه فراشاً بجامع أنه لا يلحق به إذا لم يستلحقه فلا
يلحقه مطلقاً( ) ، ولأنه ليس بعض الزناة أولى به لحاقهٌ من بعض( ) .
8 - الدليل الثامن :
أن نعمة النسب إنما تكون من جهة الطاعة لا من جهة المعصية فلا تنال بالزنا( ) .

القول الثاني
يُلحق ولد الزنا بالزاني إذا استلحقه ولم يكن فراش ولاشبهة

وهو قول إسحاق( ) ، وعروة بن الزبير( ) ، وسليمان بن يسار( ) ، والحسن البصري( ) ، وابن سيرين( ) ، وإبراهيم النخعي( ) في رواية( ) ، وعطاء( ) ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية( ) .
وروي عن أبي حنيفة أنه قال : " لا أرى بأساً إذا زنى الرجل بالمرأة فحملت منه أن يتزوجها مع حملها ويستر عليها والولد ولدٌ له " أ.هـ( ) .

أدلة القول الثاني :
الدليل الأول :
أن عمر بن الخطاب -  - كان يليط أولاد الجاهلية - أي يلحقهم- بمن ادعاهم في الإسلام( ) .
الدليل الثاني :
خبر جريج الذي رواه أبو هريرة  في الصحيحين وفيه أن جريَج قال للغلام الذي زنت أمه بالراعي : " من أبوك يا غلام " ، قال : " فلان الراعي"( ) ، وهذا انطاق من اللَّه لا يمكن فيه الكذب( ) ؛ فدل على إثبات الأبوة للزاني .
الدليل الثالث :
القياس فإن الأب أحد الزانيين فإذا كان يلحق بأمه ، وينسب إليها ويرثها ، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به ، وقد وجد الولد من ماء الزانيين ، وقد اشتركا فيه ، واتفقا على أنه ابنهما ، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غيره ؟ فهذا محض القياس( ) .
الدليل الرابع :
أن الشارع متشوف لإلحاق الأنساب وإنما نفى التحاق الولد بالزاني عند وجود صاحب الفراش غير المنكر له ؛ لأن الفراش أقوى من الزنا فهو ظاهر وهو الأصل ومصلحة الولد ، أما عند عدم ذلك فإنه لاشيء ينازع إلحاقه بالزاني فيكون الإلحاق أولى من ترك الولد بلا أب ولا نسب فيكون هو مصلحته هنا .
مناقشة الأدلة :
مناقشة أدلة القول الأول :
1- نوقش الدليل الأول وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ، بأنه لم يحصر الولد على الفراش بل هو حكم في حالة الفراش( ) ، أن الولد يضاف إليه فلم يتطرق لحالة عدم الفراش ، وأما ادعاء أنه لم يجعل للزاني سوى الحجر وهو الحرمان أو الرجم فليس بصحيح للإجماع على أن الزاني غير المحصن يستحق الجلد ؛ فدل على أنه لا يقصد أن الزاني لا يستحق شيئاً سوى الحجر مطلقاً ، ولكن المعنى أنه لاشيء له في هذه الحالة لوجود من هو أقوى منه في ادعاء الولد وهو صاحب الفراش .
2 - ونوقش الدليل الثاني : بأنه محمول أيضاً على حالة الفراش بدليل ذكر النبي صلى الله عليه وسلم له : ( الولد للفراش .. ) ، وعدم الاسـتفسار قد يكون لعلم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضية، كما في قصة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة المتقدمة في الصورة الأولى من الحالة الأولى .
3 - وأما الدليل الثالث : ففي إسناده رجل مجهول فلا تقوم به حجة( ) .
4 - وأما الدليل الربع : ففي سنده مقال لأنه من طريق محمد بن راشد المكحول( )، وقد تُكُلَّم فيه واختلفت فيه آراء العلماء بين موثق وقادح وقد ذكر ذلك الإمام ابن حجر( ) في تهذيب التهذيب وأورد أقوال أهل الحديث فيه( ) ، وقال عنه في التقريب [ محمد بن راشد المكحول الخزاعي الدمشقي، نزيل البصرة ، صـدوق يهم ، ورمي بالقدر، من السابعة ، مات بعد الستين ] أ.هـ( ) .
قال الإمام ابن القيم في هذا الحديث وهذه المسألة بعد أن ذكر أن فيه مقالاً [ فإن ثبت هذا الحديث تعين القول بموجبه والمصير إليه ، وإلا فالقول قول إسحاق ومن معه واللَّه المستعان ] أ.هـ( ) .
5 – والدليل الخامس : في سنده ابن لهيعـة وقيه مقال معروف قال عنه في التقريب : [ صدوق من السابعة ، خلط بعد احتراق كتبه ] ( ) ، ولكن الترمذي( ) قال : [ وقد روى غير ابن لهيعة هذا الحديث عن عمرو بن شعيب( ) ، والعمل على هذا عند أهل العلم ] ( ).
6 - أما الدليل السادس : وهو الاستدلال بأنه لا يلحق به إذا لم يستلحقه على أنه لا يعتبر ابنه شرعاً ويناقش بأن كون الولد ناتج عن الزاني بالزنا أمر خفي لا يعرف فلابد فيه من الإقرار والاستلحاق ، ثم إن من ادعى مجهول النسب ولم يقل أنه من زنا أُلحق به وهو لا يلحقه لو لم يستلحقه .
7 - ويناقش الدليل السابع : وهو القياس على ما لو كانت أمه فراشاً بجامع أنه لا يلحقه إذا لم يستلحقه بأمرين :
أ - أنه قياس مع الفارق فإنه مع الفراش لا ينظر إلى استلحاقه لوجود ما هو أقوى منه ، كما لا ينظر إلى إلحاق القافة ونحو ذلك ، وهذا غير موجود هنا .
ب - أن القياس يبنى على اشتراك الأصل والفرع في وصف يكون هو علة الحكم في الأصل ، وليس الوصف هنا - وهو أنه لايلحقه إذا لم يستلحقه- هو علة أنه لا يلحقه مطلقاً في حالة الفراش بل العلة هي وجود الفراش وهو غير موجود هنا فلا يستقيم القياس .
مناقشة أدلة القول الثاني :
1 - نوقش الدليل الأول : وهو إلحاق عمر أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام بأنه خاص بما كان قبل الإسلام دون ما بعده( ) .
2 - أما حديث جريج والغلام : فالمقصود فيه السؤال عن المتسبب في وجود الغلام لا الأب الشرعي الذي ينسب له شرعاً ويرث منه فالمقام لا يقتضيه ، فهو مثل قول عبداللَّه بن عمرو بن العاص راوي الحديث : ( قضى أن كل مستحلق استحلق بعد أبيه الذي يدعي له ادعاه ورثته فقضى أن كل من كان .. ) الحديث( ) ، فالمقصود بالأب هو من يُدعى له الابن عند الناس ولا يلزم أن ينسب إليه شرعاً .
ثم إن الحديث في من كان قبلنا فلا يكون حجة إلا عند عدم وجود ما يعارضه في شرعنا وقد وجد .
3 - ونوقش دليل القياس من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول :
أنه قياس في مقابلة نص فلا يلتفت إليه .
الوجه الثاني :
أن النسب أمر حكمي شرعي لا يثبت إلا باعتبار الشارع فلا يثبت بالدليل العقلي ولم يعتبر الشارع الزنا موجباً للنسب .
الوجه الثالث :
أنه لا يكفي كون الولد تخلق من ماء الواطئ سبباً للنسب بل السبب المعتبر شرعاً هو أن يولد على فراش شرعي للواطئ بدليل عدم اعتبار مجرد التخلق من الماء في حالة الفراش بخلاف الأم فإن الولد ينسب إليها بسبب الولادة مطلقاً بالإجماع فهذا قياس مع الفارق .
4 - ونوقش الدليل الرابع : بأن أدلة نفي لحوق النسب بالزاني عامة في حالة الفراش وغيرها ، ولا دليل على التخصيص ، ثم إن النسب أمر شرعي يستفاد من قول الشارع لا من سكوته فليس شرط إلحاق النسب هو عدم المنازع فحسب بل هو وجود دليل اعتبار سبب الإلحاق فكيف وقد ورد إلغاء ذلك السبب .
ثم إن الحاق الولد بالزاني ليس من مصلحته لأن العار يلحقه بذلك( ) .

الترجيح :
1 - تبين من ما مضى أن أشهر حديث بالباب ، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ( ) ، ليس فيه دلالة صريحة على جواز إلحاق ولد الزنا بالزاني عند عدم الفراش ولا على عدم جوازه ؛ لأنه حكم في واقعة معينة يجري على مايشبهها من الوقائع ، وهي حالة وجود الفراش الشرعي .
2 - ولاشك أن الشارع الحكيم متشوِّف لإلحاق الإنساب ، وهذا الأمر من مقاصد الشريعة المعروفة عند أهل العلم ، فلا يسأل مستلحق لولدٍ مجهول النسب عن سبب استلحاقه ، بل يعامل على الأصل وهو تقدير السلامة ، ويترتب على هذا الأمر - وهو تشوف الشارع لإلحاق الأنساب - أن ينسب كل ولد مجهول النسب إلى مدعيه مطلقاً ويعتبر هو الأصل إلا إن امتنع إلحاقه بذلك المدعي عقلاً أو شرعاً ، فالذي يمتنع عقلا هو استلحاق الشخص لمن هو أكبر منه أو مساوٍ له أو أصغر منه بقدر يسير أقل من عمر من يتصور منه الوطء والإنزال .
أما الذي يمتنع شرعاً فهو ما ورد به النص الصحيح بمنع النسب صريحاً كمنع استلحاق الزاني للولد في حالة الفراش .
3 - فيبقى مدار المسألة على وجود النص الواضح الصحيح في منع إلحاق الولد بالزاني في هذه الحالة أو عدم الوجود ، فعند وجود هذا النص فلا يصار إلى غيره كما تقدم في كلام ابن القيم ، وعند عدم وجوده فالأصل المترجح هو الإلحاق لعدم المانع الشرعي والعقلي ، ولمصلحة الولد الظاهرة .
4 - وأقوى دليل في المسألة هو الدليل الثاني والدليل الرابع والخامس ، أما الثاني فهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية ، الولد للفراش وللعاهر الأثلب ) قالوا : وما الأثلب . قال : ( الحجر ) ( ) ، فهذا الحديث رجاله ثقات( ) .
وقد ورد بصيغة العموم وهي النكرة في سياق النفي : ( لا دعوة في الإسلام) والدِّعوة بكسر الدال هي ادعاء الولد أي لا دعوة بالزنا في زمان الإسلام ، ثم ذكر أن الولد للفراش وللعاهر الحجر ، ولكنه قد ورد في حادثة معينة فهل كانت مع وجود الفراش فيحمل عليه ، أم لا وهل يدل قوله : ( الولد للفراش ) على وجود الفراش هناك واللَّه أعلم .
وأما الدليل الرابع : فهو قضاؤه صلى الله عليه وسلم في الولد المسـتلحق بعد أبيه الذي رواه عبـداللَّه بن عمرو بن العاص وفيه : ( .. وأن كان من أمة لم يملكها ، أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق ولا يرث - وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه - فهو ولد زنية من حرة كان أو أمة) ( ) ، وهذا أوضح في الدلالة ؛ لأنه قضاء عام لا في قضية خاصة ، ولكن مدار الاحتجاج به على قبول روايته على ما سبق فمن صحت عنده فلا محيد له عنه ، وإنما كان الكلام في سنده على محمد بن راشد المكحـول والأظهر واللَّه أعلم قبول روايته ، وعلى هذا فقد حسنه بعض المحققين المعاصرين( ).

وأما الدليل الخامس : وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث ) ، فهو حديث صحيح( ) .
وقال الترمذي : ( والعمل على هذا عند أهل العلم )أ.هـ .
ولا يضره أنه من طريق ابن لهيعة لأنه روى من طريق آخر يعضده كما ذكر الترمذي( ) .
فبهذه الأحاديث الثلاثة يترجح لدي - واللَّه أعلم - القول الأول قول الجمهور ، أن ولد الزنا لا يلحق بالزاني مطلقاً وأن الزنا لا يصلح طريقاً لاستلحاق الولد وأن ذلك من أمر الجاهلية .
ولكن من دخل في الإسلام من غير المسلمين إذا كان لهم أولاد ، من غير زواج فاستلحقوهم فالأظهر واللَّه أعلم أنهم يلحقون بهم ؛ لما سبق من قضاء عمر ، ولأنهم يعتقدون حلَّه قبل إسلامهم ، ولأن الإسلام أقرّ الناس على أنسابهم مع انتشار السفاح وكثيرٍ من الأنكحة الباطلة في الجاهلية ، وقد نص المالكية على ذلك( ) .
وكذا إذا استلحق شخص ولداً مجهول النسب ولم يذكر أنه من الزنا فيلحق به لأن الأصل تقدير السلامة والشارع متشوف لإلحاق الأنساب فلا يُسأل المستلحق عن سبب استلحاقه واللَّه أعلم .


أثر القرائن في نسب ولد الزنا :

بناءً على القول بعدم إلحاق ولد الزنا بالزاني ؛ فإنه لا أثر للقرائن في نسبه فحتى لو أثبِت أن هذا الولد متخلّق من ماء هذا الزاني بقول قائف أو بإحدى الوسائل الطبية الحديثة فإنه لا عبرة بهذا الإثبات ؛ فإن النسب لم ينف عن الزاني لعدم التيقن بكونه منه ، بل لأن الزنا لا يصلح طريقاً للنسب شرعاً ، ولأن الزاني لا يستحق الإنعام عليه بإثبات أبوته للولد ، إذ ليس له إلا الحَجَر أي الخيبة والخسارة .

أما على القول بإلحاق الولد به ، فلا يحتاج إلى تلك القرائن للإلحاق ، فيكفى أن يستلحق الزاني الولد من غير وجود معارض أقوى - الفراش - للحكم بإلحاقـه ؛ لأن لحوق الولد على هذا القول حكم شرعي سببه الاستلحاق وعدم المعارض ، فلا يزول الحكم الثابت شرعاً بتلك القرائن ، فيكون حكمه كحكم مجهول النسب إذا ادّعاه شخص ولم يقل أنه من الزنا ، وأمكن عقلاً كونه منه ؛ فإنه يلحق به من غير اعتبار للقرائن .
أما إذا أثبتت القرائن أنه منه ولم يستلحق فإنه لا يلحق به لأن النسب لا يلحق إلا بالفراش أو الاستلحاق .

















وفيه مبحثان :
المبحث الأول : أحكامه في فقه الأسرة .
المبحث الثاني : أحكامه في فقه الجنايات والحدود .













وفيه ثمانية مطالب :
المطلب الأول : الإرث .
المطلب الثاني : المحرميَّة .
المطلب الثالث : تحريم النكاح .
المطلب الرابع : النفقــــة .
المطلب الخامس : الولايــة .
المطلب السادس : الرضــاعة .
المطلب السابع : الحضانة .
المطلب الثامن : تملك ولد الزنا لقريبه من الزنا .











وفيه ثلاثة مسائل :
المسألة الأولـى : تعريف الإرث وأسبابه .
المسألة الثانية : التـــــــــوارث بين ولد الزنا وبين أبيه – الزاني – ومن أدلى به .
المسألة الثالثة : التوارث بين ولد الزنا وبين أخيه التوأم .
المسألة الرابعة : التوارث بين ولد الزنا وبين أمه ومن أدلى بها .

المسألة الأول
تعريف الإرث وأسبابه

أولاً : الإرث لغة :
مصدر ورث يرث ورثاً وإرثاً ، وهو الأصل والبقية من كل شيء ، والأمر القديم توارثه الآخر عن الأول( ) .
قال في معجم مقاييس اللغة :
(وهو أن يكون الشيء لقوم ثم يصير إلى آخرين بنسب أو سبب) ( ) أ هـ .
ومن المعنى اللغوي قوله صلى الله عليه وسلم (قفوا( ) على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث ابيكم إبراهيم) ( ) ، أي أصله وبقية منه .
و( العلماء ورثة الأنبياء ) ( ) لأن العلم انتقل إليهم بعد الأنبياء .

ثانياً : الإرث اصطلاحاً :
عُرف الإرث بأنه ( حق قابل للتجزؤ ثبت لمستحقه من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها ) ( ) .
وقيل ( انتقال مال الغير إلى الغير على سبيل الخلافة ) ( ) ، وقيل ( خلافة المتصل بالميت اتصال قرابة أو نكاح أو ولاء في ماله وحقه القابل للخلافة ) ( ) .
ولعل هذا التعريف هو أرجح التعريفات لما فيه من الدقة بذكر أسباب الإرث ولشموله ما يدخله الإرث من مال وحق .

ثالثاً : أسباب الإرث( ) :
أسباب الإرث قسمان :
- أسباب متفق عليها .
- وأسباب مختلف فيها .
فالأسباب المتفق عليها ثلاثة :
1 – النكـاح :
وهو ( عقد الزوجية الصحيح وإن لم يحصل وطء ولا خلوة ) .
فخرج به وطء الشبهة والزنا فليسا بعقد والنكاح فاسد فلا أثر له في الإرث .
ويتوارث به الزوجـان من الجانبين ، لقوله تعالى :{ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } إلى قوله { وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ً}( ) .
2 - الولاء :
وهو ( عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق ) وتدخل فيه جميع وجوه العتق منجزاً أو معلقاً ، تطـوعاً أو واجباً ، بايلاء أو غيره ، ولو بعـوض ؛ لما روى ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما الولاء لمن أعتق ) ( ) .
والإرث به من جانب واحد وهو جانب المعتق ؛ لأن الإنعام من جهته فقط فاختص به ، والذي يرث فيه المعتق ثم عصبته المتعصوبن بأنفسهم ، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية يرث العتيق عند عدم الورثة( ) .
3 - النسب :
وهو القرابة، وهي ( اتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة ).
ويشـمل الأصول وهم الآباء والأمهات ، والأجداد والجدات ، والفروع وهم الأولاد ، وأولاد البنين وإن نزلوا ، والحواشي وهم الإخوة وبنوهم وإن نزلوا ، والأعمام وإن علوا ، وبنوهم وإن نزلوا .
ويورث به من الجانبين تارة كالابن مع أبيه يتوارثان ومن جانب واحد تارة كأم الأم من ابن بنتها ترثه ولا يرثها .
أما الأسباب المختلف فيها فهي إجمالاً :
1 - جهة الإسلام ( بيت المال ) .
2 - الموالاة والمعاقدة .
3 - إسلام الشخص على يدي آخر .
4 - الالتقاط .
وليس هذا مجال التفصيل فيها( ) .

المسألة الثانية
التوارث بين ولد الزنا وبين أبيه – الزاني –
ومن أدلى به

التوارث بين الولد والأب متفرع عن وجود سبب الإرث وهو النسب ، ولما كان ولد الزنا غـير منسوب شرعاً إلى الذي تكوّن من مائه فلا توارث بينهما لانعدام سبب الإرث ، فلا يرث الولد ومن تفرع منه من هذا الأب ولا ممن أدلى به كالجد والعم والأخ لأب ، كما لا يرث الأب ولا من أدلى به من هذا الولد ولا ممن تفرع منه( ) .
هذا على قول الجمهور ، أما عند من قال بأن ولد الزنا إذا لم تكن أمه فراشاً وادعاه الزاني أنه يلحق به( ) ، فإنه يترتب على هذا القول ثبوت التوارث بينهما في هذه الحالة لوجود سبب الإرث( ) .



المسألة الثالثة
التوارث بين ولد الزنا وبين أخيه التوأم

إذا زنت المرأة فولدت توأماً ثم مات أحدهما وترك الآخر فقد اختلف العلماء في إرثه منه إلى قولين :
القول الأول :
أنه يرثه ميراث الأخ لأم ، وهذا قول الحنفية( ) ، والمشهور عند المالكية( ) ، والشافعية( ) ، والصحيح من مذهب الحنابلة( ) لإنهما وإن كانا من صلب رجل واحدٍ إلا أنهما غير منسوبين إليه فلا يأخذان حكم الشقيقين لأن الشقيقين هما المنتسبان إلى أب واحد نسبة صحيحة .
أما هذا فلا أب لهما وليس بينهما نسب إلا بالأمومة .
القول الثاني :
أنه يرثه ميراث الأخ الشقيق ، وهذا مقابل المشهور عند المالكية( ) ورواية عن الإمام أحمد( ) لأنهما مخلوقان من ماء رجل واحد يقيناً وإن لم ينسبا إليه ، فهما إذا اشتركا في صلب رجلٍ واحدٍ ورحم أمٍ واحدة كان ذلك معنى مناسباً لقوة قرابتهما التي تعطيهما حكم الشقيقين .

المسألة الرابعة
التوارث بين ولد الزنا وبين أمه ومن أدلى بها

أولاً : ميراث ولد الزنا من أمه وممن يدلي الولد إليه بها :
ولد الزنا كغيره من الأولاد من جهة إرثه من أمه ؛ لأنه ولدها فيدخل في عموم قول اللَّه تعالى : {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ... الآية}( )، ولأنه منسوب إليها والنسب هو سبب الإرث .
وهو كابن الملاعنة وقد ورد في خبرها الذي رواه سهل بن سعد الساعدي( )  قال ( وكانت حاملاً ، فأنكر حملها ، وكان ابنها يدعى إليها ، ثم جرت السنة في الميراث أنه يرثها وترث منه ما فرض اللَّه لها ) ( ) وليس لأهل العلم خلاف في ذلك فلم يفردوه ببحث( ) .
والمقصود بمن يدلي الولد إليه بالأم : الأخ لأم ، وكذلك بقية أقارب الأم على القول بتوريث ذوي الأرحام .
ثانياً : ميراث الأم من ولدها من الزنا :
البحث في هذه المسألة إنما هو في حالة عدم إلحاق ولد الزنا بأبيه ، وهذا مطلقاً عند الجمهور .
وعلى رأي اسحاق ومن معه في غير ما إذا كانت أمه غير فراش واستلحقه الزانى .
فالبحث هنا فيمن انقطع نسبه من جهة الأب إذا مات كيف يكون التوريث منه ؟ .
وحكمه هنا كحكم ولد الملاعنة لأن كل منهما انقطع نسبه من جهة الأب ، وهو محل خلاف بين أهل العلم .

تحـرير محـل الـنزاع :
1 - إذا كان لولد الزنا عاصب من جهة الفرع الوارث وهو الابن أو الأبناء منفردين أو مع البنات فلا خلاف بين أهل العلم أنه يعطى لأهل الفروض فروضهم والباقي لهذا العاصب( ) لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) ( )، ولا شك أن الابن هو أولى العصبة هنا فهذا ليس بمحل نزاع ، وكذلك إذا كان له عاصب بالولاء( ) .
2 - أن لا يكون له عاصب من الفرع الوارث وهذا هو محل النزاع فقد اختلف العلماء فيما يتبقى بعد الفروض أو بعبارة أخرى اختلفوا فيمن يعصِّب ولد الزنا إن لم يكن له عاصب من الفرع الوارث .
وأهل الفروض هنا لا يخرجون عن ستة أصناف :
1 - الأم .
2 - الجدة من جهة الأم .
3 - ولد الأم ويشمل الأخ والأخت لأم فأكثر .
4 - الزوج أو الزوجة فأكثر .
5 - البنت فأكثر .
6 - بنت الابن فأكثر .
وهذه الحالة ( حالة عدم العاصب من الفرع الوارث ) لا تخلو القسمة فيها إما أن تكون عادلة أو عائلة أو زائدة فمثال العادلة هي أن تموت بنت الزنا عن زوج وأم وأخ لأم فالمسألة من سـتة للزوج النصف ثلاثة ، وللأم الثلث اثنان ، وللأخ لأم السدس واحد ، فالمجموع ستة .
ومثال العائلة هو كأن تموت بنت الزنا عن زوج وأم وبنت ، وبنت ابن فالمسألة من اثنا عشر للزوج الربع ثلاثة وللأم السدس اثنان ، وللبنت النصف ستة ، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين اثنان فالمجموع ثلاثة عشر ومثال الزائدة أن يموت عن أم فقط أو عن أم وبنت أو أم وأخ لأم .
فأما العائلة والعادلة فليستا بمحل نزاع إذ لا باقي فيها فلا يحتاج إلى عاصب أما الزائدة وهي التي يبقى فيها باقٍ فهي محل النزاع ، وقد ذكر أهل العلم هذا النزاع في ميراث ابن الملاعنة وقالوا أن الحكم في ميراث ولد الزنا كالحكم في ابن الملاعنة( ) لانقطاع نسب كل واحد منهما .

أقوال العلماء في عصبة ولد الزنا( ) :
القول الأول :
أنه يورث كغيره ممن يموت ولا عاصب له فيأخذ كل ذي فرض فرضه ، والباقي يرد على أصحاب الفروض عند من يقول بالرد أو يصرف إلى بيت المال عند من يرى ذلك ، فلا تكون أمه ولا عصبتها عصبة له .
وهذا مذهب جمهور أهل العلم .
فهو مذهب زيد بن ثابت( ) ، وأحد الروايتين عن علي( ) ، وهو مروي أيضاً عن كل من ابن عباس( ) ، وابن مسعود( ) - رضي اللَّه عنهم - .
وهو قول أكثر فقهاء الأمصار( ) كسعيد بن المسيب( ) ، وعروة بن الزبير ، وسليمان بن يسار ، والزهري( )( ) .
ولعل مصدر الاختلاف هو إما رجوع من يروى عنه في رأيه أو ضعف بعض الروايات، أو خطأ في فهم الراوي .
فإن بعض من يروى عنهم أنهم قالوا أن عصبة الولد هم عصبة أمة ربما أنه ما قال ذلك إلا فيمن ماتت أمه قبله كالمروي عن علي في ولد المرجومة في الزنا ، وسيأتي بيانه إن شاء الله .
وهو مذهب الحنفية( ) ، والمالكية( ) ، والشافعية( ).
أدلة القول الأول :
1 - عموم قوله تعالى : { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ }( ) وهذه أم وكل أم لها الثلث فهذه لها الثلث( ) .
2 - جاء في خبر المتلاعنين عند النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين : ( وكانت حاملاً فأنكر حملها وكان ابنها يدعى إليها ، ثم جرت السنة في الميراث أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها ) ( ) ، والله تعالى قد فرض لها الثلث ، أو السدس لا أن تكون عاصبة .
3 - أن اثبات العصوبة لقوم الأم إبطال الحكم الثابت بالنص ، وذلك أن الله تعالى شرط لتوريث الأخ لأم أن يكون الميت كلالة مطلقة ، فلا يكون له فرع وارث ، وعلى القول بأن عصبة الأم عصبة للولد إذا مات الولد وترك ابنة وأخا لأم يكون النصف للابنة ، والباقي للأخ لأم بالعصوبة ، وتوريث الأخ لأم بدون أن يكون الميت كلالة خلاف النص( ) .
4 - أن الميراث إنما يثبت بالنص ، ولا يوجد نص ثابت في توريث الأم أكثر من الثلث تعصيباً ، ولا في توريث الأخ لأم أكثر من السدس تعصيباً ولا في توريث أبي الأم وأشباهه من عصبات لأم تعصيباً ، ولا قياس أيضاً فلا وجه لإثباته( ) .
5 - أن العصوبة أقوى أسباب الإرث ، والإدلاء بالإناث أقوى أسباب الإدلاء فلا يجوز أن يستحق بأقوى أسباب الإدلاء - وهو الإدلاء بالإناث - أقوى أسباب الإرث - وهو الإرث بالتعصيب - وهذا بخلاف الولاء . فإن استحقاق الولاء باعتبار الاعتاق والأنثى والذكر فيه سواء( ) .
6 - حديث ( ... فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ) ( ) ، وحديث ( فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا ) ( ) ، فقد جعل ما بقي بعد الفرائض لعصبة الميت لا لعصبة أمه ومن لا عصبة له فالمسلمون عصبته( ) .

القول الثاني :
أن أمه تكون عاصبة له فترث جميع المال إذا انفردت والباقي بعد الفروض إن كان معها صاحب فرض ؛ فإن كانت قد ماتت قبله كان عصبتها عصبة له ، وهو قول جماعة من أهل العلم فمن الصحابة ابن مسعود( ) وهو رواية عن علي( ) ، وابن عباس وعثمان( ) ، وابن عمر( ) - رضي اللَّه عنهم جميعاً - .
وهو أيضاً قول النخعي ، والشعبي( ) ، ومكحول( ) ، وسفيان الثوري( ) ، والحسن البصري ، وابن سيرين( ) .
وهـو أحد الروايتين عن الإمـام أحمد رحمهـم الله تعالى( ) ، واختيـار ابن القيم - رحمه الله -( ) .
أدلة القول الثاني :
1 - ما روى ابن عمـر رضي اللَّه عنهما : ( أن رجلاً لاعن امرأته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وانتقى من ولدها ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة ) ( ) فيدل على أنه أقامها مقام أبيه فتكون عصبة للولد كالأب( ) .
2 - ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها( ) وهذا صريح في الموضوع( ) .
3 - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تحوز المرأة ثلاثة مواريث : عتيقها ، ولقيطها ، وولدها الذي لاعنت عليه ) ( ) ، ويدل على أنها ترث جميع المال إذا انفردت( ) ، ثم هي عصبة لعتيقها فكذلك لولدها( ) .
4 - حديث عبدالله بن عبيد بن عمير( ) قال : ( كتبت إلى صديق لي من أهل المدينة من بني زريق أسأله عن ولد الملاعنة لمن قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إلي أني سألت فأخبرت أنه قضى به لأمه هي بمنزلة أبيه وأمه ) ( ) ، فدل على أنها تحوز ميراثه( ) .
5 - لأنها قامت مقام أمه وأبيه ، في انتسابه إليها فقامت مقامهما في حيازة ميراثه( ) .
6 - أنها ترث جميع ماله إذا لم يكن غيرها واستحقاق جميع المال يكون بالعصوبة فدل على أنها عاصبة( ) .
7 - والدليل على أنها عاصبة دون عصبتها أنهم أدلوا بها فلم يرثوا معها كأقارب الأب معه( ) .

القول الثالث :
أن عصبته هم عصبة أمه فيرثون ما تبقى بعدها ومن معها من أهل الفروض ، أو يرثون المال كله عند عدم الأم ومن معها من أصحاب الفروض ، وهذا القول مروي عن بعض الصحابـة كعمر( ) ، وعلي( ) ، وابن عباس( ) ، وابن مسعود( ) ، وابن عمر( ) - رضي اللَّه عنهم - .
كما أنه مروي عن بعض الفقهاء رحمهم الله فهو قول عطاء( ) ، ومجاهد( ) ، ومروي عن النخعي ، والشعبي ، والحسن ، وابن سيرين ، والثوري( ) ، وهو أحد الروايتين عن أحمد( ) .



أدلة القول الثالث :
1 - قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ) ( ) وأولى الرجال به أقارب أمه( ) .
2 - ما روي عن داود بن أبي هند( ) رحمه الله قال : ( كتبت إلى صديق لي بالمدينة أن سل من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولد الملاعنة من عصبته ؟ ، فكتب في جوابه أنهم ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عصبته عصبة أمه ) ( ) .
3 - ما روي عن عمر -  - أنه ألحق ولد الملاعنة بعصبة أمه( ) .
4 - ما روي عن علي  أنه لما رجم الزانية دعا أولياءها فقال : ( هذا ابنكم ، ترثونه ولا يرثكم ، وإن جنى جناية فعليكم ) ( ) .
5 - أن مولى المرأة مولى لأولادها فعاصبها عاصبٌ لهم كالأب( ) ، (وهذا فيه قياس للأم على الأب ) .
6 - قياس التعصيب على الولاء فالولاء الأصل فيه أنه يكون في قوم الأب فإذا لم يكن له ولاء من قبل الأب كان ولاؤه لموالي أمه ، فكذلك التعصيب لما لم يكن له عصبة من جهة الأب كان عصبته عصبة أمه( ).
7 - أن الولد مخلوق من المائين ( ماء الفحل وماء الأم ) ، وماء الفحل يصير مستهلكاً بحضانتـه في الرحم ؛ ولهذا يتبع الولد أمه في الملك والرق أو الحرية ، وكان ينبغي أن تقدم هي في العصوبة لأن كون الولد مخلوقاً من مائها أظهر إلا أن الشارع بنى العصوبة على النسب والنسب إلى الآباء دون الأمهات إلا إذا انعدمت النسبة في جانب الأب فحينئذ تكون النسبة في جانب الأم - كما نُسِب عيسى بن مريم إلى أمه - وكذلك حكم العصوبة المبني على النسب يثبت لقوم الأم إذا انعدم في جانب الأب( ) .


المناقشة والترجيح :
مما سـبق يتبين - واللَّه أعلم - أن القول الأول - قول الجمهور - هو الراجح لما يلي :
1 - لتوافقه مع عمومات النصوص التي تدل على أن الميراث لأصحاب الفروض على قدر فروضهم ، والباقي لعصبة الميت الذين دل الدليل على كونهم عصبة .
2 - ولأنه أحظى بالدليل الصحيح الثابت في الصحيحين ( ... ثم جرت السنة في الميراث أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها ) ( ) .
3 - ولقوة أدلته وسلامتها بوجه عام من معارض قادح .
4 - ولأن تقسيم المواريث توقيفي لا يعتبر فيه إلا النص الصحيح .
5 - ولما يأتي من مناقشة أدلة القولين الآخرين .

مناقشة أدلة القول الثاني :
1 - أما استدلالهم بأن النبي ص ألحق الولد بالمرأة فلا دليل فيه على أنها تأخذ كل ميراثه لأنه إنما أفاد قطع نسبته عن الملاعن لانتفائه منه ، فيصير كمن لا أب له ، وهو ولد الزنا( ).
2 - وأما أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها( ) فيناقش من وجهين :
أ - أن هذا الحديث متكلم في سنده قال البيهقي( ) منقطع( ) .
ب - أنه لو ثبت لم يُفِد كون الأم عصبة للولد ولا عصبتها أيضاً لأن الأم يكون لها الميراث كله بالرد على القول الراجح ، وورثتها يكون لهم الميراث إن لم توجد الأم على القول بتوريث ذوي الأرحام عند عدم وجود ذي فرض ولا عاصب( ) - على القول الراجح - .
ولو كان المقصود كونهم عصبة لقال : " ... ولعصبتها " .
3 - وأما حديث ( تحوز المرأة ثلاثة مواريث ... ) فكذلك مناقشة من جهتين :
أ - أنه متكلم في اسناده فلم يثبت البخاري ولا مسلم هذا الحديث لجهالة بعض رواته( ) .
وهو من رواية عمر بن رؤبة الثغلبي( ) عن عبدالواحد النصري( ) ، قال البخاري ( عمرو بن رؤبة التغلبي، عن عبدالواحد النصري فيه نظر ) ( ) .
وقال البيهقي في هذا الحديث ( ليس بثابت ) ( ) .

وقال الخطابي( ) ( وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل ) ( ) .
ب - أيضاً لو ثبت فليس نصاً في التعصيب بل مطلق الحيازة ، وتكون بالرد وتوريث ذوي الأرحام كذلك .
4 - وأما حديث عبدالله بن عبيد بن عمير فكذلك ، قال عنه البيهقي ( منقطع ، ولفظه مختلف فيه ) ( )، ولا دلالة فيه على التوريث بالتعصيب أم بل هو إلحاق للولد بأمه وقطع له عن الملاعن فلا ينسب إليه وهذا القدر متفق عليه.
5 - أما أنها قامت مقام الأب في النسب فتقوم مقامه في الإرث فلا يستقيم إذ لو قامت مقامه لحجبت الأخ لأم ولم يقل بذلك أحد .
ثم إن هذا قياس والمواريث إنما تثبت بالنص .
6 - وأما أن استحقاق جميع المال لا يكون إلا بالعصوبة فغير مسلم فقد يرث الوارث جميع المال بالرد على القول الراجح .
ثم إن استدلالكم بأن الأم ترث جميع المال استدلال بحكم مختلف فيه ، فعند بعض أهل العلم أن الأم ترث فرضها والباقي لبيت المال .
مناقشة أدلة القول الثالث :
1 - أما حديث : ( ... فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ) ( ) فإن الأولوية إنما تستفاد بالنقل الصحيح لا بالمقايسات ، وقد دل النقل على أن هذه الأولوية إنما هي للعصبة بالنسب أو السبب (الولاء) وعصبة النسب هم من دل الدليل عليهم من جهة الأبوه ، والبنوة ، والأخوة وبنوهم والعمومة وبنوهم ، وإذ انقطعت هذه الجهات فلا يصرف المال إلا رداً على أهل الفروض أو لبيت المال ، أو لذوي الأرحام ( لا على وجه التعصيب لانقطاع جهاته ) على حسب أراء العلماء في ذلك أيها أولى .
والفرق بين توريث قرابة الأم بالتعصيب ، وتوريثهم بميراث ذوي الأرحام أنهم إن قلنا بالتعصيب أخذوا المال كله من عدم صاحب القرض ، والباقي مع وجوده ، أما توريثهم بميراث ذوي الأرحام فإنهم لا يأخذون شيئاً مع وجود صاحب الفرض بل ما أبقت الفروض يُرد على أصحابها على القول الراجح .
ثم إن الحديث لو صح الاستدلال به هنا لدل على أن ما أبقت الفروض كان لأقرب ذكر من الميت لا من الأم ، ولدل على أن هذا الأقرب ينفرد بالباقي أو بالمال وأنتم تقولون أن المال أو الباقي بعد الفروض يقسم على ورثه أمه ذكوراً وإناثاً كل بحسب ميراثه ، وتقدمون الأخ لأم - ابن الأم - على الجد - أب الأم - في التعصيب فيحجب الجد به مع أن جهة الجد إن لم تكن مسـاوية لجهة الأخ في التعصيب لم تقل عنه بالاتفاق .
2 - وأما الأثر عن داود بن أبي هند( ) فمضطرب فقد سبق معنا بروايته عن عبدالله ابن عبيد بن عمير أنه كتب ... الخ ، وليس داود هو الكاتب ، مع اختلاف في لفظه ، وكلام في سنده ، وقد أجاب عنه صاحب المبسوط أن المراد أن عصبته عصبة أمه في استحقاق الميراث بمعنى العصوبة وهو الرحم لا في اثبات حقيقة العصوبة ، فكيف تثبت لهم حقيقة العصوبة ، وإنما يدلون بمن ليس بعصبه( ) .
3 - وأما ما روي عن عمر وعلي - رضي الله عنهما فمعارض بالرواية الأخرى عن علي ، وبقول زيد  - وهو من هو في الفرائض - ثم هو محمول على اعطاء ورثة الأم من ميراث الولد عند عدم الأم لا على وجه التعصيب بل على وجه توريث ذوي الأرحام ، لاسيما أن عليا رضي الله عنه إنما حكم بذلك في ولد المرجومة في الزنا ، وذلك يعني أنه لم يكن للولد أم عند موته فقد ماتت قبله .
4 - وأما قياس الأم على الأب وقياس الإرث على الولاء في أن عصبة الأم يكونون عصبة للولد كعصبة الأب ، وكموالي الأم ؛ فمردود من وجهين :
أ - أن موالي الأم المعتقة لمن لم يعرف أبوه أو كان أبوه رقيقاً يقومون مقام العصبة فيعقلون عن ولد مولاتهم ، ويكونون أولياء له في التزويج دون عصبة الأم الحرة ، فكذلك يرثون دونهم( ) .
ب - أنه إذا لم يكن للميت المنسوب إلى أب - أي غـير ولد الزنا والملاعنة - أحد من قوم أبيه لا نجعل عصبته قوم أمه بالاتفاق( ) .
5 - وأما قولهم في الدليل السابع أن حكم العصوبة مبني على النسب ، وقد ثبت النسب لقوم الأم لانعدامه في جانب الأب نقول أن حكم العصوبة بالنسب مبني على النسب من جهة الأب فحسب أي النسب المدلي بالذكور ، فهذا هو الأصل وهو المتفق عليه وما زاد يحتاج إلى دليل .
والعصوبة أقوى أسباب الإرث ، والإدلاء بالإناث أقوى أسباب الإدلاء فلا يستحق بأقوى أسباب الإدلاء بأقوى أسباب الإرث( ) .
6 - وأما قولهم من الدليل الثامن أن الأم قائمة مقام الأب في النسب فنقوم مقامه في الإرث فنقول إنها إنما قامت مقام الأب في النسب لاشتراكهما في سببه وهو أن الولد يخلق من مائيهما ، ولكن جانب الأب هو الغالب فإذا لم يكن أبٌ بقيت الأم وهي متسببة في خلق الولد ، وليس هناك من يغلب جانبه عليها فنسب الولد إليها .
أما العصوبة فلم يشتركا في سببه إذ سبب العصوبة هو الإدلاء بالذكور ، وليس متحققاً فيها هذا المعنى فلم ينصرف إليها مع عدم الأب .
وبهذا يترجح لدي - واللَّه تعالى أعلم وأحكم - القول الأول بأدلته فاللَّه المستعان .

المطلب الثاني
الـــمـــحـــرمـــيَّـــــــــة








وفيه مسألتان :
المسألة الأولي : تعريف المحرمية ، وطرق انتشارها .
المسألة الثانية : أثر الزنا في المحرمية .


المسألة الأولى
تعريف المحرميَّة ، وطرق انتشارها

المقصود بالمحرميَّة هي كون الشخص - رجلاً كان أو امرأة - محْرماً .

والمحْرمُ في اللغة :
ما لا يحل انتهاكه كالحُرمة( )، قال في معجم مقاييس اللغة ( الحاء ، والراء ، والميم أصل واحد ، وهو المنع والتشديد ، فالحرام ضد الحلال ) ( ) .
وحُرَمُك بضم الحاء نساؤك ، وما تحمي وهي المحارم الواحد مَحْرُمَة بضم الراء وفتحها( ) .

أما في الاصطلاح :
فالمحرم ذات الرحم في القرابة التي لا يحل تزوجها( ).
والمحرم للمرأة هو زوجها أو سيدها - بالنسبة للأمة - ، ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة( ) .
فالمحرمات على التأبيد بالنسب الأم ، والجدة مهما علت ، والبنت وبنت الابن وبنت البنت مهما نزلن، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت ، والمحرمات من الرضاعة ما يماثل ذلك .
والمحرمات من المصاهرة على التأبيد أم الزوجة أو الموطوءة في ملك اليمين ، وجدتها مهما علت ، وبناتها مهما نزلن ، وزوجة الأب والجد مهما علا ، وزوجة الابن مهما نزل ، ويشمل ذلك العقد الصحيح والفاسد .
فهذه هي المحارم ، وأما طرق انتشار المحرمية فهي كما سبق في التعريف : النسب ، والرضاع المحرِّم ، والمصاهرة ، هذا بالاتفاق ، أما ما عدا ذلك فمحل خلاف كالملاعنة للملاعن فإنها تحرم عليه على التأبيد ، ولكن الصحيح أنه ليس محرماً لها لأنه غير مؤتمن عليها ، وكذا الوطء الخالي من عقد أو ملك كوطء الشبهة والزنا فإنه محل خلاف هل ينشر المحرمية في أم الموطوءة وبنتها ، والراجح والله أعلم أنه يفيد تحريم النكاح دون المحرمية ؛ فتختص المحرمية بالنسب ، والرضاع والمصاهرة .
أما الأحكام التي تترتب على المحرمية فهي إجمالاً جـواز النظر إلى ذات المحرم ، والخلوة بها ، والسفر بها ، وعتق ذي الرحم المحرم على قريبه إذا ملكه بالإضافة إلى تحريم النكاح( ) .



المسألة الثانية
أثر الزنا في المحرمية

ويدخل تحت هذا الموضوع أمران :
الأول : أثر الزنا في نشر المحرمية في أم موطوءته بالزنا ، وبنتها من غيره ، وهل يأخذ حكم النكاح ؛ فيكونان محارم له ، وليس هذا مجال بحثنا( ).
الثاني : أثر الزنا في نشر المحرمية بين الزاني والبنت المتخلِّقة من ماءه فهل يكون محرماً لها ؟ .
وهل يكون ابنه من النكاح وأبوه وأخوه وعمه محارم لبنته من الزنا ؟ .
وهل يكون ابنه من الزنا محرماً لبنته من النكاح ؟ .وأخته وعمته وأمه .
فنقول أنه مرَّ معنا أن المحرمية تنتشر بالنسب ، والرضاع ، والمصاهرة ، فأما الرضاع والمصاهرة فلا يدخلان هنا ، وأما النسب فهو الذي يرتبط به حكم المحرمية هنا ، فإن قلنا أن ولد الزنا - ابناً كان أو بنتاً - منسوب إلى الزاني قلنا بالمحرمية بين الأب وبنته ، وبين أولاد الزاني من الزنا ، وأولاده من النكاح .
وهذا لا يكون إلا في حالة أن لا تكون الأم فراشاً واستلحق الزاني الولد - عند من يقول بذلك - .
أما على رأي الجمهور ؛ فإن النسب منقطع بين الزاني وما تخلق من مائه مطلقاً ؛ فيترتب عليه عدم انتشار المحرمية إذ هي فرعٌ للنسب( ) .
وهذا في سائر أحكام المحرمية من إباحة النظر والخلوة والسفر باستثناء تحريم النكاح فإن له حكماً خاصاً لأنه متعلق بالأبضاع فيحتاط لذلك ، وهذا ما سنعرفه في المطلب التالي بإذن اللَّه .









وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : أسباب تحريم النكاح .
المسألة الثانية : أثر الزنا في تحريم النكاح .

المسألة الأولى
أسباب تحريم النكاح

تحريم النكاح قسمان :
تحريم إلى الأبد ، وتحريم إلى أمد .
فالتحريم إلى الأبد له ثلاثة أسباب :
1 - النسب :
وتحرم به البنات وإن نزلن، والأمهات وإن علون ، والأخوات ، والعمات ، والخالات ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت .
2 - المصاهرة :
وتحرم به أمهات الزوجات وبناتهن ، وزوجات الآباء ، وزوجات الأبناء ، ولو بعقد فاسد .
3 - الرضاع :
وتحرم به مثل المحرمات بنسب ، أو مصاهرة ، فتحرم به البنت ، وهي من رضعت من لبن ثاب عن حمل منه ( لبن الفحل ) على الصحيح مهما نزلت ، والأم وهي المرضعة وأمهاتها ، وإن علون ، والأخوات من الرضاعة ، والعمات من الرضاعة وهن أخوات أبيه النسبي بأخوّة الرضاع ، وأخوات أبيه الذي رضع - يعني الولد - من لبن ثاب عن حمل منه ، والخالات من الرضاعة وهن أخوات مرضعته ، وأخوات أمه باخوّة الرضاعة ، وبنات الأخ ، والأخت أخوة رضاع ، وكذا بنات الأخ ، والأخت النسبيين الراضعات من الأخت أو زوجة الأخ .
وكذلك تحرم به أمهات الزوجات من الرضاعة وبناتهن من الرضاعة ، وزوجات الآباء والأبناء من الرضاعة أيضاً .
أما التحريم إلى أمد :
فهو مانع يقوم بالمرأة ذاتها أو بحالة الرجل يجعلها محرمة عليه حتى يزول فهذا المانع يكون هو سبب التحريم ، مثل الجمع بين المرأة وأختها ، أو عمتها ، أو خالتها حتى يفارق تلك ، ومثل من تعلق بها حق للغير بأن تكون زوجة لآخر ، أو مطلقة رجعية له ، والمعتدة ببينونة أو وفاة حتى تنقضي عدتها ، والخامسة لمن معه أربع حتى يطلق إحداهن ، وتنقضي عدتها ، والموطوءة بزنا أو شبهة حتى تستبرأ وتتوب الزانية والكافرة غير الكتابية حتى تسلم ، والمحُْرِمة حتى تتحلل وكذا تحرم النساء على المحرِم حتى يتحلل( ).


المسألة الثانية
أثر الزنا في تحريم النكاح

ويدخل تحت هذه المسألة عدة أمور :
1 - أثر الزنا في تحريم نكاح الزاني بالعفيفة، أو العفيف بالزانية أو الزاني بالزانية .
2 - أثر الزنا في تحريم نكاح أم المزني بها وبنتها - من غير الزاني - على الزاني .
3 - أثر الزنا في تحريم نكاح بنت الزنا وفروعها وبنت ابن الزنا على الزاني وأصوله ، وأبنائـه من غير الزنا وأخوانه وأعمامه ، وتحريم نكاح أمهات الزاني وبناته من غير الزنا وأخواته وعماته على ابنه من الزنا ، وفروعه ، وفروع بنته من الزنا .
فالأول والثاني ليس هذا مجال بحثـه ، أما الثالث فهو الذي يتعلق بهذا البحث ، وقد اختلف فيه العلماء إلى قولين ، وبيان ذلك فيما يأتي :

القول الأول :
تحرم بنت الزنا على من تحرم عليه بنت الرشدة ، وكذا يحرم على ابن الزنا من النساء من يحرمن على ابن الرشدة ، تحريماً مؤبداً ، وهذا قول جمهور أهل العلم فهو قول الحنفية( ) - وقصر بعضهم ذلك على تحريم فروع الزاني من الزنا عليه وعلى أصوله للبعضية( ) دون من سواهم من أبناء الزاني من غير الزنا وأخوانه وأعمامه لانتفائها( ) - والمشهور عند المالكية( ) ، وهو قول بعض الشافعية بشرط أن يتحقق كونها من مائه - قالوا بأن يخبره بذلك نبي كأن يكون في زمن عيسى عليه السلام( ) - ، ونسب بعضهم القول بالتحريم إلى الشافعي( ) .
وهو أيضاً مذهب الحنابلة( ) واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وانتصر له( ) .

أدلة القول الأول :
1 - قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ }( ) .
فقوله {وَبَنَاتُكُمْ} متناول لكل من شمله اللفظ سواء كان حقيقة أو مجازاً ، وسواء ثبت في حقه التوارث ، وغيره من الأحكام أم لم يثبت إلا التحريم خاصة ، فالعموم هنا ليس كالعموم في قوله في المواريث { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ }( ) .
وبيان ذلك أن آية التحريم تتناول البنت وبنت الابن ، وبنت البنت ، كما يتناول لفظ ( العمة ) عمة الأب ، والأم ، والجد ، وكذلك بنت الأخت ، وبنت ابن الأخت ، وبنت بنت الأخت ، ومثل هذا العموم لا يثبت في آية الفرائض ، ولا في ما نحوها من الآيات والنصوص التي علقت فيها الأحكام بالأنساب( ) .
2 - أن تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة ، فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح بنته من الرضاع ، وهو لا يثبت في حقها شيء من أحكام النسب سوى التحريم ، وما يتبعه من الحرمة ، فكيف يباح له نكاح بنت خلقت من مائه ؟؟ وأين المخلوقة من مائه من المتغذية بلبان درَّ بوطئه ؟ فهذا يبين التحريم من جهة عموم الخطاب ، ومن جهة التنبيه ، والفحوى ، وقياس الأولى( ) .
3 - أن اللَّه تعالى قال : {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ}( ) قـال العلماء ، احتراز عن ابنه الذي تبناه كما قال تعالى : {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً}( ) .
ومعلوم أنهم في الجاهلية كانوا يستلحقون ولد الزنـا أعظم مما يستلحقون الولد المتبنى ، فإذا كان الله تعالى قيد ذلك بقوله {مِنْ أَصْلابِكُمْ} ومع ذلك لم يقيد البنات في قوله {وَبَنَاتُكُمْ} ليدل على أنه يشمل كل من كان في لغتهم داخلاً في الاسم( ) .
بمعنى أنهم لما أراد تخصيص الحكم بالابن من الصلب قيده بذلك في حين أنه لم يتبن البنات ببنات الصلب ليشمل كل ما يسمونه بنتاً ، فأهل الجاهليـة يستلحقون الابن المتبنى ، وبنت الزنا والله تعالى قيد الابن احترازا من الابن المتبني ولم يحترز من بنت الزنا فدل على دخولها في عموم {وَبَنَاتُكُمْ} .
4 - لأنها بنته لغة ، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل كلفظ الصلاة فيصير منقولاً شرعياً( ) .
5 - لأنها انثى مخلوقة من مائه وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة وهذا هو معنى البنت حقيقة إلا إنها لا تنسب إليه شرعاً لما فيه من إشاعة الفاحشة وهذا لا ينفي النسبة الحقيقية ، ويدل على ذلك قـول النبي  في امرأة هلال بن أمية( ) : ( وإن جاءت به " يعني الولد " - وذكر وصفه - ، فهو لشريك بن سحماء( ) ) ( ) يعني المتهم بالزنا بها فأضاف الولد إليه( ) ، ولحديث جريح( ) وقوله للغلام (من أبوك ؟) فقال (فلان الراعي) وهذا انطاق من الله فدلّ على أنه ابنه حقيقة وإن لم ينسب إليه شرعاً( ) .
6 - لأنها مخلوقة من مائه فأشبهت المخلوقة من وطء الشبهة( ) .
7 - لأنها بضعة منه فلم تحل له كبنته من النكاح ، وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنت كما لو تخلف الإرث لرق أو اختلاف دين( ) .
8 - لأنها بعضه فإن البعضية باعتبار الماء وذلك لا يختلف حقيقته بالملك وعدم الملك فالولد المخلوق من المائين يكون بعض كل واحد منهما ، والبعضية علة صالحة لإثبات الحرمة لأنه كما لا يستمتع بنفسه لا يستمتع ببعضه ، والنسب لم يتخلف هنا لانعدام البعضية بل تخلف لأمرين :
أ - للاشتباه لأن الزانية ربما يأتيها غير واحد ، ولو أثبتنا النسب بالزنا ربما يؤدي إلى نسبة الولد إلى غير أبيه وذلك حرام بالنص ، ويدل على أن النسب إنما تخلف للاشتباه ثبوته من جانب الزانية - الأم - لأنه لا يؤدي إلى الاشتباه .
ب - للزجر فإنه إذا علم أن ماءه يضيع بالزنا فلا يستفيد به لحوق الولد تحرز عن فعل الزنا ، وهذا يوجب إثبات تحريم البنت فهو من الزجر فإنه يعلم أنه لا يستفيد من هذه البنت لا بكونها بنتا له ، ولا تحل له زوجة ، فلهذا أثبتنا الحرمة ولم نثبت النسب( )، فالزنا لا يصلح طريقا لاكتساب أمر مشروع .
9 - أنه لا يحل له التزوج ببنت التي زنى بها من غيره عند الجمهور وهذه أغلظ( ).

القول الثاني :
يجوز للرجل نكاح بنته من الزنا وكذلك قريبته مطلقاً .
وهو قول الشافعية( ) ، وبعض المالكية( ) رحمهم اللَّه ، وحرم بعض المالكية البنت على الزاني فقط لكونها بنت موطوءته فكانت كالربيبة( ) لا لأنها تأخذ حكم البنت ، وكرهه بضع الشافعية خروجاً من الخلاف .

أدلة القول الثاني :
1 - استدل أصحاب القول الثاني بقوله تعالى : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ }( ) .
فقوله {وَبَنَاتُكُمْ} تناول البنت المضافة إليه نسباً ، والبنت من الزنا غير مضافة إليه نسباً بل إضافتها إليه حرام( ) .
2 - أنها أجنبية منه ولا تنتسب إليه شرعاً فانتفت سائر أحكام النسب عنها فلا يجري التوارث بينهما ، ولا تعتق عليه إذا ملكها ولا تلزمه نفقتها فلم تحرم عليه كسائر الأجانب( ) .
3 - لأن ماء الزنا لا حرمة له( ) .
4 - لأن التحريم بالقرابة نعمة والزنا معصية ، والنعمة لا تثبت بالمعصية( ) .

الترجيـح :
والراجح واللَّه أعلم هو القول الأول :
1 - لقوة أدلته وظهورها .
2 - واحتياطاً للفروج( ) .
3 - ومعاملة للزاني بالأشد في الأمرين فلا يستفيد نسباً ولا إرثاً ولا محرمية ، ولا تحل له من جهة أخرى .
4 - وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فليس بقوي فإن لفظ البنت في التحريم لا يتناول البنت المضافة إليه نسباً فقط بل يتناول البنت من الرضاعة أيضاً ، ثم أنه لا يلزم من عدم ثبوت النسب وعدم وجوب النفقة ... الخ عدم ثبوت الحرمة .
فإن أحكام النسب تبعض فإن الله سبحانه حرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، ومع ذلك لم يثبت بالرضاع نسب ولم تجب به نفقة ... الخ .
وقد قضى النبي  في ابن وليدة زمعة لأخيه عبد بن زمعة وأمر سودة بنت زمعة بالاحتجاب عنه( ) فدل على أن أحكام النسب تتبعض ، ثم إن الحرمة في النكاح ليست مقصورة على النسب الثابت ، ولا مرتبطة بالمحرمية فأمهات المؤمنين أمهات في الحرمة فقط لا في المحرمية( ) .
فتبين أن قول الجمهور هو الراجح قال ابن تيمية ( وهو الصواب المقطوع به حتى تنازع الجمهور هل يقتل من فعل ذلك ؟ على قولين ، والمنقول عن أحمد أنه يقتل من فعل ذلك ) أ هـ ( ).
وقال ( ولم يُحل ذلك أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ؛ ولهذا لم يعرف أحمد بن حنبل وغيره من العلماء - مع كثرة اطلاعهم - نزاعاً بين السلف ، فأفتى أحمد بن حنبل : ( إن فعل ذلك قتل ) ، فقيل له إنه حكى فلان في ذلك خلافاً عن مالك ؟ فقال : ( يكذب فلان ) أ هـ ( ) .
وقال ( ومثل هذه المسألة الضعيفة ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين لا على وجه القدح فيه ، ولا على وجه المتابعة له فيها فإن ذلك ضرباً من الطعن في الأئمة واتباع الأقوال الضعيفة ) أ هـ ( ).








وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : تعريف النفقة .
المسألة الثانية : على من تجب لولد الزنا .


المسألة الأول
تعـريف النفقـــة

النفقـة لغـة :
من أنفق ينفق إنفاقاً ، يقال أنفق ماله : استنفده( ).
قال في معجم مقاييس اللغة ( النون والفاء والقاف أصلان صحيحان يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه .... ) ( ) .
فالنفقة مشتقة من ذلك لأن المال يذهب بإنفاقه .
فالإنفاق بذل المال ، والنفقة هي المال المبذول ، قال في القاموس ( النفقة ما تنفقه من الدراهم ) ( ) .

النفقـة في الاصطـلاح :
عرف الفقهاء النفقة بأنها ( ما يتوقف عليه بقاء شيء من نحو مأكول وملبوس وسكنى ) ( ) .
وقيل ( الإدرار على شيء بما فيه بقاؤه ) ( ) .
وقيل ( ما به قوام معتاد حال آدمي دون سرف ) ( ) .
وقيل ( كفاية من يمونه ، خبزاً وأدماً وكسوة ومسكنا وتوابعها( ) .
وقيل ( الشيء الذي يبذله الإنسان فيما يحتاج إليه هو أو غيره من الطعام والشراب ونحوهما ) ( ) .
وتتفاوت هذه التعريفات عموماً وخصوصاً ، كما تختلف في تعريف النفقة بأنها فعل الإنفاق أو المال المنفق ، ولعلنا من مجموعها نصوغ تعريفاً مختاراً هو :
( بذل المال للقيام بشؤون المبذول له وسد حاجته ) .
والنفقة عند الإطلاق تشمل الطعام والكسوة والسكن ، أو القيام بالضروريات والحاجيات للمنفق عليه .


المسألة الثانية
عــلى مــن تجــب لولــد الزنــا

الأصل في النفقة على الصغير أنها واجبة على الأب .
ولما كان ولد الزنا لا ينسب لأبيه - الزاني - على قول الجمهور فلا تجب له النفقة عليه( ) فيكون كمن ليس له أب ، وقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه النفقة عند عدم الأب إلى أربعة أقوال ، وبيان ذلك فيما يأتي :

القول الأول :
تجب النفقة على الورثة كلٌ بقدر إرثه ، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة ، وبه قال الحسن ومجاهد والنخعي وقتادة( )( ).

أدلة القول الأول :
1 - قوله تعالى : {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}( ).
ثم قال : {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}( ).
فأوجب على الأب نفقة الرضاع ثم عطف الوارث عليه فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الوالد( ).
2 - ما روى كليب بن منفعة عن جده( ) أنه أتى النبي  فقال يا رسول اللَّه : من أبر ؟ قال : ( أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة ) ( ).
وهذا نص لأن النبي  ألزمه الصلة والبر والنفقة من الصلة ، جعلها حقاً واجباً( ) .
3 - ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس ، فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم .
4 - ولأن غرم النفقة بغنم الإرث .

القول الثاني :
تجب النفقة على الوارث العاصب دون غيره .
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو قول الأوزاعي( ) واسحاق( ) .


أدلة القول الثاني :
1 - ما روى عن عمر أنه قضى على بني عم منفوس بنفقته( ) .
2 - لأنها مواساة ومعونة تختص بالقرابة فاختصت بها العصبات كالعقل( ) .

القول الثالث :
تجب النفقة على كل ذي رحم محرم ، ولا تجب على غيرهم ، وعند اجتماعهم يقدم الوارث منهم على غير الوارث ، وعند اجتماع الوارثين منهم تجب على كلٍ منهم بمقدار ارثه ، وهذا قول الحنفية( ) .

أدلة القول الثالث :
1 - قوله تعالى :{ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ }( ) .
2 - لقراءة ابن مسعود ( وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ..) ( ) .
3 - تفسير عمر وزيد رضي اللَّه عنهما بأن المراد: مثل ذلك من النفقة ( ) .
4 - أن قطيعة الرحم من الملاعن كما قال تعالى :{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ}( ) ، ومنع النفقة مع يسار المنفق وصدق حاجة المنفق عليه يؤدي إلى قطيعة الرحم ولهذا اختص به ذو الرحم المحرم ؛ لأن القرابة إذا بعدت لا يفرض وصلها ؛ ولهذا لا تثبت المحرمية بها( ).


القول الرابع :
تجب النفقة على الوالدين والمولودين أي أصول المنفق عليه وفروعه ، فولد الزنا - على هذا - لا نفقة له إلا من أمه وأصولها أو ولده إن كان له ولد .
وهذا قول المالكية( ) ، والشافعية( ) .

أدلة القول الرابع :
1 - عن أبي هريرة  قال أمر النبي  بالصدقة فقال رجل يا رسول اللَّه عندي دينار قال : تصدق به على نفسك ( قال عند آخر ؟ قال :تصدق به على ولدك ) قال عندي آخر ؟ قال : ( تصدق به على زوجتك ) ، قال عند آخر ؟ قال : ( تصدق به على خادمـك ) قال : عندي آخر ؟ قال : ( أنت أبصر ) ( ) فلم يأمره بالانفاق على غير هؤلاء .
2 - أن الشرع إنما ورد بنفقة الوالدين والمولودين ومن سواهم لا يلحق بهم في الولادة وأحكامها فلا يصح قياسه عليهم .
3 - وأجابوا عن قوله تعالى : {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} قال أي في نفي المضارة( ) .

الترجيــح :
الراجح واللَّه أعلم هو القول الأول ؛ فإن الغنم بالغرم .
• أما قوله : { وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ }( ) فعام في كل ذي رحم ، ولا وجه لتخصيصه بالمحرم .
• وأما حديث الذي يقول عندي دينار فقضية عين فيحتمل أن يكون السائل ليس له غير من أمر بالإنفاق عليه ولهذا لم يذكر الوالد والأجداد .
• وأما قولهم لا يصح القياس فنقول أنا أثبتناه بالنص ثم إنكم قستم حيث إنكم ألحقتم أولاد الأولاد بالأولاد مع تفاوتهم( ).
• وأما قولهم أن على الوارث مثل ذلك في عدم المضارة فيجاب عنه بأن نفي المضارة لا يختص به الوارث بل يجب ذلك على غير الوارث أيضاً( ).
إذا لم يكن لولد الزنا من ينفق عليه :
إذا لم يكن له من ينفق عليه ممن ذكرنا - بحسب الأقوال - فإن السلطان ولي من ولا ولي له فتكون النفقة من بيت مال المسلمين كغيره ممن ليس له من ينفق عليه( ).


المسألة الثالثة
هــل تجب على ولــد الزنا لأبــويــه ؟

لا ينفق ولد الزنا على أبيه - الزاني - لانقطاع النسب بينهما( ) لأن القرابة هي سبب وجوب النفقة ، وإذا تخلف السبب تخلف المسبّب .
أما الأم فتجب عليه النفقة لها إن احتاجت لوجود سبب وجوب القرابة فهو قريب وارث ، ولأنه ابنها شرعاً ، وقد اتفق أهل العلم على وجوب النفقة على عمودي النسب الأصول والفروع( ) ، ولحديث ( أمك وأباك .. ) المتقدم .
أما أقاربـه من جهة الأم فهل تجب عليه النفقة لهم إن احتاجوا إليه؟
تقدم تفصيل المذاهب فيمن تجب عليه النفقة عند عدم الأب وإجمال ذلك أن الحنفية يوجبون النفقة على كل ذي رحم محرم - كما تقدم - ويقدم الوارث منهم على غير الوارث .
فالنفقة على هذا تجب على ولد الزنا لأخيه من الأم وأخواله وخالاته وأجداده وجداته لأمه إلا أن الوارث مقدم عليه في الأجداد والجدات والأخوال والخالات( ) .
أما المالكية والشافعية فهم يوجبون النفقة على الوالدين والمولودين فقط( ) فلا ينفق ولد الزنا على هذا القول إلا على أمه وأجداده وجداته لأمه .

وأما الحنابلة فظاهر المذهب عندهم( ) أنها تجب على كل وارث فتجب على ولد الزنا لأخيه لأمه ، ولكل وارث من ذوي الأرحام عند توريثهم ، أما على الرواية الأخرى عندهم فلا تجب النفقة على ولد الزنا لأحد من أقارب الأم لأنه غير عاصب( ) .








وفيه ثلاثة مسائل :
المسألة الأولى : تعريف الولاية وأقسامها .
المسألة الثانية : الولاية على ولد الزنا .
المسألة الثالثة : ولاية ولد الزنا على أبويه .

المسألة الأولى
تعريـــف الولايـــة وأقســـامها

وقد تقدم الكلام في ذلك في المبحث الثالث من الفصل الأول .

المسألة الثانية
الولايـــة عـــلى ولـــد الزنـــا

أولاً : ولايـة المـال :
الأصل في ولاية المال أنها للأب أو وصيه ، ولكن ولد الزنا منقطع النسب من جهة الأب ، فهو وإن كان متخلقاً من ماء الزاني إلا إنه لا يعتبر ابنه شرعاً( ) ، فمن يكون وليه :
اختلف العلماء في ذلك - أي في من لا أب له - هل يقدم الحاكم أم أن الأم تكون ولية عليه ؟ .


القول الأول :
لا تستحق الأم الولاية على ولدها ، فهو إلى الحاكم ، وهذا قول الحنفية( ) ، والمالكية( ) ، والمذهب عند الشافعية( ) ، وهو مذهب الحنابلة( ) .
أدلة القول الأول :
1 - أن الأم ليس لها كمال الرأي لقصور عقل النساء عادة .
2 - أنها قرابة لا تفيد تعصيباً فلا تفيد ولاية( ) .
3 - القياس على عدم توليها النكاح( ).

القول الثاني :
تكون أمه ولية عليه ، وهذا وجه عند الشافعية هو خلاف الأصح عندهم( )، ورواية عند الحنابلة( ) ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية( ) .

أدلة القول الثاني :
1 - أنها أحد الأبوين فقامت مقام الأب( ).
2 - لأنها يصح تصرفها في مالها ؛ فجاز تصرفها في مال ولدها .
3 - لوفور شفقتها( ) .


الترجـيـح :
والراجح واللَّه أعلم أنها تكون ولية على مال ابنها ؛ لأن قصور النساء إنما يمنعهن من تولي الولاية العامة وولاية النكاح دون ولاية المال ؛ فولاية المال تصرف في مال ، فجاز منها كتصرفها في مالها ؛ فلو كانت قاصرة الرأي عن التصرف في المـال لحجر عليها ، ولاتفاق عامة الفقهاء على جواز كونها وصية للأب على مال ولدها( ) ، أما قول الجمهور أنها قرابة فلا تفيد تعصيباً فنقول أن الولاية ليست مرتبطة بالتعصيب وإلا لكان الأخ ولياً والعم ... الخ .


ثانياً : ولايـة النكـاح :
لما كان ولد الزنا - ذكراً كان أو أنثى - مقطوع النسب عن الأب وعن العصبة المدلين به فمن هو الأولى بتزويجــه ؟ .
1 - إن كان له ابن فإنه يلي نكاحه عند الجمهور( ) خلافاً للشافعية( ) .
2 - إذا لم يكن له ابن وكان له عاصب بالولاء - معتقه أو معتق أمه - فهو وليه لأنه عاصب( ) .
3 - أما إذا لم يكن له أحد منهما فهل يلي أقاربه من جهة أمه نكاحه ؟ اختلف العلماء في ذلك إلى قولين :

القول الأول :
أن غير العصبات لا يتولون النكاح بل يتولاه عند عدمهم السلطان ، وهذا قول عند الحنفية – هو خلاف المذهب عندهم -( ) ، وهو قول المالكية( ) ، والشافعية( ) ، والحنابلة( ) لما روى عن علي أنه قال : ( إذا بلغ النساء نصَّ الحِقاق فالعصبة أولى إذا أدركن ) ( ) فلا يتولى أقارب الأم نكاح ولدها من الزنا لأنهم ليسوا عصبة عند الجمهور .
وكذلك فهم وإن كانوا عصبة في الميراث على إحدى الروايتين عند الحنابلة إلا أنه لا يلزم من ذلك أن يكونوا عصبة في ولاية النكاح ، بدليل الأخوات مع البنات فإنهن عصبات في الميراث دون العقل والتزويج( ) .

القول الثاني :
إن كل من يرث بفرض أو تعصيب أو رحم يلي النكاح ، وهذا مذهب الحنفية( ) لأنه من أهل ميراثها فكان ولياً كالعصبة ، فعليه من يرث بنت الزنا كالأخ لأم أو الخال يكون ولياً لها ، وكذا كل وارث مدل إليها بالأم .

الترجيــح :
الذي يظهر - واللَّه أعلم - أن الولاية في الأصل للعصبة خاصة ؛ لأنهم ذكور مدلون بذكور ، أما ذوي الأرحام فالأصل أنه لا ولاية لهم لأنها - أي الولاية - إذا لم تثبت للأنثى لم تنتقل عن طريقها فلا تثبت لمدل بأنثى .
هذا في الأصل أما في حالة بنت الزنا فقد يكون الوضع مختلفاً :
1 - للتيقن من عدم وجود العاصب .
2 - ولأن المعتبر في الولي كمال النظر في الجملة بكونه رجلاً - لقصور المرأة - ، وكمال الشفقة ، والأخ لأم أو الخال رجل وقد يكون أكمل شفقة من غيره لقربه .
3 - وإنما لم تثبت الولاية للأم لا لمجرد كونها أنثى ، بل لما يلازم ذلك غالباً من قصور في النظر ، وهذا لا يتعدى إلى من أدلى بها .
4 - ولأن ذا الرحم كالخال أو الأخ لأم مقبول الولاية لمن هو عاصب له ، فدل على أنه أهل للولاية في ذاته ؛ فلا يؤثر كونه قد أدلى بأنثى ، وإنما قدم العاصب عليه لقوة قرابته ، فلما لم يوجد العاصب لم يكن لذي الرحم مزاحم أقوى منه .
5 - ولأن الولاية الأصل فيها أنها تابعة للنسب ، وولد الزنا منسوب إلى أمه وأهل أمه فكانوا أولياءه .
6 - وأما الأثر المروي عن علي فيدل على أن العصبة أولى من غيرهم ، والأولوية لهم تدل على ثبوت الحق لغيرهم عند عدمهم .
لهذا كله فالقول بتولّي وارث ولد الزنا من أولي الأرحام ولاية نكاحه قول له وجاهته وقد قال تعالى : {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}( ) .
وإن أردنا المزيد من الاحتياط اشترطنا إقرار القاضي له ولياً بعد علمه بحاله ؛ ليكون من جهة قريباً وارثاً مشفقاً عالماً بحال البنت ومن يريد الزواج منها والأصلح لها ، ومن جهة نائباً عن القاضي أو الحاكم بإجازته له فيأخذ حكمه ، ونخرج من الخلاف واللَّه أعلم .


المسألة الثالثة
ولايــة ولـد الزنـا على أبويــه

أولاً : ولايته على أبويه ولاية مال :
والبحث هنا في أمرين :
الأول :
هل يلي الابن مال أحد أبويه إذا كان محجوراً عليه لجنون ونحوه ؟ .
اختلف العلماء في ذلك إلى قولين :

القول الأول :
لا يلي الابن في المال ولا غيره من العصبة ، بل الولاية عند عدم الأب ووصيه إلى الحاكم .
وهذا قول الحنفية( ) ، والمالكية( ) ، والشافعية( ) ، والحنابلة( ) .
لأن ولاية التصرف في مال القريب لا تثبت إلا إذا كان المتصرف كامل الرأي وافر الشفقة ، وليس للابن وفور الشفقة فلا يملكه بخلاف الأب فإنه وافر الشفقة ووصيه قائم مقامه( ) .


القول الثاني :
أن الابن يلي في المال عند عدم الأب .
وهذا قول عند الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية( ) .

الثاني :
حكم ولد الزنا في ذلك :
ولد الزنا بوجه عام منقطع النسب من جهة الأب ، فبناءً على ذلك لا ولاية له على الزاني باعتباره ابناً له فهو وإن كان متخلقاً من مائـه إلا إنه لا يأخذ حكم الولد شرعاً - على الصحيح - .
أما على أمه فهو ولدٌ لها منسوب إليها ، لأن شرط إلحاق الولد بالمرأة انفصاله عنها بالولادة بغض النظر عن سبب الحمل هل هو وطء بعقد شرعي أو شبهة ، أو زنا ، بناء على ذلك فإن الذكر من ولد الزنا - الابن - يلي مال أمه السفيهة أو المجنونة عند من يرى ولاية الابن .


ثانياً : ولايته على أبويه في النكاح :
لا يلي ابن الزنا نكاح أبيه الذي خلق من مائه لانقطاع النسب والأرث بينهما.
أما الأم فإنه منسوبٌ إليها فبنوته معتبرة شرعاً فحكمه في ذلك كالابن من غير الزنا ، فيكون وليا لها عند الجمهور ، الحنفية( ) ، والمالكية( ) ، والحنابلة( ) ، وهو أولى من أبيها وغيره عند الحنفية ، وإحدى الروايتين عن مالك ، وفي الرواية الأخرى عن مالك وعند الحنابلة الأب أولى .
أما الشافعية فلم يجيزوا ولاية الابن على أمه مطلقاً( ) .











وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : تعريف الرضاعة .
المسألة الثانية : رضاعة ولد الزنا .

المسألة الأولى
تعريــف الرضــاعـــة

تعريف الرضاعـة لغـة :
الرضاعة لغة مصدر رضع يرضع رضاعاً - بالفتح والكسر - ورضاعة ، قال في معجم مقاييس اللغة ( الراء والضاد والعين أصل واحد وهو شرب اللبن من الضرع أو الثدي ) أ هـ ( ).

تعريف الرضاعة اصطلاحاً :
أما المعنى الاصطلاحي فمأخوذ من المعنى اللغوي مع التقييد في بعض الأمور ، ولكنه أعم من مجرد المص أو الشرب .
فهو ( مص الرضيع من ثدي آدمية في وقت مخصوص ) ( ) .
وقيل ( وصول لبن آدمي لمحلٍّ مظنة غذاء ) ( ) ، وقيل هو ( اسم لحصول لبن امرأة أو ما حصل منه في جوف طفل بشروط ) ( ) ، وقيل ( مص لبن أو شربه ونحوه ثاب من حمل من ثدي امرأة ) ( ) .

المسألة الثانية
رضــاعــة ولـــد الزنــا

الرضاع في الأصل في مسؤولية الأم ، فعلى الأم أن ترضع ولدها حتى يستغني عن الرضاع ويتمكن من الأكل ، وأتم ذلك تمام الحولين ؛ لقوله تعالى : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}( ) ، وتجبر عليه قضاءً إذا احتاج الطفل إليها بأن لم يجد من ترضعه أو لم يقبل غير ثديها( ) .
والأصل أن والد المولـود عليه رزق المرضع وكسـوتها ونحو ذلك ، لقوله تعالى : {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}( ) ، سواء كانت المرضع هي أم الطفل أو غيرها إلا أن الأم لا أجـرة لها على الرضاعة ما دامت زوجة للأب عند الحنفية والمالكية ، وبعض الحنابلـة ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية( ) خلافاً لمذهب الشافعية ، والحنابلة( ).
ولكن إن لم يكن للطفل أب فيتحمل أجرة الرضاعة ورزق المرضع وكسوتها عند الجمهور من وجبت عليه نفقة الطفل ، إن لم يكن للطفل مال( ) ، قال تعالى :{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}( ) ، وقـد سبق بحث من تجب عليه النفقة عند عدم الأب في المبحـث الثالث من هـذا الفصل ، وقلنا هنـاك أن الراجح هو أن النفقـة واجبة على الورثة بقدر إرثهم .
والمشهور عند المالكية أن الأم ترضعه أو تستأجر له من مالها إن لم يكن له مال، دون بقية من عليه النفقة( ).










وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : تعريف الحضانة .
المسألة الثانية : حضانة ولد الزنا
المسألة الأولى
تعريـف الحضانـة

تعريف الحضانة لغة :
مصدر حضن يحضن مأخوذ من الحِضن وهو جانب الشيء وناحيته ، وحضن الإنسان ما دون الإبط إلى الكشح ، أو الصدر والعضدان وما بينهما ، وحضن الصبي واحتضنه جعله في حضنه أو رباه( ) .
والحاضن والحاضنة الموكلان بالصبي يحفظانه ويربيانه فالحاضن هو المربي أو الكافل سمي بذلك لأنه يضم الطفل إلى حضنه( ) .

أما الحضانة اصطلاحاً :
فهي ( تربية الولد لمن له حق الحضانة ) ( ) .
وقيل (حفظ الولد في مبيته ومؤنة طعامه ولباسه ومضجعه وتنظيف جسده) ( ) .
وقيل (حفظ من لا يستقل بأموره وتربيته بما يصلحه ويقيه عما يضره) ( ) .
وقيل ( حفظ من لا يستقل بأموره وتربيته حتى يستقل بنفسه ) ( ) .
ومن مجموع هذه التعريفات يتبين أن الحضانة ( حفظ الطفل وتربيته بما يصلحه ويقيه عما يضره حتى يستقل بنفسه ) .

المسألة الثانية
حضـــانــة ولــــد الزنــا

أحق الناس بالحضانة الأم بلا خلاف لقوله ص لأم الصبي : ( أنت أحق به مالم تنكحي ) ( ) .
ولكن إذا عـدمت الأم أو قام بها مانع كرقّ أو كفر ، أو فسق مانع من الحضانة ، أو جنون ، أو زواج ممن لا يأذن لها بالحضانة انتقلت الحضانة إلى من بعدها وترتيب الأقارب في الحضانة محل خلاف بين أهل العلم ، إلا أن ولد الزنا الصغير لانقطاع نسبه من جهة الأب لا يتصور له أقارب من الإناث إلا الأم وأمهاتها ، والخالات ، وخالات الأم ، وعماتها ، والأخوات من الأم ، وبنات الأخوات لأم ، وبنات الإخوة لأم ، وبنات الأخوال والخالات ، ومذاهب العلماء في ترتيبهن على ما يأتي :
1 - مذهب الحنفية :
أولاهن بعد الأم أمها ثم الأخت لأم ثم بنت الأخت لأم ثم الخالة ثم بنت الأخ لأم ثم خالة الأم ثم عمة الأم( ) .
2 - مذهب المالكية :
أولاهن بعد الأم أمها ثم الخالة ثم خالة الأم ثم عمة الأم ثم الأخت لأم ثم بنت الأخت لأم ثم بنت الأخ لأم ( وقيل تقدم على بنت الأخت ، وقيل هما سواء فتقدم الأكفأ ) ( ) .


3- مذهب الشافعية :
أولاهن بعد الأم أمها ثم الأخت لأم ثم الخالة ثم بنت الأخت لأم ثم بنت الأخ لأم ثم بنت الخالة ثم خالة الأم( ).
4 - مذهب الحنابلة :
أولاهن بعد الأم أمها ثم الأخت لأم ثم الخالة ثم خالة الأم ثم بنت الأخ وبنت الأخت لأم( ).
أما الرجال فإن أقارب ولد الزنا من الذكور هم ذوو الأرحام - أقارب الأم - وهم أب الأم والأخ لأم والخال وابن الأخ لأم وابن الأخت لأم فهل يستحق ذوو الأرحام الحضانة ؟
اختلف العلماء في ذلك إلى قولين :
القول الأول :
تنتقل الحضانة إلى الرجال ذوي الأرحام عند عدم العصبة ، وهذا رأي الحنفية( ) ، وقول عند الشافعية( ) ، ووجه عند الحنابلة( ) ؛ لأن لهم رحماً وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أولى منهم فأشبهوا البعيد من العصبة ، ويكون ترتيبهم كالتالي :
أبو الأم ثم الأخ لأم ، ثم ابنه ، ثم الخال ، وقيل يقدم الأخ لأم على أبي الأم .


القول الثاني :
أنهم لا حق لهم في الحضانة ، وينتقل الأمر إلى الحاكم لأنهم ليسوا ممن يحضن بنفسه كالنساء ، ولا لهم ولاية لعدم تعصيبهم فأشبهوا الأجانب ، وهذا مذهب المالكية( ) ، وهو القول الثاني عند الشافعية هو الأصح عندهم( ) ، والوجه الآخر للحنابلة( ) .
والراجح واللَّه أعلم أنه لهم حضانة عند عدم النساء لأن ذا الرحم حينئذ قريب وارث - على الراجح - مشفق في الجملة فتتحقق به مصلحة الصبي ثم إنه لا منازع له فالحاكم لا يعتبر منازعاً لأنه إنما يصار إليه عند تعذر من يستحقها سواه .









وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : حكم من ملك ذا رحم محرم .
المسألة الثانية : حكم ولد الزنا في ذلك .

المسألة الأولى
حكم من ملك ذا رحم محرم

اختلف العلماء فيمن ملك ذا رحم محرم إلى ثلاثة أقوال :
القول الأول :
يعتق عليه كل من ملكه من المحارم ، ( والمحرم القريب الذي يحرم عليه نكاحه لو كان أحدهما رجلاً والآخر امرأة لقرابته ) ، وهم الوالدان - الأب والأم - وإن علوا ، والولد وإن سفل من ولد البنين والبنات ، والإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا ، والأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن علوا دون أولادهم ، وهو قول عمر ، وابن مسعود رضي الله عنهما - وهو مذهب الحنفية( ) ، والحنابلة( ) .
والدليل قول النبي  فيما رواه عنه سمرة بن جندب -  - ( من ملك ذا رحم محرم فهو حر ) ( ) ، ولأنهم ذوي رحم محرم فعتقوا عليه كعمودي النسب( ) .


القول الثاني :
لا يعتق عليه بالملك إلا الوالدون والمولودون ، وإن بعدوا ، والإخوة والأخوات دون أولادهم .
وهذا مذهب المالكية( ) .
واستدلوا بحديث ( لا يجزي ولدٌ والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه ) ( ) قوله فيشتريه فيعتقه أي بشرائه فإن الفاء بمعنى السببية فدل على أن تملكه لأبيه سبب في عتقه وقاسوا عليه الابن والأخ ؛ لأن كل الجهات قرابات مباشرة فهذه أبوّة وهذه بنوّة ، وهذه أخوّة .
أما ابن الأخ فجهته بنوة أخوة والعم أخوة أبوة وهكذا .

القول الثالث :
لا يعتق عليه بالملك إلا عمودا النسب الوالدون والمولودون دون غيرهم ، وهو قول الشافعية( ) ورواية عند الحنابلة( ) .
واستدلوا بالحديث السابق إلا أنهم قاسوا الابن على الأب بجامع الولادة دون الأخ فقالوا من لك عليه ولادة أو له عليك ولادة .

والراجـح :
الراجح واللَّه أعلم القول الأول ؛ للدليل ، ولأن الحكم لم يثبت بالقياس فيستدل به إنما هو بالنص .

المسألة الثانية
حكــم ولــد الزنــا في ذلك

إذا ملك ولد الزنا ذا رحم محرم منه فلا يخلو إما أن تكون قرابته عن طريق الأب أو لا تكون .
فالذي لا تكون قرابته عن طريق الأب كولده وولد ولده وأخيه من الأم وولد أخيه من الأم وأمه وأصولها وأخواله وخالاته ، فهذا يجري فيه الخلاف السابق فيمن يعتق على المشتري ، والراجح أنه يعتق عليه كغيره ، وكذلك هو يعتق عليهم إذا ملكوه .
أما من كانت قرابته عن طريق الأب كالأب الزاني نفسه وآبائه وأمهاته - أي أمهات الأب - وكأبناء الزاني الذين هم إخوة الولد من الأب وأبنائهم وكذلك أعمام ولد الزنا وعماته وأعمام أبيه وعماته وأخوال أبيه وخالاته إذا ملك أحداً من هؤلاء هل يعتق عليه ؟ وكذا إذا ملكه أحدهم ، قولان لأهل العلم :

القول الأول :
لا يعتق عليه وهذا رأي الشافعية( ) ، وهو المذهب عند الحنابلة( ) لانقطاع النسب من جهة الزاني ، ولأن أحكام الولد غير ثابته لولد الزنا وهي الميراث ، والحجب والمحرمية ووجوب الإنفاق وثبوت الولاية عليه .

القول الثاني :
يعتق الوالد والولد فقط دون البقية فلو ملك ولده من الزنا عتق عليه وكذا لو ملك والده من الزنا فيعتق عليه أيضاً .
وهذا مذهب الحنفية( ) ، واحتمال عند الحنابلة( ) لأنه جزؤه حقيقة فيعتق لمعنى الجزئية لا للنسب فإن الإنسان كما لا يستديم الملك على نفسه لا يستديم الملك على جزئه( ) ، ولا على أصله ، وهذا بخلاف الأخ لانعدام الجزئية فالأخ ينسب إليه بواسطة الأب ، ونسبة الأب منقطعة فلا تثبت الأخوة( ) ، فلا نسب بينهما ولا جزئية .
أما الولد فهو جزء منه ، وقد ثبت فيه حكم تحريم التزويج على الراجح . ولهذا لو ملك ولده المخالف له في الدين عتق عليه مع انتقاء الأحكام( ) ، أي الميراث والحجب ونحوهما .








وفيه أربعة مطالب :
المطلب الأول : العقل
المطلب الثاني : قتل الوالد بولده من الزنا .
المطلب الثالث : سرقة الوالد من مال ولده من الزنا .
المطلب الرابع : إجزاء ولد الزنا الرقيق في الكفارات .










وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : تعرف العقل والمقصود بالعاقلة .
المسألة الثانية : من يعقل عن ولد الزنا .


المسألة الأولى
تعريف العقل والمقصود بالعاقلة

العقـل في اللغـــة :
مقدر عَقَل يَعْقل بمعنى الحبس والمنع ، قال في معجم مقاييس اللغة ( العين والقاف واللام أصل واحد منقاس مطّـرد ، يدل عُظْمُهُ على حُبْسَةٍ في الشيء أو ما يقارب الحُبْسة ، من ذلك العَقْل ، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل ... ومن الباب العَقْل وهي الدية ) ( ) .
فالعقل الدية ، وعَقَلَ القتيل وداه ، وعقل عن فلان أدى جنايته( ) ، وتعاقلوا دم فلان عقلوه بينهم ، ودمه مَعْقُلةٌ على قومه غُرمٌ عليهم( ) .
وسميت الدية عقلاً لأن الإبل تعقل بفناء ولي الدم ، وقيل لأنها تعقل - أي تمنع - الدم أن يسفك( ) أي دم القاتل ، وتمنع سفك الدم بين العشيرتين .
والعاقلة الملتزمون بالدية من عصبة القاتل( ) .



العاقلــة اصطــلاحاً :
هم ( الجماعة التي تغرم الدية ) ( ).
وقيل ( هم الذين يقسم عليهم دية القتيل خطأً ) ( )، وقيل : جمع عاقل وهو ( دافع الدية ) ( ).
هم ( الذين يؤدون الدية عن القاتل وجوباً لصلة بينهم وبينه ) ( ).
وقيل ( من غرم ثلث دية فأكثر بسبب جناية غيره ) ( ) .
فالمقصود بهم إجمالاً الذين يتحملون دية القتل الخطأ عن غيرهم بسبب صلة قرابة أو ولاء أو ديوان على اختلاف بين المذاهب في التفاصيل( ).



المسألة الثانية
من يعقــل عن ولــد الزنــا

اتفق أهل العلم على أن الجاني يعقل عنه عصبته بنسب ثم بولاء ، وأن من لا عاقل له يعقل عنه بيت المال( ).
غير أن الحنفية ، والمالكية يقدمون أهل الديوان( ) على العصبة( ).
ولما كان ولد الزنا منقطع النسب من جهة الأب فمن يعقل عنه ؟

اختلف العلماء في ذلك إلى قولين :
القول الأول : أن عصبة أمه يعقلون عنه .
وهذا مذهب علي بن أبي طالب فإنه لما رجم المرأة قال لأوليائها : ( هذا ابنكم ترثونه ويرثكم ، وإن جنى جناية فعليكم ) ( )، وهو مروي عن عبدالله بن مسعود( )، وهو قول إبراهيم النخعي ( ).



وهو مذهب الحنفية( )، وقول الشافعي( )، وبعض الحنابلة( ).
الأدلـــة :
1 - لأنه لا نسب له ولا ولاء من جانب الأب فيكون منسوباً إلى قوم الأم( ) ، والنسب هو سبب العقل .
2 - ولأنهم قاموا مقام قوم الأب في التعصيب فيقومون مقامهم في العقل .

القول الثاني :
أنهم لا يعقلون عنه بل هو كمن لا عاقلة له فيعقل عنه بيت المال ، وهذا قول بعض الحنابلة( )، وابن حزم( ).
الأدلـــة :
1 - أنهم إنما ينتسبون إلى الجاني بقرابة الأم فلم يعقلوا عنه كما لو علم أبوه( ) .
2 - أن جعل الدية في مال عصبة أمه فيه تخصيص قوم بالغرامة دون سائر الناس بغيرٍ نص ولا إجماع وهذا لا يجوز( ) .



الترجيــح :
الراجح والله أعلم أن عقل خطأ ولد الزنا على بيت المال لأن القول بأن عصبة الأم عاقلة له متفرع عن القول بأنهم عصبة له في الميراث ، وقد سبق معنا ترجيح القول بأن التوريث من ولد الزنا كالتوريث من غيره ، ولو سلمنا بكونهم عصبة فلا يلزم من التعصيب في الميراث التعصيب في العقل بدليل الأخوات مع البنات فإنهن عاصبات في الميراث ولم يقل أحد بأنهن من العاقلة( ) .
وأما الأثر المروي عن علي  فهو دليل على أن عصبة الأم المعتقة بالولاء عصبة للولد وعاقلة له ، وهذا ليس محل النزاع .
فإن النزاع في عصبة الأم بالنسب - أقارب الأم - لا مواليها .
أما كون موالي الأم موالياً لولدها عند تعذر الولاء لهم من جهة الأب فمحل اتفاق بين المذاهب( ).











وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قتل الوالد بولده مطلقاً .
المسألة الثانية : قتل الوالد ولده من الزنا .



المسألة الأولى
قتل الوالد بولده مطلقاً

اتفق عامة أهل العلم على أن الوالد إذا قتل ولده فإنه لا يقتل به( )، وهذا هو مذهب الحنفية( )، والمالكية( )، والشافعية( )، والحنابلة( )، واشترط المالكية أن لا يكون قتله قتلاً لا يشك في تعمده كالذبح بالسكين فيقتل به ، وإلا فالأصل عندهم أنه لا يقتل به( ) .
1 - لحديث ( لا يقتل والد بولده ) ( ) .
2 - لقضاء عمر  في المدلجي الذي حذف ابنه بسيف فقتله فإنه أسقط عنه القصاص وأوجب الدية في ماله وكان ذلك بحضور الصحابة ولم يعرف له مخالف( ) .
3 - ولحديث جابر  ( أنت ومالك لأبيك ) ( ) فهذه الإضافة إن لم تثبت حقيقة الملكية فلا أقل من إثباتها لشبهة تدرأ القصاص( ) .
4 - ولأنه سبب في إيجاده فلا ينبغي أن يتسلط بسبب على إعدامه( ) ، كما أنه لا يجوز للابن أن يقتل اباه ابتـداء ولو كان حربياً أو مرتداً أو زانيا محصناً( ) .
5 - ولأنه بعضه وجزء منه فلا يكون البعض سبباً في هلاك الكل( ) .
6 - واستدل المالكية بأنه قتل الوالد لولده في غير الهيئة التي يتيقن تعمده له يغلب على الظن أنه كان بغير قصد القتل كالتأديب أو الترهيب لأن شفقه الأبوة تمنعه من القتل ، وفي هذا شبهة دارئة للقصاص .



المسألة الثانية
قتل الوالد بولده من الزنا

إذا عرفنا أن الأب لا يقتل بولده ، فهل الأب الزاني يأخذ نفس الحكم ؟ قولان لأهل العلم :
القول الأول :
يقتل الزاني بولده من الزنا ، وهذا هو الصحيح من المذهب عند الحنابلة( ) لأنه ليس أباً شرعاً وإن كان الولد قد تخلق من مائه إلا أنه لم يعتبر له حكم الأب في الشرع ، والقصاص إنما انتفى على الأب لشرف الأبوة فهذا الحكم فرع عن انتساب الولد إلى الأب( ) .

القول الثاني :
لا يقتل الزاني بولده من الزنا وهذا قول عند الحنابلة( ) فإنه مشترك مع الأب الشرعي في صفة الوالد التي جاء الحديث بها وهي أنه سبب لإيجاد الولد ، وفي معنى الجزئية فلا يكون البعض سبباً في تلف الكل وولده بعضه حقيقتـه وإن لم يكن منسوباً إليه .
ويظهر أن هذا هو القول الراجح والله أعلم ؛ إذ أن الولاد مانع للقصاص وهذا فيه شبهة منه فيدرأ القصاص به( ).
تنبيـه :
يندرج تحت هذه المسـألة مسائل أخرى متفرعة والحكم فيها سواء ، وهي كما يأتي :
1 - كما لا يقتل الوالد بولده ، فإنه لا يقتل له ، أي أن الولد إذ كان هو مستحق القصاص ( ولي الدم ) فإن القصاص يسقط ؛ لحرمة الأبوة ، ولأن الولد لا ينبغي أن يستحق هلاك والده ، فالحكم إذاً في هذه المسألة كالحكم في ما إذا قتل الوالد ولده( ).
2 - لا يجب القصاص فيما دون النفس على الأب في جنايته على ولده( ).
3 - لا يجب الحد على الوالد بقذفه لولده( ) .














وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : ملكية الأب في مال ابنه .
المسألة الثانية : هل الأب ملك في مال ابنه من الزنا .

المسألة الأولى
ملكية الأب في مال ابنه

اتفق الأئمة الأربعة( ) على أن الأب لا يقطع بسرقته من مال ابنه ، وذلك للأدلة :
1 - قول النبي  من حديث جابر -  - ( أنت ومالك لأبيك ) ( ).
2 - وقوله  من حديث عائشة - رضي الله عنها - ( إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم) ( ) فلا يجوز قطع من أخذ ما جعله الرسول  مضافاً إليه ، والحدود تدرأ بالشبهات ، وجعل الشارع المال له شبهة( ) .
3 - ولأن الأب يدخل بيت ابنه من غير استئذان عادة ؛ فلا يكون بيته حرزا في حقـه( ) .
4 - لشبهة استحقاقه النفقة( ) .
5 - لأن النفقة تجب له على الولد حفظاً له فلا يجوز إتلافه حفظاً للمال( ) .

المسألة الثانية
هل للأب ملك في مال ابنه من الزنا

الذي يظهر والله أعلم أن الأب الزاني ليس له ملك في مال ابنه من الزنا ولا يصح تصرفه فيه .
ولكن لو سرق منه فإن معنى البعضية بين الابن ومن تخلق من مائه يكفي شبهة لدرء الحد ، وربما يخرّج هذا على قاتل الولد من الزنا ، وقد رجحنا هناك أن قوة الشبهة فيه مانعة من القصاص .
فعلاقة ولد الزنا بالزاني مترددة بين كونه بعضاً منه وكونه غير منسوب إليه والأحكام المتعلقة بهما تميل إلى الاحتياط دائماً كما رأينا في عدم كونه محرماً لابنته من الزنا ومع ذلك حرم نكاحها عليه ... وفي الحدود هنا الأحوط درء الحدود بالشبهات .
وعند الشافعية وجهٌ أن الملاعن لا يقطع بسرقة مال الولد الذي نفاه بلعانه ولو أصر على لعانه ( ).













المطلب الرابع
إجزاء ولد الزنا الرقيق في الكفارات

عامة أهل العلم على أن ولد الزنا الرقيق مجزيء عتقه في الكفارة( )؛ لعموم قوله تعالى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ }( ) ، وقوله : { وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ }( ) .
ولأنه مملوك مسلم كامل العمل لم يعتض عن شيء منه ولا استحق عتقه بسبب آخر فأجزأ عتقه كولد الرشدة ( ) ، ولأن كونه ولد زنا إنما يختص بنسبه ، وذلك غير مؤثر في العتق كما لو كان أبواه مجوسيين( ) .
وخالف في ذلك عطاء والشعبي والنخعي والأوزاعي ( ) فقالوا لا يجزيء في الكفارة مستدلين بحديث ( ولد الزنا شر الثلاثة ) ، وحديث ( لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من عتق ولد الزنا ) ( ).
وقد سبقت الإجابة على هذه الأحاديث والكلام عنها في بداية هذا البحث فلا يثبت الاستدلال بها ، ولو ثبت فهي في أحكام الآخرة أما في الدنيا فهو كغيره في صحة بيعه وعتقه وصحة إمامته وقبول شهادته فكذلك إجزاء عتقه في الكفارة لأنه من أحكام الدنيا( ).





الخـاتمــــة :

في نهاية المطاف يتبين لنا أن مدار الأحكام التي تخص ولد الزنا على أمرين :
العدالــة والنســب :
1 - أما العدالة فقد تبين لنا من خلال هذا البحث أن كون الإنسان ولد زنا ليس من ذنبه فـلا يؤاخذ به ولا يقـدح في عدالته ، قال تعالى : {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}( ) .
وتبين لنا أن النصوص والأحاديث التي تشعر بذم ولد الزنا لا تخلو إما أن تكون ضعيفة أو أنها غير مطلقة بل مبينة ومقيدة ؛ لإن الإسلام منزه عن مؤاخذة مكلف بذنب غيره ، وأما ما يذكره بعض الفقهاء من أن ولد الزنا ليس له من يربيه فقد تبين أن ذلك مردود باليتيم واللقيط ونحوه ، ثم إنه ليس على اطلاقه ؛ فقد يقيظ الله له من يكفله ويربيه من المحسنين أو من الجهات المعنية بالرعاية الاجتماعية ، وهي ولله الحمد متوفرة في هذا الوقت .
بناء على ذلك فقد تبين لنا أن الراجح في كل أمر مترتب على العدالة أن ولد الزنا وغيره سواء فيه إنما العبرة بالصلاح والتقوى سواء كان ذلك في الشهادة على الزنا أو غيره أو الرواية أو الإمامة في الصلاة أو الولاية على المال أو النكاح أو ولاية القضاء وكذلك الولاية العظمى عند من لم يشترط كون الإمام من قريش ، كذلك فإنه يجزىء عتق ولد الزنا الرقيق في الكفارات .
2 - وأما النسب فقد ترجح لدينا أن ولد الزنا لا ينسب للزاني وإن ادعاه بلا خلاف إن كانت أمه فراشاً وعلى الراجح إن كانت غير فراش .

وقد انبنى على عدم نسب ولد الزنا إلى الزاني أنه خالف ولد الرشدة في الأمور المنبنية على النسب في الجملة ، فنذكر ما توصلنا إليه في ذلك وغلب على الظن رجحانه في عشر فقرات :
1 - ففي الإرث لا يرث ولد الزنا من الزاني ولا الزاني منه ، وكذا كل قريب له من طريق الزاني ، وإنما يرث ولد الزنا من أمه وأخيه لأمه كما يرث من زوجته وأولاده .
وميراث ولد الزنا يرثه من وجد من أولئك وكذا جدته أم أمه فإن لم يوجد له عاصب من فرعه الوارث فقد اختلف العلماء هل تعصبه أمه أو عصبتها ، وقد رجحنا رأي الجمهور أنه يعامل كغيره ممن لا عصبة له فيرد الباقي على ورثته عند من يقول بالرد أو يرثه ذوو أرحامه عند من يقول بذلك أو لبيت المال .
2 - وفي المحرمية لا تثبت المحرمية بأحكامها المترتبة عليها ( كجواز النظر والخلوة والسفر بها ) بين ولد الزنا والزاني وكل قريب من جهته .
3 - ويستثنى من أحكام المحرمية تحريم النكاح فلا تحل البنت من الزنا للزاني ولا لقريب من جهة ولا تحل لابن الزنا كل قريبة من جهة الزاني . احتياطاً للفروج وحرمتها ، وهذا هو القول الراجح .
4 - ولا تجب نفقة ولد الزنا على أبيه الزاني ولا نفقة الزاني على ولد الزنا لأنها إنما تجب بالنسب ولا نسب ، وإنما تجب النفقة لولد الزنا على كل قريب وارث على القـول الذي رجحنـا قال تعالى : {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}( ) ، فإن لم يكن له وارث كانت نفقته على بيت مال المسلمين .
5 - ولا ولاية للزاني على ولده من الزنا ولا للولد عليه فهو ليس ولده شرعاً ، وإنما الذي يتولى مال الولد هو الحاكم عند الجمهور واختار شيخ الإسلام أنه أمه تكون ولية عليه ، وربما قلنا إنها تكون ولية بإجازة الحاكم ، وولي نكاح ولد الزنا - الذكر المفتقر إلى ولي كالمجنون والأنثى - إنما هو المعتق العاصب إن وجـد ، فإن لم يوجد فقد اختلف في ولاية ذي الرحم الوارث له ، فإن أجازه الحاكم كان خروجاً من الخلاف .
6 - ولولد الزنا حق الرضاعة على الأم ديانة ويتحمل أجرة الرضاعة من وجبت عليه نفقة الولد ، وهو الوارث كما رجحنا في النفقة .
7 - وله حق الحضانة وأولى الناس به أمه ثم أمهاتها الأدنى فالأدنى فإن لم توجد واحدة منهن أو قام بهن مانع فللنساء من المحارم وهن : الأخت لأم والخالـة وخالة الأم وعمة الأم وبنت الأخ لأم وبنت الأخت لأم ، على خلاف في ترتيبهنّ، فإن عدمن أو كان بهن مانع من ذلك انتقلت الحضانة إلى الرجال ذوي الأرحام على ما رجحنا .
8 - وإذا تملك ولد الزنا ذا رحم محرم منه أو ملكه ذو رحم محرم عتق المملوك إلا من كانت قرابته عن طريق الزنا فلا اعتبار بها واستثنى بعض العلماء من ذلك الوالد وولده من الزنا إذا ملك أحدهما الآخر عتق عليه لمعنى الجزئية لا للنسـب .
9 - وإذا جنى ولد الزنا جناية مما يتحمله العاقلة عقل عنه بيت المال إذا لم يكن له عاصب من الفرع الوارث أو مولى أما عصبة أبيه - الزاني - فلا يعقلون عنه لانقطاع نسبه إليهم .



10 - واستثناءً من قاعدة أن كل حكم ترتب على نسبة الولد إلى أبيه لا يكون حكماً لولد الزنا فإنه إذا اعتدى الزاني على ولده من الزنا بقتل أو جناية أو سرق من ماله فقد ترجح أنه لا يقتص منه ولا تقطع يده بتلك السرقة لأن كونه جزءاً منه شبهة تدرأ عنه القصاص أو الحد وإن لم ينسب الولد إليه .
هذا مجمل ما توصلت إليه في هذا البحث فما كان فيه من صواب فمن الله وما كان من خطأ فمني والشيطان ، والله المستعان .
بيان العلي
اوائل الاعضاء
اوائل الاعضاء
 
مشاركات: 148
اشترك في: السبت أكتوبر 11, 2008 4:00 am
مكان: : رفاع العز :
الجنس: أنثى

Re: أحكام ولد الزنا

مشاركة غير مقروءةبواسطة محمد السبيعي » الثلاثاء أكتوبر 28, 2008 12:10 am

الف شكر على هذه المساهمة الفعالة
[align=center]صورة[/align]
صورة العضو الشخصية
محمد السبيعي
عضو
عضو
 
مشاركات: 40
اشترك في: الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:07 pm
الجنس: ذكر

Re: أحكام ولد الزنا

مشاركة غير مقروءةبواسطة شمعة الجلاس » الثلاثاء نوفمبر 11, 2008 11:06 pm

[align=center]الف شكر على هذه المساهمة الفعالة[/align]
شمعة الجلاس
اوائل الاعضاء
اوائل الاعضاء
 
مشاركات: 83
اشترك في: الاثنين نوفمبر 03, 2008 10:18 pm
مكان: محرقاويه
الجنس: أنثى

رد: أحكام ولد الزنا

مشاركة غير مقروءةبواسطة كان لازم نفترق » الأحد مارس 28, 2010 2:45 pm

بحث ممتاز يا خوي ......... ألـــف شكــــر .....
كان لازم نفترق
عضو
عضو
 
مشاركات: 2
اشترك في: الأحد مارس 14, 2010 6:27 pm
الجنس: ذكر


العودة إلى الشريعة والقانون

 


  • { RELATED_TOPICS }
    ردود
    مشاهدات
    آخر مشاركة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر