[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 483: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 379: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/bbcode.php on line 379: preg_replace(): The /e modifier is no longer supported, use preg_replace_callback instead
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/session.php on line 1038: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at [ROOT]/includes/functions.php:3876)
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/functions.php on line 4764: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at [ROOT]/includes/functions.php:3876)
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/functions.php on line 4766: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at [ROOT]/includes/functions.php:3876)
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/functions.php on line 4767: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at [ROOT]/includes/functions.php:3876)
[phpBB Debug] PHP Warning: in file [ROOT]/includes/functions.php on line 4768: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at [ROOT]/includes/functions.php:3876)
كتاب إسكان المحضون : الشريعة والقانون

كتاب إسكان المحضون

كتاب إسكان المحضون

مشاركة غير مقروءةبواسطة حمد السبيعي » الثلاثاء نوفمبر 11, 2008 11:10 pm

[align=center]دكتور
أحمد محمد أحمد بخيت
قسم الشريعة الإسلامية
كلية حقوق بنى سويف
جامعة القاهرة[/align]


بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
بعد حمد الله تعالى الذى " أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " ، وأنزل كتابه الذى " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " ، وبعد الصلاة والسلام على نبيه  وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه والتزم سنته إلى يوم الدين . فإن المشكلة التى أعنى ببحثها فى الصحائف التالية من المشكلات التى ألقت – ولم تزل تلقى – بظلالها فى المحيط الأسرى والاجتماعى والاقتصادى والأخلاقى ، ولا بد وأن تكون لكل ذلك إفرازات أمنية لها حتما آثارها فى الاستقرار والتقدم .
فالملاحظ لقضية " إسكان المحضون " فى العقدين الأخيرين يرى أنه ما إن تدخل المقنن المصرى بتقنينها حتى ثارت زوابع على كافة الأصعدة ، فعلى الصعيد الأسرى تحرش كثير من الزوجات بأزواجهن ، وكدن لهن ، بعد أن شهرن سلاح " الشقة من حق الزوجة " ، وخوفا من آثار هذا السلاح أمسك بعض الأزواج عن الفراق راضين بالضيم ، ولكنهم لم يعدموا وسيلة للتنغيص على الزوجات ، أو المكر بهن لإيقاعهن فى شرك " عدم أهلية الحضانة " والمتصور فى ظل هذا الجو القاتم أن ينشأ الأولاد على غير مراد الله من المودة والرحمة ، والاستقرار النفسى المؤهل للنجاح والتقدم وتحاشى أسباب الانحراف.
وممن كانوا عزبا من منعهم الخوف من المجهول من الزواج على رغبتهم فيه وحاجتهم إليه ، فارتفع سن الزواج فى الجنسين ، ولارتفاعه آثاره الخلقية ، والاجتماعية والنفسية – على المرأة خصوصا – التى لا تخفى .
وكان من آثار الحلول القانونية – مع تعنت الخصوم وبالنظر إلى الأنماط الغالبة فى المدن بخاصة – أن ارتفع الطلب على المساكن فارتفعت الأسعار ، هذا من جانب ، ومن جانب أخر ظهرت مشكلات جمة فى العلاقة بين الملاك والمستأجرين فتقاتل – كما عبر البعض ( ) – الناس على الحيازة ، وأدخل المؤجرون فى خصومات لا تمت لهم – فى الأصل – بسبب .
ومن آثار الحلول القانونية بالنظر إلى الأنماط القروية ومثيلاتها من الحالات التى لا تستقل فيها الأسرة الصغيرة بمسكن مستقل أن تمكنت الحاضنة من مشاركة المطلق مسكن الزوجية – سابقا – مع ما فى هذا من خطر محدق على الأخلاق والأعراض ، وإن وقى الله المنفق والحاضنة شر امتداد الأعين إلى ما حرم الله فإن احتمال أن ينزغ الشيطان بين الخصمين قائم ملحوظ ، وبدل أن ينصرف كل منهما إلى ما يصلح حاله وحال المحضون نراه يتربص بالآخر فيفسد عليه راحته وأمنه تنفيساً عن كربة ، أو رغبة فى هزيمة ، وغالباً ما يكون المحضون هو ضحية هذا الكيد .
لهذا كله فإنه ما إن برز الحل المقنن – مرتين كما سنرى – صراحة حتى عاجلته الانتقادات والتظلمات ، ووصل الأمر بالنزاعات أن بلغت سدة القضاء ، المحكمة الدستورية العليا ، فحكمت بعدم دستوريته ضمنا فى المرحلة الأولى ، وبعدم دستوريته قصدا فى المرحلة الثانية .
وكما سنرى فإن الحكم بعدم الدستورية قد أعاد المشكلة إلى ما كان يجرى عليه العمل تقريبا قبل التقنين الصريح أعنى قبل القرار بقانون 44 لسنة 1979 ، والسؤال الآن : هل الحل الذى قررته المحكمة الدستورية العليا ، إثر تصديها للنزاع حول مدى دستورية المادة 18 مكررا ثالثا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 ، كاف لحل هذه المشكلة ؟ أم أن المشكلة تحتاج حلولاً أخرى بديلة أو مكملة ؟
هذا ما سأسعى لإيجاد جوابه ، آخذا فى الاعتبار أن أية مشكلة هى إفراز لمشكلات سابقة ، وسبب لتداعيات لاحقة .
وقد آثرت أن أضم إلى اجتهادات السلف ، والمحدثين ، والحلول القانونية والقضائية المصرية ما مكننى الله من الوقوف عليه من حلول تناولتها بعض التقنينات العربية الأخرى ، عسى أن يوفقنى الله فى الوصول إلى حل نافع مستطاع يسهم فى تقوية أواصر المودة والرحمة ، ويحد من أسباب الشحناء ، ويعين على تنشئة الصغار تنشئة صالحة ترضى الله ، وتحمى مصالح المجتمع ، فإن لم أوفق فى الظفر بالأمنية فعسانى أسهم فى الدلالة عليها ، والله الهادى إلى سواء السبيل .
المبحث الأول
ملاحظات على بعض التقنينات التى تستهدف تطبيق
الشريعة الإسلامية
=1=
تغليب الاعتبارات الخاصة على مقتضيات التشريع
فى حوار مع الدكتور عوض المر رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق ( ) سئل سيادته عن منابع المخالفات التشريعية التى يقضى بعدم دستوريتها ، فأجاب محدداً أمرين :
أولهما : كثرة صدور القوانين دون أن تتاح لها الفرصة الكافية لتقليب وجهات النظر بشأنها .
وهذا حق ، لأن القانون – أى قانون – هو مرآة المجتمع والمعبر عن آماله وطموحاته ، وإذا لم يعكس القانون حقيقة النبض الاجتماعى للمجتمع الذى يحكمه فإنه يفقد مصداقيته ، ويتحتم استبداله ، لأن " القانون الذى لا يمكن تنفيذه إلا عن طريق الجبر والإكراه هو قانون فاشل ، يحمل فى طياته أسباب فشله ومصيره الفناء " ( ).
وإذا كان هذا هو الشأن بالنظر إلى عامة التقنينات ، فإنه بالنظر إلى تلك التى تستهدف تطبيق الشريعة الإسلامية ينبغى أن يكون التريث فى إصدارها قاعدة لا يحاد عنها ، حتى لا يحمل الجاهلون بالفقه الحنيف الأحكام الشرعية أوزاراً هى منها براء.
وقد لوحظ بحق أن التشريعات الحديثة تفتقر إلى عمق الدراسة وحسن الصياغة ، ولا يرجع ذلك إلى تصدى غير الأكفاء – فحسب – لعملية التقنين ، وإنما إلى الإسراف فى الاعتبارات السياسية والاجتماعية على حساب مقتضيات التشريع( ) .
فمما لا يخفى – مثلا – أن أحكام الشريعة الإسلامية مستهدفة خصوصا فى دائرة ما يسمى " الأحوال الشخصية " حيث تسعى الجماعات المستغربة إلى تشويه وتلفيق وتجهيل أحكام الشريعة فى هذا الجانب البالغ الخطر بالنسبة للإنسان ، وبخاصة المسلم ، بغية قطعه عن تراثه ، والنيل من الأسرة التى هى الحصن الحصين الذى لم يزل – بفضل الله – عقبة فى طريق الحلم الاستعمارى، وغير خاف أن جماعات الضغط هذه جندت وتجند فئات لها ثقلها السياسى والاجتماعى ، وروجت وتروج لدعاواها تحت مسميات براقة كالعدالة والحرية ، والمساواة ، والإنسانية ، والرقى ، والتحضر ، والمدنية ، والحداثة ، وحاجات العصر ، ومسايرة الأمم وما إلى ذلك من مبتكرات لفظية يحرص أصحابها على أن تحتوى على أكبر قدر من الجذب والبريق والاستهواء ( ).
فى ظل هذا ، ومع غياب التمثيل النيابى الدقيق الواعى فى المجالس النيابية وجدت بعض التقنينات المعيبة طريقها إلى الصدور والنفاذ ، استجابة لهذه الضغوط مع ما تحمله فى طياتها من أسباب فشلها .
ومن ذلك – حسبما نراه شديد الصلة بموضوعنا –
=2=
التطليق للعجز عن النفقة
حسب المادة الرابعة من القانون 25 لسنة 1920 فإن للقاضى أن يطلق – بناء على طلب الزوجة – على الزوج " وإن ادعى العجز – عن النفقة - ، فإن لم يثبته طلق عليه حالا ، وإن أثبته أمهله مدة لا تزيد على شهر ، فإن لم ينفق طلق عليه بعد ذلك ".
وهذا الحكم مستقى من قول جمهور الفقهاء ( ) فى التطليق لعدم الإنفاق، استناداً إلى قول الله تعالى " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " ( ) وقوله "ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا " ( ) والوجه فى الآيتين : أن الإمساك مع عدم الإنفاق ضرر ، وقد نهى عنه ، فإن لم يسرحها الزوج مع ذلك طلق عليه القاضى.
ويدل عليه من السنة قول النبى  " لا ضرر ولا ضرار "( ) والإمساك مع عدم الإنفاق ضرر ، والضرر يزال .
وبهذا النص هجر القانون مذهب الحنفية ( ) الذى كان عليه العمل قبل صدوره ، ومذهبهم يقضى بعدم التطليق لعدم الإنفاق ، وإنما تمكن الزوجة من النفقة بوسائل عملية كإكراه الزوج على النفقة لقول الله تعالى " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " ( ).
وفضلا عن الأمر أو الندب بإمهال المعسر فإنه لم ينقل لنا أن النبى  مكن زوجة معسر من الفرقة ، ولا أعلمها أن ذلك حقا لها ، والمعسرون من الصحابة – كما يعلم – أضعاف الموسرين ( ).
وقد كشفت حكاية بعض الأفاضل ( ) أن الداعى إلى هذا العدول ليس رفع الضرر عن المتضررات بعدم الإنفاق ، وإنما توقى طلبهن النفقة من بيت المال ، فاستهدف النص فى الحقيقة غل يد ولى الأمر عن إنقاذ الملهوف ، وإغاثة المكروب ، والقيام بحاجة المحتاجين ، على خلاف النص الثابت " من ترك مالا فلورثته ، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى ، فأنا مولاه ( ).
ولأن الحكم الذى ارتضاه القانون لم يرع حسن العشرة الواجب على الزوجين ( ) ، وأغفل حقيقة أن المال يروح ويجىء ، وأن تصرف المقنن لم يزد على نقل عبء النفقة عن المطلق عليه إلى المطلقة أو إلى أهلها ، مما يكلفها مشقة العمل أو حرج السؤال ، أو يرهق الملتزم من الأهل بنفقة زائدة على نفقته ونفقة الآخرين الذين يعولهم ، لكل ذلك لم يلق تعين( ) التطليق على غير الواجد قبولا من أكثر علمائنا ، فوصف بأنه " لم يكن إصلاحاً " ( ) لأنه " يخالف روح الشريعة ويخالف حتى مبادئ المجتمع الذى نعيش فيه اليوم ، وهو على ما فيه ، تضمن خيرا فى هذا المجال ، مجال التأمين الاجتماعى الذى يكفل الحد الأدنى بالنسبة للمحتاجين " ( ) ومما لوحظ فى التطليق للإعسار أن أكثر الأحكام غيابية مما يشير إلى أن النص قد يتخذ سبيلا للعبث بالحياة الزوجية ( ) كما لوحظ أن أحكام القضاء قد جرت على ألا تطلق زوجة غير الواجد متى كان له كفيل موسر له مال ظاهر ( ).
وقد جرت ولم تزل تجرى محاولات للتغلب على مشكلة الإعسار بالنفقة فأخذ فى القانون 62 لسنة 1976 " م 3،6 " بأن يلتزم بنك ناصر الاجتماعى – فى حدود المبالغ المخصصة – بالوفاء بالنفقة المحكوم بها بناء على طلب المحكوم له ، على أن يستوفى البنك ما يكون قد أداه بطريق الحجز الإدارى على أموال المحكوم ضده .
واقترح ( ) – بمناسبة الجدل الدائر حول مشروع قانون للإجراءات الشرعية مزمع عرضه على مجلس الشعب –أن يتم العمل بنظم للتأمين من المسئولية عن النفقة بكل أنواعها ، أو أن يستعان بنظام التكافل الاجتماعى للوفاء بنفقة المعوزين ، وتنشأ صناديق لذلك تمول من التبرعات وأموال الزكاة .
وكل ذلك طيب ، ولكنه لا ينال من عنت الحكم المقرر بعجز المادة الرابعة من القانون 25 لسنة 1920 ، لأنه وإن يسر للمتضررات مكنة الحصول على النفقة ، فإنه لم يمنع العابثات من طلب التطليق للعجز عن النفقة ، لا سيما وأن إجابة طلبهن متعين على القضاء ، لا مكنة لرده .
وباستقراء الواقع يتبين لنا أن الفرقة بين الزوجين هى المنبت الأصيل ، والغالب لمشكلة إسكان المحضون .
=3=
إجازة التطليق للتضرر من تعدد الزوجات
من قواعد الفقه الحنيف أن "الضرر يزال" على أن تتقيد تلك القاعدة بقاعدة أخرى هى "الضرر لا يزال بالضرر"( ) .
وقد ارتأت – ولم تزل ترى – جماعات الضغط أن تعدد الزوجات فى ذاته ضرر ، ينبغى قطعه ، فألحت على ضرورة النص على منعه أو وضع العراقيل فى طريقة ، وظهر ذلك فى مشروع قانون الأسرة الذى أعد سنة1967، ولكن النص على حق الزوجة فى طلب التفريق إذا عدد زوجها زوجاته ، أو تزوجها حال إخفائه عليها أنه متزوج من غيرها لم ير النور إلا بالقرار بقانون 44 لسنة 1979م ، ثم أعيد النص عليه فى القانون 100 لسنة 1985 ، مادة 11 مكررا.
ولا يخفى على باحث أن القرار بقانون 44 لسنة 1979 يعد المثال الأشهر للقوانين التى تصدر دون أن تتاح لها الفرصة الكافية لتقليب وجهات النظر بشأنها ، بل يبدو من طريقة إصداره والعجلة فى ذلك تحاشى سهام النقد التى ووجه بها ( )، وهو لم يزل مشروعاً لما تضمنه من أحكام بعضها لا يرعى الاستقرار الأسرى ويزيد من أعباء الرجال .
وقد بلغت العجلة أوجها بإغفال الشكلية الواجبة فى إصدار القرارات بقوانين ، فخولفت أحكام المادتين 108،147 من الدستور بحجة أن القانونين 25 لسنة 1920 ، 25 لسنة 1929 يحتاجان إلى تعديل ، وقد طال الأمد على استصدارهما ، وطول الأمد واستطالة المدة هى حالة الضرورة ، التى تستدعى –كما يقول وزير الدولة لشئون مجلس الشعب – أن يصدر ولى الأمر قرار ثوريا بإصلاح الأسرة ، ولوترك الأمر لاقتراح بقانون ، أو لمشروع بقانون وثارت حوله المناقشات ، وظل شهوراً وسنين فأين هى الحاجة التى تدعو إلى تحقيق إصلاح الأسرة بقرار ثورى مثل القرار بقانون المعروض للنظر فى إقراره ؟( )
ولما كانت هذه الحجة لا ترقى بالحاجة إلى "اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير" إلى حين انعقاد مجلس الشعب ، فإن المحكمة الدستورية العليا إذ اتصلت بالنزاع فى مدى دستورية القرار بقانون 44 لسنة 1979 فإنها حكمت بعدم دستوريته لتخلف سند إصداره بغياب " الحالة الداعية لاستعمال رخصة التشريع الاستثنائية ، وهو ما لم تكن له قائمة بالنسبة للقرار بقانون المطعون عليه ".( )
ولكن القرار بقانون 44 لسنة 1979 صدر فى يونيه 1979 ونشر بالجريدة الرسمية فى 21/6/1979 ، ونص فى مادته السابعة على أن يعمل به من اليوم التالى لتاريخ نشره ، وقد صدر حكم الدستورية العليا بعدم دستوريته فى 4/5/1985 ونشر فى 16/5/1985 ، مما يعنى أن القرار الملغى قد طبقته المحاكم ما يقرب من ست سنوات كاملة .
ولما كان الظاهر من مراد المقنن أن مجرد الجمع يعد من قبيل الإيذاء، وهو ما أكدته المذكرة الإيضاحية لهذا القرار بقانون بقولها " ولما كانت مشكلة الجمع بين أكثر من زوجة مشكلة اجتماعية فإن المشروع رأى اعتبار الجمع من قبيل إيذاء الزوجة السابقة فأعطاها الحق فى طلب التفريق ما لم ترض به ، كما أعطاها هذا الحق إذا أخفى الزوج عنها وقت الزواج أنه متزوج ". لهذا فإن التطبيقات القضائية .
لنص المادة الثانية من القرار بقانون ، والمضافة برقم 6مكرراً إلى القانون رقم 25 لسنة 1929- والمستبدلة فيما بعد بالمادة الأولى من القانون 100 لسنة 1985 ، والمضافة برقم 11 مكرراً إلى المرسوم بقانون 25 لسنة 1929 – جاءت مناسبة لهذا التوسع ، فقضى بحق الزوجة – الأولى – فى طلب الطلاق للزواج من أخرى بمجرد العقد ، حتى ولو قام الزوج بطلاق هذه الأخرى تفادياً للحكم ضده بالتطليق عليه ( ) . وأن اقتران الزوج بأخرى بغير رضا الزوجة الأولى التى فى عصمته يعتبر ضرراً بها ، يعفيها من إثبات هذا الضرر متى طلبت التفريق لأجله ( ).
وعلى الرغم من أن تعدد الزوجات ضئيل الحدوث فى المجتمع المصرى إلا أن النص على أن توقف حصوله مرهون بالزوجة أثار ثائرة الرجال ودوائر أخرى كثيرة ، حتى قيل إن المقنن قد نقل بهذا النص الحق فى التعدد من يد الرجل إلى المرأة ، إن شاءت أباحت له الجمع بينها وبين أخريات معها ، وإن شاءت حرمته من التعدد بأن تطلق عليه لهذا السبب ( ) . بل بلغت النفرة من النص حدها بامتناع بعض الأحكام عن الأخذ بفكرة الضرر المفترض التى تضمنها هذا النص بغية تضييق تطبيقه ( ) وجاوزت محكمة شمال القاهرة الابتدائية الرغبة فى التضييق إلى رفض التطبيق كلية ( ) . إيمانا منها – وكما جاء فى حكمها الصادر بجلسة 21/4/1983 قضية رقم 207 لسنة 1982 – بأن النص حرم ما أحله الله ، وخالف الكتاب والسنة والإجماع ، وأن القول به ليشين النبى  والصحابة ، وحاشاهم أن يكونوا كذلك ، وأن المقنن اجتهد فيما لا مساغ للاجتهاد فيه ، وانتهى إلى ما ليس فى صالح الأسرة ، وحماية استقرارها ، وكان يكفى لعلاج الإضرار التى يمكن أن تنجم عن التعدد إعمال نص المادة السادسة من المرسوم بقانون 25 لسنة 1929 .
وحيث إن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع حسبما جاء بدستور 1971 ، ويجب إعمالها فى حالة تعارضها وأحد النصوص ، وحيث إن المدعية – طالبة الطلاق للتعدد – تؤسس دعواها على ما يعارض ما أنزل الله ، ومن ثم تضحى دعوى المدعية على غير سند من القانون ، ومتعارضة والشريعة الإسلامية ، الأمر الذى تقضى معه المحكمة برفضها ، لهذه الأسباب حكمت المحكمة غيابيا برفض الدعوى وألزمت المدعية المصروفات.
وفضلا عما يؤخذ على هذا النص مما جاء بحكم محكمة شمال القاهرة السالف الذكر فإنه أزال الضرر المحتمل مع التعدد بضرر أكيد الحصول ، إذ فتح بابا آخر لزيادة عدد المطلقات ، غافلا عن حقيقة زيادة عدد غير المتزوجات ممن تجاوزن سن الزواج والمطلقات والأرامل ، وحسب إحصاء 1960 فإنهن بلغن أكثر من مليونين وربع ، المطلقات منهن 147 ألف مطلقة ( ) . وتشير الإحصاءات التالية إلى أن العدد فى ارتفاع مستمر ، فقد بلغ عدد المطلقات والأرامل فقط فى إحصاء 1996 وحسب إعلان الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عدد 2.458546 بنسبة 7.1 ٪ من جملة السكان فى سن الزواج ( ) ونظراً لأن القرار بقانون 44 لسنة 1979 قد جاء فى مادته الرابعة بحكم قصد به زيادة أعباء الطلاق ( ) حيث نص على أن "للمطلقة الحاضنة بعد طلاقها الاستقلال مع صغيرها بمسكن الزوجية المؤجر ما لم يهيئ المطلق مسكنا آخر منا سباً … " موجباً نفقة سكنى المحضون على أبيه ولو كان للمحضون مال ينفق منه عليه( ). فقد كان هذا القرار بقانون مدخلاً فجا إلى أن يضار المولود له بولده ، فسيطرد من مسكنه ، أو يلزم بتهيئة مسكن آخر دون مقتضى شرعى( )، بعد أن أصبح " حق المطلقة الحاضنة – فى الإقامة والاستقلال بمسكن الزوجية – طوال فترة الحضانة – أصبح يستند إلى نص تشريعى خاص قضى على كل اجتهاد فقهى ، أو افتراض قانونى حسب المسألة فى القانون الوضعى ، ولا يحد من أعمال هذا الحكم سوى أن يهيئ لها المطلق مسكناً آخر مناسباً " ( ) وعندئذ حق لرجل الشارع أن يقول " الشقة من حق الزوجة".
وبتوسعة منافذ التطليق ، وتمكين المطلقة الحاضنة من مسكن الزوجية المؤجر ما لم يهيئ المطلق مسكناً آخر مناسباً ، يكون المقنن قد مكن الزوجة أن تعاقب زوجها العائل إن تزوج عليها بعقابين :
أولهما : أن تطلق عليه وإن لم يلحقها من الزيجة الثانية ضرر مادى .
والثانى : أن تجبره على ترك مسكنه لحضانة ولده فيه قسرا عنه فى ظل أزمة إسكان خانقة ، مما يضر به ضرراً لا يعاظمه ضرر .
وكلا العقابين يفتقران إلى السند الشرعى ، بل ويتعارضان مع النصوص الصريحة من الكتاب والسنة ( ) ويشغلنا من أمر تطبيق هذا القرار بقانون أن مشكلة إسكان المحضون برزت فى ظله بوضوح ، وبدلاً من أن يسعى الوالدان فى تراض منهما وتشاور( ) إلى حماية الصغار والعناية بهم ، إذا بكل منهما يعمد إلى أن يضار الآخر بولده على خلاف الأمر الشرعى " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " ( ).
تعدد الزوجات فى القانون 100 لسنة 1985
صدر القانون 100 لسنة 1985 فى أعقاب الحكم بعدم دستورية القرار بقانون 44 لسنة 1979 ، بل ونص فى مادته السابعة على أن يطبق بأثر رجعى يعود إلى تاريخ نشر حكم المحكمة الدستورية العليا المذكور ، لا لسبب إلا أن لا تطبق المحاكم القانون 25 لسنة 1920 والمرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 بحجة أن هناك مشكلات مازالت معروضة على المحاكم ، وأن احتمالات صدور أحكام فيها ، أو قرارات إدارية بالإخلاء قائمة . ( )
ومن هنا اتسمت الموافقة على الاقتراح بقانون رقم 100 لسنة 1985 بالاستعجال( ) ، بل كما تبرز محاورات السادة أعضاء مجلس الشعب ورئيسه حول مواد الاقتراح فإنه استهدف بعث القرار بقانون 44 المحكوم بعدم دستوريته،( ) الأمر الذى حدا بالمنصة أن تغفل كثيراً من الاقتراحات البناءة التى استهدفت تحاشى العيوب التى أبرزها تطبيق نصوص القرار بقانون 44 لسنة 1979 .( )

وإن كان يحمد للاقتراح بقانون أنه أعاد صياغة المادة الأولى من القرار بقانون 44 لسنة 1979 – مادة 6 مكرراً من القانون 25 سنة 1929 – بما ينقيها من شائبة اقتراض الضرر بمجرد الزواج بأخرى ( ) ونص فى مادته الأولى – إحدى عشرة مكرراً من القانون 25 لسنة 1929 – على أنه " ويجوز للزوجة التى تزوج عليها زوجها أن تطلب الطلاق منه إذا لحقها ضرر مادى أو معنوى يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما ، ولو لم تكن قد اشترطت عليه فى العقد ألا يتزوج عليها ، فإذا عجز القاضى عن الإصلاح بينهما طلقها عليه طلقة بائنة …. إلخ " إلا أنه اعتبر الضرر الحاصل بالتعدد ذا ذاتية خاصة ( ) مستقلا عن المبدأ العام فى التطليق للضرر والذى تقرر بالمادة السادسة من المرسوم بقانون 25 لسنة 1929 ، وبما يخرج عن مفهوم الضرر فى المذهب المالكى ( ) الذى استند إليه الاقتراح فى تقرير هذا الحكم ، الأمر الذى جعله مستهدفا للطعن بعدم الدستورية أيضاً.( )
وقد كان ، إذ طعن على النص فعلاً بعدم الدستورية ، ومحكمتنا العليا وإن قضت بدستوريته ( ) إلا أنها ألزمت بألا يطبق إلا فى إطار من التفسير ، ودائرة هى دائرة المضار الفعلية إذا كان مرجعها فعل أو امتناع أتاه الزوج قبل زوجته ، مرتبطاً بالزيجة التالية ومتصلاً بما يكون عليه حال العشرة بينهما، بعد تزوجه عليها ، مما لا يأذن به الشرع أو يرخص فيه ، ومن ثم – كما تقول المحكمة – يكون هذا النص منطوياً على تطبيق خاص للتطليق للضرر ، لإفراده صوراً بعينها يكون ذلك النص منصرفاً إليها ودائراً حولها ، وهو باعتباره كذلك يعد فرعاً لأصل يرد إليه ، وليس للفرع امتياز على الأصل الذى يلحق به ، ويقتضى ذلك أن يفسر – النص المطعون فيه – على نحو يوفق بين أحكامه وقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " ( ) وكذلك على ضوء القاعدة الكلية "لا ضرر ولا ضرار " .
وبعد أن أصلت المحكمة القاعدة ، واستعرضت القواعد الجزئية المتفرعة عنها ، والتى منها " أن الضرر لا يزال بمثله كى لا يتفاقم مداه " و "أن تزاحم ضررين يقتضى اختيار أهونهما دفعاً لأعظمهما " بعدها عرضت لحدود قاعدة " لا ضرر ولا ضرار " فى المذهب المالكى الذى استقى منه المقنن حكم التطليق للضرر ، فتنقل عن المالكية " توكيدهم أن الأضرار التى تخول الزوجة حل عقدة النكاح بينها وبين زوجها هى التى تكون كذلك بالمقاييس الشرعية ، ولا اعتداد فى توافرها وقيام سببها بما تراه هى – أى الزوجة – صواباً أو انحرافاً عن الحق ، أو بما يكون كامنا فى نفسها قبل زوجها ، بغضاً، أو ازدراء ، أو نفوراً ، وإنما مرده دوماً إلى ما تقرر الشريعة الغراء اعتباره ضرراً " ثم قالت " هذه القاعدة التى فصلها المالكية هى الأصل العام فى التطليق للضرر ، والنص المطعون فيه يعتبر من تطبيقاتها ، ويتقيد بإطارها العام الذى يخول كل زوجة حق التفريق بينهما وبين زوجها ، إذا لم يعد مستطاعاً – على ضوء الأضرار التى ألحقها بها – دوام العشرة بين أمثالهما .
ولأنه متى حددت المحكمة الدستورية العليا معنى معيناً لمضمون نص تشريعى فإن هذا المعنى يكون هو الدعامة التى قام عليها الحكم ، ولا يجوز لأية جهة – ولو كانت قضائية – أن تعطى هذا النص معنى مغايراً يجاوز تخوم الدائرة التى يعمل فيها ، محدداً إطارها على ضوء قضاء الدستورية العليا ، لهذا فإن محكمة النقض المصرية إذ اتصلت بمنازعة من هذا القبيل فإنها التزمت بالتفسير الذى أرسته المحكمة الدستورية العليا ، وقضت ( ) بأن " حق الزوجة التى تعارض الزواج الجديد لا يقوم على مجرد كراهيتها لزوجها لتزوجه بأخرى، وإنما يجب عليها أن تقيم الدليل على أن ضرراً منهياً عنه شرعاً قد أصابها بفعل أو امتناع من قبل زوجها ، على أن يكون هذا الضرر حقيقياً لا متوهما ، مستقلاً بعناصره عن واقعة الزواج اللاحق فى ذاتها ، وليس مترتبا عليها ، وأن يكون هذا الضرر مما لا يغتفر لتجاوزه الحدود التى يمكن التسامح فيها شرعاً ، منافياً لحسن العشرة بين أمثالهما بما يخل بمقوماتها ، ويعد إساءة دون حق اتصلت أسبابها بالزيجة التالية ، وكانت هى باعثها ولا يعد ضرراً هذا الذى يعود إلى مجرد المشاعر الإنسانية التى تعمل فى صدر المرأة تجاه ضرتها".
ومع أن التفسير الذى أرسته الدستورية العليا ، والتزمته محكمة النقض فى أحكامها من بعد ، قد أعاد الأمر إلى نصابه الصحيح ؛ حيث أفرغ لفظ " الضرر المعنوى " من بعض مضمونه الذى استهدفه الاقتراح كإصابة الزوجة بالوحشة نتيجة انقطاع الزوج عنها عدداً من أيام الأسبوع أو إحساسها بالغيرة والإحباط ، ونحو ذلك مما يؤذيها نفسياً ويسلب سكينتها ( ) الأمر الذى تسقط معه أوجه النقد والاعتراض ( ) ، التى ووجه بها نص المادة 11 مكرراً ، مع هذا فإن النص قد طبق لأكثر من تسع سنوات حتى قضى بعدم دستوريته ، مما يعنى أنه قد أسهم – مدة تطبيقه فى زيادة حالات الطلاق ، كما أسهم فى مشكلة إسكان المحضون متى كانت المطلقة حاضناً ، لا سيما وأن من تطلق لبواعث نفسية تعتمل فى صدرها لا بد وأن تكيد لمطلقها متى وجدت إلى ذلك سبيلا .
وقد مكنها القانون 100 لسنة 1985 من وسيلة مضاءة للكيد ( ) إذ أبقى على التزام المطلق بإسكان المحضون فى كل الأحوال ، كما كان مقرراً بالقرار بقانون 44 لسنة 1979 – المادة الرابعة – وعلى حق المطلقة فى الاستقلال بمسكن الزوجية المؤجر ما لم يهيئ لها المطلق مسكنا آخر مناسباً ، بل إن الاقتراح إذ أعاد صياغة المادة الرابعة على النحو الذى صدر به القانون 100 لسنة 1985 فإنه أضاف إلى العنت الذى أوجدته المادة الرابعة عسراً أخر ، يتضح لنا مما يلى :
=4=
إسكان المحضون فى القانون 100 لسنة 1985 م
لم يخف السيد رئيس مجلس الشعب وكذلك اللجنة المشتركة المشكلة للنظر فى الاقتراح الذى تقدمت به السيدة …… أن هذا الاقتراح يستهدف بعث القرار بقانون 44 لسنة 1979 الذى حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته( ) ، ومن ثم ظهر الحرص على الإبقاء على جوهر الأحكام التى تقررت بالقرار بقانون الملغى ، بل إن بعض التعديلات التى لحقت نصوص هذا القرار بقانون استهدفت الإمعان فى زيادة أعباء الطلاق ( ) بما يجاوز الحدود التى تغياها القرار بقانون 44 لسنة 1979 المحكوم بعدم دستوريته .
ومن ذلك أن المادة الرابعة من القرار بقانون 44 كانت كما رأينا تمكن المطلقة الحاضنة من الاستقلال بمسكن الزوجية المؤجر ما لم يهيئ المطلق مسكنا آخر مناسبا ، وبإعادة صياغة هذا النص فى المادة الأولى من القانون 100 لسنة 1985 – والمضافة برقم 18 مكررا ثالثا للمرسوم بقانون 25 لسنة 1929 – زيد العنت الملقى على كاهل المطلق إذ جعل الاستقلال بمسكن الزوجية المؤجر لعموم الحاضنة ، أى سواء أكانت هى المطلقة أم كانت أخرى غيرها آلت الحضانة إليها ، ولم يجعل استقلالها بالمسكن معلقا على تهيئة مسكن آخر مناسبا فى أى وقت كان ، وإنما غيا التهيئة بمدة أقصاها انتهاء العدة متى كان مسكن الزوجية مؤجرا ، واختارت الحاضنة الاستقلال به .
وبذلك جاء النص الجديد بالعبارة التالية
" على الزوج المطلق أن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم المسكن المستقل المناسب ، فإذا لم يفعل خلال مدة العدة ، استمروا فى شغل مسكن الزوجية المؤجر دون المطلق مدة الحضانة .
وإذا كان مسكن الزوجية غير مؤجر كان من حق الزوج المطلق أن يستقل به إذا هيأ لهم المسكن المستقل المناسب بعد انقضاء مدة العدة .
ويخير القاضى الحاضنة بين الاستقلال بمسكن الزوجية ، وبين أن يقدر لها أجر مسكن مناسب للمحضونين ولها .
فإذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به .
وللنيابة العامة أن تصدر قرارا فيما يثور من منازعات بشأن حيازة مسكن الزوجية المشار إليه حتى تفصل المحكمة فيها " .
وواضح من النص أنه يقيم تفرقات على غير أساس سليم ، فهو يفرق بين صغار المطلقة وبين صغار غيرها ( ) ، وبين الملاك وبين المستأجرين ( ) فضلا عن أوجه النقد السالف ذكرها .
وبملاحظة هذه التحكمات الفاسدة ، وبالرجوع إلى مداولات أعضاء المجلس حول الاقتراح يتبين أن المقنن لم يستهدف بالمادة 18 مكررا ثالثا غير وضع قيود واقعية على الطلاق ، حتى لا يسرف الرجال فيه ( ) وقد أنساه ذلك وضع حماية شاملة وكاملة للصغار المحضونين ( ) أو لبعض من يحسبهم أكثر تعرضا للخطر – كأبناء المطلقات – ولكن فى إطار النهى الشرعى " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " ( ) ومن هنا كان وقع المادة 18 مكررا ثالثا شديدا على البيوتات ، وعلى أكثر رجال الشرع والقانون ، وقبل أن تمضى ستة أشهر كاملة ( ) على اعتبارها فى التطبيق طعن عليها بعدم الدستورية ، فقضت المحكمة الدستورية – ولكن بعد عشر سنوات تقريبا من إيداع صحيفة الدعوى قلم كتاب المحكمة – بعدم دستوريتها ، على النحو الذى سأعرض له تفصيلا فيما بعد .
=5=
إغفال الولاية فى الزواج وأثرها على مشكلة إسكان المحضون
معلوم أن السلف قد اختلفوا فى شرط أن يكون العاقد ذكرا فى عقد النكاح فأوجبه الجمهور ، واستحبه بعض الفقهاء – وهو ما اشتهر على أنه مذهب الحنفية – وفرق أهل الظاهر بين البكر والثيب ، فأوجبوا مباشرة الولى فى زواج البكر ، وأجازوا للثيب أن تزوج نفسها بنفسها ( ) .
ومعلوم تاريخيا ( ) أن المذهب الحنفى غلب على مصر فى ظل الحكم العثمانى حتى حصر العمل به تماما بالنص على ذلك فى لائحة المحاكم الشرعية الصادرة عام 1856 م ، وعلى الرغم من النداءات المخلصة بإصلاح نظام القضاء، وعدم حصر منصب القضاء الشرعى فى الحنفية ، ووضع كتاب فى المعاملات الشرعية تؤخذ أحكامه من جميع المذاهب الإسلامية المعتبرة ، على الرغم من ذلك فإن هذه النداءات لم تجن ثمرا إلا فى العام 1915 م حيث شكلت لجنة لوضع تقنين لأحكام الأحوال الشخصية ، وكان مما طولبت به أن تتخير من عموم المذاهب السنية ما يكون أصلح لروح العصر .
وعلى أساس مراعاة الأصلح لروح العصر حدثت طفرات فى قوانين الأسرة ، فأخذ القانون رقم 25 لسنة 1920 من مذهب الإمام مالك ( ) ، وفى العام 1923 صدر قانون بتحديد سن الزواج خرج فيه المقنن على المذاهب الأربعة واعتمد على رأى لابن شبرمة وعثمان البتى وأبى بكر الأصم ( ) ولم يجد المقنن أى حرج فى أن يأخذ من أقوال أى من العلماء ما يضيق به دائرة الطلاق بما يتفق مع أصول الدين وقواعده ، وأن يستأنس برأى قلة فى أقصى مدة الحمل ( ) ثم بعد ذلك خرج على رأى علماء أهل السنة جميعا وأخذ برأى الشيعة فى الوصية لوارث دون توقف على إجازة الورثة ( ) وغير ذلك .
والحجة فى ذلك كله كما تقول المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون 25 لسنة 1929 أنه " ليس هناك مانع شرعى من الأخذ بأقوال الفقهاء من غير المذاهب الأربعة خصوصا إذا كان الأخذ بأقوالهم يؤدى إلى جلب صالح عام أو رفع ضرر عام بناء على ما هو الحق من آراء علماء الأصول " .
وحتى لا يكون هناك فراغ تشريعى نص فى المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية لسنة 1931 على أنه " تصدر الأحكام طبقا للمدون فى هذه اللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة ماعدا الأحوال التى ينص فيها قانون للمحاكم الشرعية على قواعد خاصة ، فيجب أن تصدر الأحكام طبقا لتلك القواعد " .
وعلى أساس هذه المادة فإن مباشرة عقد الزواج لم تزل تجرى على مذهب أبى حنيفة  بيد أنه مرجوح لمخالفته الحديث الصحيح " لا نكاح إلا بولى " الذى يفيد – وأحاديث أخرى " قد سردها – كما يقول الشوكانى – الحاكم من طريق ثلاثين صحابيا ، وفيها التصريح بالنفى " ( ) – أن الولى شرط لصحة النكاح التى لا يصح إلا بها ( ) كما أنه مرجوح بالنظر إلى السنة التى استنها المقنن المصرى فى الأخذ من أقوال المذاهب أو الأئمة غير الحنفية ،
" خصوصا إذا كان الأخذ بأقوالهم يؤدى إلى جلب صالح عام ، أو رفع ضرر عام " ( ) وهو المنهج الذى يلحظ حرص المحكمة الدستورية العليا على تدعيمه فى أحكامها التى تتعلق بالمادة الثانية من الدستور ( ) بقولها " إن كل قاعدة قانونية ولو كان العمل قد استقر عليها أمدا لا تحمل فى ذاتها ما يعصمها من العدول عنها ، وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكما شرعيا قطعيا ورودا ودلالة، وتكون فى مضمونها أرفق بالعباد ، وأحفل بشئونهم وأكفل لمصالحهم الحقيقية التى يجوز أن تشرع الأحكام لتحقيقها ، وبما يلائمها ، فذلك وحده طريق الحق والعدل ، وهو خير من فساد عريض ، ومن ثم ساغ الاجتهاد فى المسائل الاختلافيه التى لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينقض كمال الشريعة ومرونتها ………. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره ، وربما كان أضعف الآراء سندا أكثرها ملائمة للأوضاع المتغيرة ، ولو كان مخالفا لأوضاع استقر عليها العمل زمنا … وتقول: إن مرونة الشريعة ينافيها أن يتقيد ولى الأمر بآراء بذاتها لا يريم عنها ، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية تكون المصالح المعتبرة شرعا قد جاوزتها.. وتلك هى الشريعة الإسلامية فى أصولها ومنابتها ، متطورة بالضرورة ، نابذة الجمود ، لا يتقيد الاجتهاد – فيما لا نص عليه فيها – بغير ضوابطها الكلية وبما لا يعطل مقاصدها " .
وفيما خلا قول المحكمة " وربما كان أضعف الآراء سندا أكثرها ملائمة للأوضاع المتغيرة " لأنه على طلاقته .. أى باعتبار العصر والأوان أو الحجة والبرهان .. يناقض القاعدة المرعية فى الترجيح ( ) ، ولا شك أنها أضبط من مجرد ملاءمة الأوضاع المتغيرة الذى قد يؤدى إلى توهم المصلحة ، أو مراعاة القلة على حساب الكثرة ( ) ، وهما آفتان ملحوظتان فى الحلول القانونية التى تعرضنا لها – على الأقل – أقول فيما خلا ذلك فإننى لا أظن أحدا من علماء الشريعة المدققين يخالف المحكمة فيما تذهب إليه .
ولكننا فى خصوص ولاية عقد الزواج نحاكم المقنن بسياسته التى ارتضاها ، وبقضاء محكمتنا العليا التى استقرت عليه ، فقد مضى على العمل بمذهب الحنفية فى هذا الشأن زمن طويل جدا ( ) وأثبتت التجربة أن أكثر الزيجات عرضة للانهيار ما انفردت فيها المرأة بتزويج نفسها ( ) ولو لم يكن من آثار مذهب الحنفية فى ولاية النكاح إلا الإسهام الجوهرى فى بدعة ما سمى بالزواج العرفى ( ) لكان هذا كافيا فى الصد عنه ، فقد نال من أمن مجتمعنا ، واستقرار الأسر ، وأفقد الشباب الثقة فى البنات .
ومن عجيب أمر المقنن أنه يجعل الأهلية لمباشرة التصرفات المالية فوق أهلية مباشرة عقد الزواج ، ويبدو من خلال تشريع الولاية على المال رقم 119 لسنة 1952 ولائحة المأذونين أحرص على أموال القصر أكثر من حرصه على أموالهم وأموالهن ( ) .
وقد أصبح معلوما للعامة قبل الخاصة ان ما يسمى الزواج العرفى ، أو زواج الوفاق يسرى فى المجتمع سريان النار فى الهشيم ، وقد أحصى أن 7 ٪ من شباب وفتيات الجامعة مجتمعون عليه ( ) وأن عشرين ألف حالة من هذا الاجتماع تصل إلى مراكز الشرطة فى مصر سنويا هذا عدا ما لا يكشف ( ) .
وما يهمنا التعويل عليه من آثار هذا الاجتماع ( ) هم الأبناء ، إذ لا شك أنهم عرضة لخطر عظيم ، لأن القانون وإن لم يحتم ثبوت الزواج بورقة رسمية لثبوت النسب ، وبالتالى حفظ حقوق الولد ، إلا أن كثيرا من الوقائع تشهد أن المجتمعات عرفيا أو على وفاق عجزن عن إثبات قيام الزوجية ( ) ، فلم يقض لهن بثبوت نسب صغارهن من المدعى عليه ، الأمر الذى يضيف إلى مشكلة إسكان المحضون مصدرا آخر هو عدم ثبوت نسب الصغير من أبيه للعجز عن إثبات الزوجية أو الفراش الشرعى .
والخلاصة
أنه مع التئام شمل الأسرة يندر جدا أن تكون هناك مشكلة فى إسكان المحضون ، فهو حينئذ بين أبويه يرعيانه بتراض منهما وتشاور ، وإنما تظهر المشكلة مع انفراط عقد الأسرة ، وتخاصم رأسيها ، الرجل والمرأة .
ولأن مبنى الشرع على الاحتياط والحزم والتحرز مما عساه أن يكون سبيلا إلى المفسدة فإن أول مقاصد الشرع التى يتعين أن ترعى لمصلحة الصغير هى حماية الزوجية ابتداء وبقاء ، وما التخير ، والنظر ، والاستشارة ، والاستخارة ، والولى ، والإشهاد ، والإعلان وغير ذلك إلا تحوطا فى الابتداء ، وما بغض الطلاق ، وتوقيته ، والأمر بالصبر ، وبترقب بوادر الشقاق ، وبعث الحكمين ، وإرادة الإصلاح وغير ذلك إلا تحوطا للبقاء .
ويتعين فى العلاج التشريعى لمشكلتنا أن يؤخذ كل ذلك فى الاعتبار ، حتى لا تغلب المصالح المتوهمة على المصالح الحقيقية ، وقد ظهر من المواد القانونية التى توقفنا عندها أنها لم تكن إصلاحا ، وأن لها أثرها الفعال فى استفحال مشكلة إسكان المحضون ، لأن الأخيرة من إفرازات الفرقة بين الزوجين فى الغالب ، وإن زاحمها اليوم ما يسمى الزواج العرفى ، على أن البحوث حول هذه البدعة تثبت أن الإلزام القانونى بالإقرار فى وثيقة الزواج بالزيجات السابقة ، وبيان أسماء الزوجات السابقات ، ومحال إقامتهن ، وإلزام الموثق بإخطارهن ، فضلا عن التخوف من طلب الزوجة الأولى الطلاق لتضررها من الزواج عليها كل ذلك من أسباب الوقوع فى هذا الارتباط الممقوت.
إزاء كل ذلك ، ولأن غرض الزواج الأسمى هو الولد ، فإنه يتعين فى رأيى أن تكون قوانين الأسرة جميعها خادمة لهذا الغرض ، لا أن يتخذ الولد – كما هو فى المادة 18 مكررا ثالثا – وسيلة لخدمة أهواء الزوجين ، لأن أعراف الشرع بل وقوانين الأمم تجنب الصغار مصارع السوء ، ولا تقذف بهم فى أتون الصراعات .
وهذا ما يرشدنا إليه التعقيب القرآنى على آيات الطلاق والنفقة فى سورة الطلاق ، قال تعالى " وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا . فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا . أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولى الألباب الذين قد أنزل الله إليكم ذكرا"( ).
فبذكر القرية يتبين أن الخطاب لعموم المجتمع والقائمين على أمره خصوصاً أولى الألباب الذين فقهوا الذكر ، ومقاصد الشرع ، وارتضتهم الأمة فى حراسة الملة ، وسياسة الأمة . ( )
المبحث الثانى
المسكن كنوع من النفقة فى الفقه الإسلامى
تمهيد :
من المشكلات الفقهية المثارة الخلاف حول مفهوم " النفقة " وحقيقة دخول " المسكن " فى مشتملات هذا اللفظ أو مجازاً ، وإذا لزمت النفقة فما القدر الواجب منها ؟.
ولإيضاح ما نراه حقاً فيما ذكرنا نعرض للمطالب الآتية :
المطلب الأول
الحاجات الأساسية للإنسان
معروف أن حاجات الإنسان لا تنتهى ، كما أنها تتطور زيادة ونقصاً بتطور المراحل السنية للإنسان ، وفى كل حال فإن الحاجة إلى المطعم والكساء والمسكن تأتى على قمة الحاجات الإنسانية مهما تطورت المراحل العمرية .
ويدلنا على أن هذه الحاجات الثلاث هى حد الكفاف ( ) الذى يستغنى به عن سؤال الناس قول النبى  " من أصبح منكم آمناً فى سربه ، معافى فى بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا " ( ) حيث يدل بظاهره على أن الحاجة لا تذهب إلا بأمن النفس ( ) من عوادى الأرض وضواريها ، وأعين الناس وأيديهم ، وأعاصير الرياح ، ومطر السوء ، وأكثر ما يحقق ذلك هو المسكن ، يدل على ذلك ما يلى :
1- أن السكن والمسكن مشتقان من الفعل " سكن " أى هدأ وذهبت حركته ، واطمأن ( ) ، وفى قوله تعالى " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم"( ) قال المفسرون : إن صلاتك عليهم توجب سكون نفوسهم ، وقال الكلبى : طمأنينة لهم ، وقال الفراء : إذا استغفرت لهم سكنت نفوسهم إلى أن الله تعالى قبل توبتهم، وقال الرازى ، وأقول إن روح محمد عليه الصلاة والسلام كانت روحاً قوية ، مشرقة ، صافية ، باهرة ، فإذا دعا محمد لهم ، وذكرهم بالخير فاضت من قوته الروحانية على أرواحهم فأشرقت بهذا السبب أرواحهم ، وصفت أسرارهم ، وانتقلوا من الظلمة إلى النور ، ومن الجسمانية إلى الروحانية . ( ).
والمسكن والسكينة مشتقان من أصل واحد ( )، فإن لم يكن مسكن لن تكون سكينة ، ووقع الاضطراب والهيام ، وقد يؤديان إلى ضياع .
2- أن السكن يذكر عادة فى السياق القرآنى الكريم على أنه من المنن الكبرى والنعم العظيمة ، ومن ذلك مثلاً :
قوله تعالى " هو الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه " ( ) وقوله " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه " ( ) وقال " ولنسكننكم الأرض من بعدهم"( ) وقال " وجعل منها زوجها ليسكن إليها " ( )
3- على أن السكن حماية للنفس ، وفى قصة النمل " قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون " ( ) كما أنه الحرز للمال ، والستر العورة ، والمحل لقضاء الحاجات التى لا تقضى إلا باستتار .
ويتعافى البدن بالسلامة من الأمراض المهلكة ، أو المقعدة ، ومن أسباب السلامة، أن يكسى الجسد بما يقيه قيظ الصيف ، وبرد الشتاء ، وهذه عافية الدنيا، أما عافية الدين والخلق فمن أسبابها لباس يوارى السوءات ويستر العورات ، وفى القرآن الكريم : " يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباساُ يوارى سوءاتكم ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون . يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما " ( ) .
قال الرازى : فى نظم الآية وجهان :
الوجه الأول : أنه تعالى لما بين أنه أمر أدم وحواء بالهبوط إلى الأرض وجعل الأرض مستقراً ، بين بعده أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون إليه فى الدين والدنيا ، ومن جملتها اللباس الذى يحتاج إليه فى الدين والدنيا.
الوجه الثانى : أنه تعالى لما ذكر واقعة آدم فى انكشاف العورة أنه كان يخصف الورق عليها ، أتبعه بأن بين أنه خلق اللباس للخلق ليستروا بها عوراتهم، ونبه به على المنة العظيمة على الخلق بسب أنه أقدرهم على التستر.( )
وفى بحثه حول معنى قوله تعالى " يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " ( ) قال رحمه الله ( ) " اعلم أن الله تعالى لما أمر بالقسط فى الآية الأولى ، وكان من جملة القسط أمر اللباس ، وأمر المأكول والمشروب ، لا جرم أتبعه بذكرهما ، وأيضاً لما أمر بإقامة الصلاة فى قوله " وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد " ( ) وكان ستر العورة شرطاً لصحة الصلاة ، لا جرم اتبعه بذكر اللباس .
وفى هذا المعنى يقول الإمام ابن العربى : امتن الله على عباده باللباس ولولا وجوب ستر العورة ما وقع الامتنان باللباس الذى يواريها ( )
ويبقى فى اللباس معنى ثالث : أن فيه للنفس حظاً لا يلام فيه ، فليس كل ما تهواه النفس يذم ، وليس كل ما يتزين به الناس يكره ، وإنما ينهى عن ذلك إذا الشرع قد نهى عنه ، أو على وجه الرياء فى باب الدين ( ) . ، وفى الحديث " إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط الناس " ( ) .
والحاجة إلى القوت لا تحتاج إلى عناء إثبات ، إذ لا يمكن للمرء أن يعيش بمعزل عن الطعام والشراب ، ولهذه الأهمية القصوى أوجب الشارع الحكيم لمن لا يقدر على الاستطعام بنفسه أن يطعم بواسطة ، كالرضيع فقد أوجب الله إطعام المرضع ، لأن الطعام لا يصل إلى الأول إلا بواسطتها . ( )
ونظراً لأهمية هذه الحاجات الثلاث الأساسية ، فإنها تستحق للفرد – فى ماله أو مال غيره – على الدوام ، لأن قطعها مضر بالنفس أو الدين ، وقياما بها أو جبها الله فى مال الآخرين ما لم يكن للمحتاج إليها مال ، أو له ولكن لا يكفيه ، ولهذا أبيحت المطعومات من المحرمات فى المخمصة ، وامتنع حق الدائنين فى المال اللازم لنفقه المفلس ، هو ومن تلزمه نفقته وكسوتهم كأدنى ما يلزم لمثله ومثلهم ، لأن ذلك مما لابد منه ، ولا تقوم النفس بدونه ، قال ابن قدامة ولا أعلم فيه خلافاً ( ) وقال: لا تباع داره التى لا غنى له عن سكناها ، وقال جماعة تباع ويكترى له بدلها ( ) ، فعلى القولين لا يحرم من محل للسكنى وإن كان له مطالب .
المطلب الثانى
مفهوم النفقة
أولاً : فى اللغة ( ) :
النفقة فى اللغة اسم من الرباعى أنفق ، ويجئ على معنيين :
أولهما : النفاد ، تقول أنفقت الدرهم أى أفنيته ، وأنفق الرجل إذا فنى زاده ، ونفقت الدابة إذا ماتت ، وهى بهذا مشتقة من النفاق ، أى الهلاك ، أو الموت .
والثانى : الرواج ، يقال نفقت " بفتحات ثلاث " ، السلعة والمرأة نفاقا – بفتح الأول والثانى – إذا راجت وكثر طلابها .
وقد غلبت بمعنى : ما ينفقه الإنسان على عياله ونحوهم ، وهى بهذا المعنى تتضمن معنى ما اشتقت منه ، إذ فيها هلاك المال بالنسبة للمنفق ، ورواج الحال بالنسبة للمنفق عليه. ( )
ثانيا : فى الاصطلاح
ذكر العلماء فى حدها تعريفات ، ومن ذلك
1- ما ذكره العينى فى البناية ( ) ، وابن عابدين فى الرد( ) ، وغيرهما أن النفقة" فى الشرع – تعنى - : الإدرار على الشئ بما به – أو بما فيه – بقاؤه".
وواضح أن هذا تعريف عام لأنه يشمل النفقة على الإنسان والحيوان ، والأموال بجميع أنواعها.
والإدرار : بمعنى الدفع المنتظم ( ) وحسب ما ظهر لنا من مفهوم الحاجات الأساسية ، فإن الطعام واللباس والسكنى هى الأسباب الأساسية لبقاء الإنسان ، فتدخل بهذا القيد تحت مسمى النفقة ، حتى تشملها جميعها.
وقد لوحظ فى خطة المالكية ( ) وبعض الحنابلة ( ) والإمامية ( ) استعمال النفقة بهذا الإطلاق الواسع ، وهو ما عليه بعض الحنفية ( ).
2- والجمهور على إطلاق النفقة على الطعام فقط ( ) ، وفسره ابن عابدين على أنه من قبيل الإطلاق العرفى ، " أى فى العرف الطارئ فى لسان أهل الشرع ، …. ولذا يعطفون عليه الكسوة والسكنى" ( ).
وقد تتبعت استعمالات النفقة فى القرآن الكريم فوجدتها غالبة فى معنى القيام بما يحتاج إليه المنفق عليه من مخلوق أو عمل ، واستعملت قليلا فى معنى المهر وذلك فى قوله تعالى " وآتوهم ما أنفقوا ….. واسألوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا " ( ) وقوله " وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا " ( ) ففسر ما أنفقوا فى المواضع الأربعة بغرامة الصداق أو المهر ( ) .
وفى سورة الطلاق فقط عطف القرآن الكريم النفقة على السكنى قال تعالى " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " ( ) والعطف يقتضى المغايرة ، ولكن ما تأويله ؟
ورد فى كلام القرطبى والجصاص ما يفيد أن ذلك من قبيل عطف العام على الخاص قالا " والعبارة للجصاص – " تضمنت هذه الآية الدلالة على وجوب نفقة المبتوتة من ثلاثة أوجه : أحدها : أن السكنى لما كانت حقا فى مال ، وقد أوجبها الله بنص الكتاب إذ كانت الآية قد تناولت المبتوتة والرجعية ، فقد اقتضى ذلك وجوب النفقة ، إذ كانت السكنى حقا فى مال وهى بعض النفقة..."( ).
كما ألمح الجصاص إلى معنى آخر فى المغايرة فقال " فإن قيل : ليست النفقة كالسكنى ، لأن السكنى حق لله تعالى لا يجوز تراضيهما على إسقاطه ، والنفقة حق لها لو رضيت بإسقاطها لسقطت !! قيل له لا فرق بينهما من الوجه الذى وجب قياسها عليه ، وذلك لأن السكنى فيها معنيان ، أحدهما : حق لله تعالى وهو كونها فى بيت الزوج ، والآخر : حق لها ، وهو ما يلزم فى المال من أجرة البيت إن لم يكن له ، ولو رضيت بأن تعطى هى الأجرة وتسقطها عن الزوج جاز ، فمن حيث هى حق فى المال قد استويا " ( ) .
ويبدو لى – والله أعلم – أن ذكر السكنى فى آية الطلاق كذكر الكسوة فى آية البقرة " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ( ) وقد تأوله بعض العلماء ( ) على دفع توهم السقوط بنقص التمكين لانشغالها بالمولود ، ، ويمكن أن يحمل على الوفاء بحاجتها التى تفيدها وإن كانت لا تفيد الرضيع بطريق مباشر ، وقد يغفل بعض الناس عن هذا ، فأوجب الله رعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية مصلحة الطفل " لأنه إذا قام بما يكفيها فى طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الأجرة ، فإنه إن كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها من الجوع والعرى ، فضررها يتعدى إلى الولد " ( ) .
ففى الآيتين يبدو التنبيه على الحاجة التى قد يغفل عنها تساهلا أو جريا على العادة .
فإن صح هذا فحد النفقة : القيام بحاجة المنفق عليه التى لا غنى له عنها( ) أما تنويع الخطاب بذكر بعض مشتملاتها فمن قبيل التنبيه على ما قد يغفل من الحاجات ترخصا ، أو مراعاة لما كان عليه عمل الناس من قبل .
ويؤيد هذا أن العلماء لا يختلفون ( ) فى أن من وجبت له النفقة كاملة أن له – أولها – فضلا عن القوت مشتملاتها الأخرى كالكساء والمسكن وغير ذلك ، وإن ظهر أن لإفراد القوت بالذكر وتغليب إطلاق النفقة عليه أغراضا فقهية منها:
1- أن القوت مما تتجدد الحاجة إليه سريعا فاحتاج فى بحث حكمه إلى بيان هل يجب مياومة أو مشاهرة أو غير ذلك ؟ بعكس الكساء فإنه حاجة فصلية أو حولية ، وعكس المسكن فالغالب فيه الملك أو المؤاجرة ويندر أن تكون لمدة قريبة .
2- أن الغالب فى شأن الكساء أن ينتفع به تمليكا ، وينتفع بالسكنى غالبا بطريق التمكين ، أما القوت فهو ما يتردد فيه بين التمكين والتمليك نظرا لتجدد الحاجة إليه .
3- أن تقدير الحاجة إلى المسكن والكساء أكثر انضباطا من حاجة القوت حتى مع مراعاة الغالب من قوت أمثال المنفق عليه ، فكثيرا ما نجد صغيرا أو نحيلا أكولين ، ومن الكبار والجسام مقتصدين طبعا .
4- ونظرا للتجدد المستمر لحاجة القوت فأكثر نزاعات النفقة حولها ولعل هذا ما غلب إطلاق النفقة عليها خاصة .
علة الاحتفاء بالتعريف
والذى دعانا إلى الإسهاب حول التعريف أن علة وجوب النفقة بالقرابة هى سد حاجة القريب ومنعه من السؤال صلة لرحمة ( ) ، وكان مقتضى هذه العلة أن كل ما يلزم لسد الحاجة يثبت بثبوت الحق فى النفقة دون نص تشريعى خاص ، ولكن لوحظ الآتى :
أولا : أن المحاكم درجت على التمسك بتفسير الإمام محمد بن الحسن الشيبانى النفقة ، وأنها تنصرف عند الإطلاق إلى الحاجات الثلاث الأساسية " المطعم ، والملبس ، والسكنى " وما عداها – وإن كان يلتبس بها – كالبدلات والأجور لا يدخل تحتها دون طلب لأن لها أسماءها الخاصة بها ( ) .
وهذا التحديد وإن كان لا يحول دون الحكم بما يلزم من بدلات وأجور إلا أنه يكلف المحتاج إدعاء آخر ( ) – إذا غفل عن ذلك فى ادعائه الأول – مما يطيل أمد التقاضى ، وقد يكون له أثره فى تقدير النفقة بما يضر بأحد طرفيها – المحتاج والمطالب .
ومن جانب آخر فإن من البدل ما يلزم دون طلب ، كبدل الفراش والغطاء مثلا ، فإنه مما يدخل بالضرورة فى دفع حاجة السكن ، وقد نهى الله فيه عن التضييق ، قال تعالى " ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن " ( ) ، وأى ضيق فى محل غير مهيأ بفرش وغطاء ، وفى الدر المختار " ويجب عليه آله طحن وخبز وآنية شراب ، وطبخ ككوز وجرة وقدر ومغرفة وكذا سائر أدوات البيت كحصر ولبد وطنفسة ، وما تتنظف به ، ….. وتزاد فى الشتاء جبة وسروالا ، وما يدفع به أذى حر وبرد ، ولحافا وفراشا وحدها ، لأنها ربما تعتزل عنه أيام حيضها ومرضها إن طلبته "( ).
وهذا القيد الأخير يفيد أن المعتبر فى الطلب الزائد هو طلب غير المعتاد، ليس إلا ، قال ابن عابدين " قوله إن طلبته راجع لقوله ويقدرها وقوله وتزاد"( ).
ومن الأجور ما هو ثابت بنصوص قرآنية كأجر الرضاع الثابت بقوله تعالى " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " ( ) وبقوله " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ( ) فطالما كانت المرضعة لا تستحق نفقة ( ) على المولود له فإن حقها ثابت فى الأجر ( ) لهذا فإننى أرى أن ما درج عليه العمل معيب فنياً ، وأن تحقيق دفع الحاجة يقع على عاتق المحكمة دون طلب مفصل من المدعى ، ما لم يكن المطلوب غير معتاد لمثل الطالب – كفراش المعتزلة الذى ذكره صاحب الدر – وعلى المطلوب بالنفقة أن يدفع عن نفسه غرم ما ليس من كفاية الطالب .
ثانياً : ما جاء فى المادة 18 مكرراً ثانياً من المرسوم بقانون 25 لسنة 1929 والمضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 فقرة "3" ونصها .
"ويلتزم الأب بنفقة أولاده وتوفير المسكن لهم ، بقدره يساره وبما يكفل للأولاد العيش فى المستوى اللائق بأمثالهم".
وحيث إن المذكرة الإيضاحية للقانون لم تشر إلى شئ يكشف عن قصد إفراد المقنن المسكن بالذكر ، فإن النص بصيغته هذه يعتبر فى رأيى معيباً ، لأن الإسكان بقدر اليسار ، بل مع عدم التضييق فيه مما يدخل فى مسمى النفقة حتى ، فى حدود ما تواضع عليه العرف وجرى به الاستعمال" ( ) ومن ثم لم يكن هناك داع لعبارة " وتوفير المسكن لهم " ما لم يكن المقنن قد قصد بذلك تقرير حق المحضون فى المسكن على سبيل التمكين ( ) توطئة للحكم الذى قرره من بعد فى المادة 18 مكرراً ثالثاً ، باستقلال الحاضنة وصغار المطلق بمكسن الزوجية طوال مدة الحضانة ما لم يهيئ لها المطلق مسكناً أخر مناسباً ، وسيأتى الكلام عنه .
المطلب الثالث
مشتملات النفقة
بعيداً عن الخلاف الاصطلاحى فى دلالة لفظة النفقة عند الإطلاق ، فإن الفقهاء لا يختلفون فى أن المطعم والملبس ( ) والسكنى مما يجب للزوجة على زوجها( )، كما لا خلاف بينهم أن نفقة القريب – متى توافرت شروطها – تقدر بكفايته ، فيراعى فى تقديرها حاجته ، على شرط أن يكون ذلك فى قدرة المنفق من غير إرهاق . ( ) وأساس هذا الحكم : ما ورد فى الحديث الصحيح أن النبى  قال لهند امرأة أبى سفيان " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " ( )
قال العلامة ابن القيم " فيه دليل على أن نفقة الزوجة ( ) والأقارب مقدرة بالكفاية ، وأن ذلك بالمعروف " ( )
ومن المعقول : أن نفقة القريب وجبت للحاجة ، فتقدرت بما تندفع به الحاجة ( ).
وعلى ما ذكر العلماء فإن كل مابه قوام معتاد حال لأدمى دون سرف( ) فإنه يدخل فى مفهوم الكفاية ، فيلزم للمنفق عليه المطعم اللائق بسنه ، فيطعم شبعه على العادة ( ) ، والكساء الذى يطرد عنه الحر والبرد ، ولا يكون به مثل بين الناس ، لكن مما يلبس مثل ذلك المكسو فى ذلك البلد مما تجوز فيه الصلاة ويستر العورة ، والمسكن المعد اللائق بحاله ، وفيه من الفرش والغطاء ما يكون دافعاً لضرر الأرض عن الساكن ( ) .
ويؤخذ من كلامهم أيضاً أن ما يلزم لحفظ الصحة فحكمه حكم الطعام ومن ثم سوغوا أجرة الطبيب وثمن الدواء ( ) ، لأن علاج الإنسان من لوازمه ، فيدخل فى جملة الكفاية .
ولأن من حق الابن على أبيه تأديبه وتعليمه ما يصلح دينه ودنياه ( ) فإن مقتضى قيامه بذلك أن تلزمه نفقته ، وبه صرح الحنفية ، ففى الدر " تجب النفقة…. لولده الكبير العاجز عن الكسب كأنثى مطلقاً ، وزمن ومن يلحقه العار بالتكسب ، وطالب علم لا يتفرغ لذلك " ( ).
وكان مقتضى اختلافهم فى وجوب خدمة الولد ( )

وإعفافه ( ) أن يبرز فى التصنيف – على نحو أوفر مما هو عليه – الحكم فى نفقة التعليم ، ولكن ذلك لم يقع – حسبما طالعت – إلا عند متأخرى الحنفية ، ولا أظن أن ذلك مرده إلى أن التعليم لم يكن حاجة أساسية فى زمانهم ( ) ، لأن أهمية التعليم ، بل وفرضيته ديانة مما تشهد له نصوص شرعية وآثار تجل عن الحصر .
ويترجح فى ظنى أن أكثر العلماء نظروا فى نفقة الأقارب على أنها من قبيل الصلة والمواساة ، وأنها تجب فى مال الغير استثناء ، لذا فإنهم عولوا غالبا على الحاجة الناجزة التى يستضر المنفق عليه بفقدها ، وليس من قبيل ذلك التعلم، فإنه من المهد إلى اللحد ، فيسعه أن يتعلم من كسبه فيما بعد .
وهذا يستدعينا أن نحقق مفهوم الكفاية ليكون القاعدة التى يتم التفريع على أساسها .
مفهوم الكفاية فى النفقة
جاء فى المصباح ( ) : كفى الشئ يكفى كفاية إذا حصل به الاستغناء عن غيره ، واكتفيت بالشئ : استغنيت به ، أو قنعت به .
ومن أسماء الله تعالى " الكافى " قال تعالى " فسيكفيكهم الله " ( ) وقال " أليس الله بكاف عبده " ( ) ومعناه : الذى يكفى عباده حاجاتهم ويقدم لهم متطلبات حياتهم ( ) ، قال الرازى " إذا ثبت هذا كان الظاهر أنه سبحانه يدفع الآفات ، ويزيل البليات ، ويوصل إلى كل المرادات " ( ) .
وعلى ما يظهر من عبارة الشيخ الفيومى فإن الكفاية والكفاف بمعنى واحد ، فكلاهما يحصل به الاستغناء عن الغير ، إلا أن الكفاف أخص من الكفاية، فالأول : ما كان بقدر الحاجة ، ولا يفضل منه شئ ، ويكف عن السؤال ( ) فهو قيام بالأولويات للضرورية ، أو هو مجرد سد الرمق الذى يدفع الهلاك أو الموت، ولا مجال فيه لأى لون من السعة والترفه ( ) .
وأما الكفاية فتعنى : ضمان حق لائق لمعيشة كل فرد ( )، وبعبارة الإمام النووى "المعتبر..المطعم والملبس والمسكن ، وسائر ما لابد له منه، على ما يليق بحاله، بغير إسراف ولا إقتار لنفس الشخص ولمن هو فى نفقته" ( ) .
ولا شك أن هذا المعنى فوق الكفاف ودون السرف ، وبتحديد بعض العلماء هو " أدنى مراتب الغنى " ( ) وكما قالوا فإن هذه المرتبة تعنى بحاجات المرء الأصلية .
" وقد فسر بعض علماء الحنفية الحاجة الأصلية تفسيرا علميا دقيقا فقال: هى ما يدفع الهلاك عن الإنسان تحقيقا كالنفقة – المطعم – ودور السكنى ، والثياب المحتاج إليها لدفع الحر والبرد ، أو تقديرا كالدين ، فإن المدين يحتاج فى قضائه بما فى يده من النصاب ليدفع عن نفسه الحبس الذى هو كالهلاك ، وكآلات الحرفة ، وأثاث المنزل ودواب الركوب ، وكتب العلم لأهلها ، فإن الجهل عندهم كالهلاك " ( ) ، ويطلق الاقتصاديون – وفق أسس إسلامية – حاجات الكفاية " على تلك الحاجات التى تنشأ عن محاولة الحفاظ على الإنسان قادرا على المساهمة الفعالة فى نشاط المجتمع " ( ) وواضح أنه يأخذ فى الاعتبار ما أراده الحنفية بدفع الهلاك تقديرا ولأن الشرع – قرآنا وسنة – حد النفقة بالمعروف. وكان المعروف هو اللائق بالحال ، أو غالب المعتاد – كما جاء فى تفسيرات العلماء – فإن الفتوى على أن الحاجات الأصلية مفهوم متطور، يخضع لتغيرات الأزمان والبيئات والأحوال . والأولى – فى رأى بعض مشايخنا أن تترك لتقدير أهل الرأى ، واجتهاد أولى الأمر ( ) .
وعلى أساس ذلك ، وبمراعاة ما جاء فى تعليل الجمهور لعدم إيجاب نفقة الإعفاف من قولهم إنه للذة كالطيب ، وبمراعاة قاعدة الأولويات ( ) ، وضبط النسب ( ) يمكننا أن نقول :
1- أنه لابد فى النفقة أن تفى بالضرورات الثلاث ، المأكل والملبس والمسكن ، وحدها الأدنى الوفاء بحاجة المنفق عليه دون فضل ، ولا شك أن هذا التزام " من قدر عليه رزقه " ( ) إذ أن مطالبته بما فوق ذلك فيه إرهاق وحرج، وقاعدة الشرع " وما جعل عليكم فى الدين من حرج " ( ) .
2- إذا كان الملتزم بالنفقة موسرا فعليه فى النفقة ما يفى بحاجات المنفق عليه الأصلية ، وفقما يناسب الزمان والحال والبيئة وبما يجعله قادرا على المساهمة الفعالة فى نشاط المجتمع ، ويلزم على هذا التحديد كفالة الحياة الطيبة – وفق النهج الاقتصادى الإسلامى ( ) – بما يحقق الأمن والاستقرار ، ويعين على بلوغ المرادات المنشودة فرديا واجتماعيا .
3- أن كل ما يعتبر من قبيل اللذة والطيب ، أو ما يعد ترفا بمعايير الزمان والحال والبيئة لا يلزم فى مال المنفق .
4- أنه مراعاة للأصل العام " أن نفقة كل إنسان فى ماله إلا الزوجة فإن نفقتها تجب على زوجها " ( ) فإنه لا يلزم المنفق إلا ما يعجز المنفق عليه عن مؤنته بنفسه ، جاء فى نفقات الخصاف " والأخت إذا كانت محتاجة ، وكان لها منزل تسكنه يجبر الأخ على نفقتها إذا كان له مقدار ما يسمى غنيا به ، وإن كانت قيمة المسكن أكثر من مال الأخ لأن المسكن مما يحتاج إليه ، إلا أن يكون فى المسكن فضل ناحية على قدر ما تحتاج إلى سكناه ، فتؤمر أن تبيع الزيادة وتنفق على نفسها " ( ) وفى شرح أدب القاضى " وكذا إن كانت له دابة نفيسة يؤمر ببيعها ، ويشترى أوكس منها ، وينفق فضل الثمن على نفسه ، فإذا لم يبق من فضل الثمن شئ يفرض له النفقة على ذوى رحمه ، ويستوى فى هذا الوالدان والأولاد وسائر المحارم " ( ) وفى العقد المنظم للحكام " الصبية إذا كانت لها صناعة رقم – تطريز – أو غيره فإن كان ذلك أقل مما يكفيها فله أن يستعين بذلك فى نفقتها ومؤنتها" ( ) .
وعلى وجه العموم فإنه يجب من النفقة ما تدفع به الحاجة ، فإن قام الشخص ببعض حاجته ، وعجز عن البعض ، وجب على من تلزمه نفقته أن يقوم بما عجز عنه فقط ( ) . .
فإن حصرنا البحث فى نفقة الولد فمن ذا الذى يلزم بها ؟ هذا ما نعالجه فى المبحث التالى .
المبحث الثالث
نفقة المحضون
تمهيد :
بحثنا معنى أصلا بإسكان المحضون ، ومن ثم فعنايتنا الأولى تنصرف إلى نفقة المحضون دون سواه من الأقارب .
وحسب السائد فى تعريف الحضانة ( ) فإن المحضون هو الطفل الذى لا يستقل بأمور نفسه وإصلاح شأنه ، وتوقى ما يضره .
ولكن من العلماء من عرف الحضانة تعريفا أعم من ذلك فقالوا : هى صيانة العاجز والقيام بمصالحه ( ) ، أو هى تربية من لا يستقل بأموره بما يصلحه ، ويقيه عما يضره ، ولو كان كبيرا مجنونا أو معتوها ( ) .
وهذا التعريف الثانى أنسب إلى تشريعات الحضانة المعاصرة والتى تنزع غالبا نحو مد ( ) سن الحضانة إلى البلوغ أو ما دونه بقليل فى الذكر ، أو الزواج فى الأنثى .
وعلى أساس هذا الأخير يمكننا تعريف المحضون بأنه : من لا يستقل بأموره فيما يصلحه ، ولا يتوقى ما يضره حقيقة أو تقديرا ، وأيا من كان المحضون فإنه متى توافر فيه شرط الاحتياج ( ) فإن نفقته تلزم قريبه ، ولكن من هو القريب الذى يقع فى ماله عبء النفقة ؟
للإجابة على هذا يلزم بحث الآتي :
أولا : نفقة المحضون ذى الأب.
ثانيا : نفقة المحضون اليتيم.
ثالثا : دور المجتمع فى سد حاجة المحتاجين.

المطلب الأول
نفقة المحضون ذى الأب
نفقة الصغير
لا خلاف بين العلماء ( ) أن الولد الذى لا مال له وهو عاجز عن الكسب لصغره ، وله أب موسر أن نفقته تجب على أبيه ، قال الماوردى ( ) " بدليل الكتاب والسنة والإجماع والعبرة .
فأما الكتاب : فقوله تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ( ) فدلت هذه الآية على أمرين :
أحدهما : على وجوب نفقة الأولاد على الأباء دون الأمهات ، ودلت على أن اشتغال الأم بتربية ولدها لا يوجب سقوط نفقتها .
وقال عز وجل " فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن " ( ) يعنى المطلقات إذا أرضعن أولادهن وجبت لهن أجرة الرضاعة ، فلما لزمت أجرة الرضاع كان لزوم النفقة أحق .
وقال تعالى " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم " ( ) فلولا وجوب النفقة عليه ما قتله خشية الإملاق من النفقة .
وأما دليل السنة : فما روى الشافعى عن سفيان عن أبى عجلان عن سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة أن رجلا أتى رسول الله  فقال : إن معى دينارا ، قال : أنفقه على نفسك ، قال : إن معى آخر ، قال أنفقه على ولدك ، قال: إن معى آخر ، قال : أنت أعلم به " ( ) .
فدل على وجوب النفقة للولد .
واستشهد أيضا بقول النبى  لهند زوجة أبى سفيان " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " .
وأما العبرة : فإن وجود البعضية بينهما ، وأنه يعتق كل واحد منهما على صاحبه ، كما تعتق عليه نفسه ، ولا يشهد له كما لا يشهد له ، فوجب أن ينفق كل واحد منهما على صاحبه كما ينفق على نفسه .
ويتحصل من ذلك أن الأب أولى الناس بولده ( ) ، لأنه الأقرب ، والأقرب أولى بالميراث منه فيكون أولى بالإنفاق ( ) ، قال ابن حزم " هذا عمل جميع أهل الإسلام قديما وحديثا " ( ) .
نفقة الكبير العاجز عن الكسب
مع تقبل حكم امتداد الحضانة متى كان المحضون فى حاجة إلى خدمة النساء فإن البحث عن الملتزم بنفقة الكبير العاجز عن الكسب يبدو منطقيا ( ) .
وقد جاء فى غير ظاهر الرواية أنه قد روى عن الإمام أبى حنيفة أن نفقته على الأب والأم أثلاثا بخلاف الصغير ، ووجه الفرق أنه اجتمع للأب فى الصغير ولاية ومؤنة حتى وجب عليه صدقة فطره فاختص بلزوم نفقته عليه ، ولا كذلك الكبير فتشاركه الأم " ( ) وقيل بمثل ذلك عند الشافعية ( ) .
واحترز الشربينى بالعاجز لغير علة عقلية ، وإلا كان كالصغير لبقاء الولاية عليه .
والفتوى عند الحنفية ، والراجح عند الشافعية كقول الجمهور أن من كان له أب من أهل الإنفاق لم تجب نفقته على سواه . وقد نقلنا عن الإمام ابن حزم قوله أن " هذا عمل جميع أهل الإسلام قديما وحديثا " . وبه تأخذ التقنينات العربية الحديثة ( ) .
نفقة ذى الأب المعسر
وقع بين العلماء خلاف كبير فى استحقاق النفقة ووجوبها بعد اتفاقهم على وجوب نفقة الولد على أبيه ، والوالدين على الولد .
فمذهب الإمام مالك ( ) أن النفقة تجب للأصول والفروع المباشرين ولا تجب لغيرهما ، كما أن المعروف ( ) فى المذهب أن نفقة الولد على الوالد دون الأم – وإن كان يتيما فقيرا – لبعد نسب الجد ، وضعف النساء عن التحمل وهو مذهب البخارى ( ) ، فقد استدل بحديث أم سلمة ( ) قالت " قلت يا رسول الله هل لى من أجر فى بنى أبى سلمة أن أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا ، إنما هم بنى ، قال : نعم لك أجر ما أنفقت " قال ابن حجر ( ) : حديث أم سلمة صريح فى أن إنفاقها على أولادها كان على سبيل الفضل والتطوع ، فدل على أن لا وجوب عليها .
واستدلوا بحديث هند بنت عتبة ، فإنه إذن لها فى أخذ نفقة بنيها من مال الأب ، فدل على أنها تجب عليه دونها ، فلما لم يلزم الأمهات نفقة الأولاد فى حياة الآباء فالحكم بذلك مستمر بعد الآباء ، قال ابن حجر ويقويه قوله تعالى "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ( ) أى رزق الأمهات وكسوتهن من أجل الرضاع للأبناء ، فكيف يجب لهن فى أول الآية ، ويجب عليهن نفقة الأبناء فى آخرها " .
وحاصل مذهب الإمام مالك أن نفقة الولد لا تجب إلا على أبيه فقط فإن أعسر بها سقطت .
رد على مذهب الإمام مالك
رُد القصر على القرابة المباشرة بقول الله تعالى " وعلى الوارث مثل ذلك " ( ) فيدخل فيه كل وارث .
ولأن مطلق الولد يطلق على الفرع وإن نزل ، ومطلق الوالد يطلق على الأصل وإن علا .
أما إسقاط الأم بحديث هند فيرد عليه أنه لا يلزم من السقوط عنها فى حياة الأب السقوط عنها بعد وفاته ( ).
كما لا يلزم منه السقوط عنها عند عجز الأب قياسا على الرضاع ، قال تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن " ( ) فأوجب على الأم ما عجز عنه الأب من الرضاع ( ).
وأما حديث أم سلمة ، فليس فيه أنه  أخبرها أن ذلك ليس واجبا عليها، ولا ينافى الوجوب أن يكون لها أجر ، بل أعظم الأجر ، وفى الحديث الصحيح " الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله ، أو القائم الليل ، الصائم النهار " ( ) .
قال الإمام ابن حزم " ويلزم المرأة كل ما ذكرنا كما يلزم الرجل إلا نفقة الولد ، فما دام الأب قادرا عليها فليس على المرأة من ذلك شئ ، هذا عمل جميع أهل الإسلام قديما وحديثا ، فإن عجز الأب عن ذلك أو مات ، ولا مال لهم ، فحينئذ يقضى بنفقتهم وكسوتهم على أمهم ، لقول الله عز وجل " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " ( ) وليس فى المضارة شئ أكثر من أن تكون غنية وهم يسألون على الأبواب ، ولأن الأوامر المذكورة جاءت مجيئا واحدا لم يخص بها رجل من امرأة" ( ).
سبب النفقة عند غير المالكية
ومن عدا المالكية من العلماء فموسعون ( ) ، غير أن الشافعية وجماعة يقصرون النفقة استحقاقا وإيجابا فى عمودى النسب ، والأحناف يقصرونها بين ذوى الرحم المحرم بشرط الاتفاق فى الدين فى غير الوالدين والمولودين . وقال أحمد تجب للورثة بعضهم على بعض وبه قال أبو ثور ، وقال الأوزاعى : تجب على جميع العصبات دون ذوى الأرحام ، من عدا الوالدين والمولودين ، وحكى عن أبى الخطاب أنه قال : تجب على كل ذى قربى ورحم من قريب أو بعيد ، وقال ابن حزم تجب على الوارث ذى الرحم المحرم .
وحاصل آراء العلماء عدا المالكية أن نفقة الولد تلزم غير أبيه كما تلزم أباه ( ) .
ويميل كثير من أساتذتنا ( ) إلى رأى الحنابلة مع استبعاد قولهم بمانع اختلاف الدين فى الأصول والفروع ، والأخذ برأى الحنفية فى ذلك الأخير ، لوجوب صحبة الوالدين فى الدنيا بالمعروف وإن كانا كافرين ، ولرابطة الجزئية بين الوالد والولد ، " وجزء المرء فى معنى نفسه ، وكما لا يمنع نفقة نفسه لكفره، فكذلك لا يمنع نفقة جزئه بكفره " ( ) .
أما ترجيح مذهب الحنابلة فى العموم فلا تساقه مع المنطق السليم لقاعدة الغنم بالغرم ، لتكون النفقة مكافأة بالإرث ، فكما يرث قريبه إذا مات وله مال ، فعليه نفقته إن كان لها أهلا والمنفق موسر .
وسنعود لذلك فى المطلب التالى .
أما هنا فغرضنا تقرير أن مذهب الإمام مالك لم يحظ بالاعتبار حتى فى دول المغرب العربى التى يغلب فيها تقليده ، حيث وجدنا مجلة الأحكام المغربية تقرر فى الفصل (129) أنه " إذا عجز الأب عن الإنفاق على ولده وكانت الأم غنية وجبت عليها النفقة " .
الأصلح وجوب نفقة الولد على غير الأب المعسر أصالة
حكى الإمام الماوردى ( ) فى الأب إذا أعسر بنفقة ولده أربعة مذاهب :
أولها : للشافعى ، وحاصله تجب على الجد أبى الأب وإن علا فإن عدم أو كان معسرا انتقلت إلى الأم ، وهو مذهب الجعفرية ( ).
وثانيها : للإمام مالك وقد عرفنا أنه لا يوجبها على غير الأب .
وثالثها : لصاحبى أبى حنيفة أنه : إن أعسر الأب تحملتها الأم لترجع بها عليه إذا أيسر ، وهو قول الزيدية ( ) واستظهر ابن عابدين أنه لا فرق بين الأم وغيرها فى ثبوت الرجوع على الأب المعسر( ).
ورابعها : لأبى حنيفة وقد قال " تجب فى موت الأب وإعساره على الجد والأم أثلاثا على الميراث ، ثلثها على الأم ، وثلثاها على الجد ، وهو ظاهر مذهب الحنابلة ( ).
قلت : ومذهب ابن حزم أنه متى عجز الأب عن النفقة أو مات فحينئذ يقضى بالنفقة على الأم ، ولا شئ على الجد فى حياة الأب لحجبه عن الميراث بالأب ( ).
وقد غلب قول الصاحبين فى العمل فى التقنينات الحديثة ( ) ، ولم يشذ

عنه – فيما طالعت – إلا القانونان المغربى والليبى ( ) ، فأوجبا على الأم النفقة إذا عجز الأب عنها ، ولم يشر أى من القانونين إلى حق الأم فى الرجوع على الأب إذا أيسر ، مما يفيد أن مصدرهما فى ذلك تلك الاتجاهات الفقهية التى تنزل المعسر بالنفقة منزلة العاجز عنها ، وهذه الاتجاهات كما رأينا تمثل رأى الجمهور فى هذا الشأن .
كما أن مشروع القانون العربى قد أخذ برأى الجمهور ، فنص فى المادة 179 منه على أن " الشخص الذى يكلف بالنفقة فى حال يساره يعتبر كالمعدوم فى حال إعساره ، وتفرض النفقة على سواه ممن تجب عليهم عند عدمه ، سواء أكان ذلك المعسر أبا أو ولدا أو غيرهما .
وجاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع
فى الفقه الحنفى طرائق صعبة وتفاصيل مضطربة فى مسألة اجتماع الموسر والمعسر فى قرابة من تجب له النفقة ، ففى نفقة الأولاد : نرى الأب الفقير العاجز عن الكسب للزمانة يلحق بالموتى ، فإذا كان معسراً غير عاجز عن الكسب ولم يتيسر له الكسب فرضت عليه نفقة أولاده ، وأمر من يليه كالأم والجد الموسرين بالأداء ليرجع على الأب إذا أيسر ، وهذا اختيار أصحاب المتون والشروح ، وقيل يعتبر حينئذ كالميت ، وهو تصحيح صاحب الذخيرة .
وبعد بيان أوجه انتقاد ترتيب من تجب عليهم النفقة فى هذه الحالة وما فيه من تعقيد وعسر تطبيق ، تشير المذكرة إلى معالجة المشروع ، مبينة سند اختياره فتقول :
واستند المشروع فى ذلك إلى فقه كثير من المذاهب :
أ- فمذهب أحمد أنه إذا كان فى الورثة موسر ومعسر : ففى عمودى النسب تجب النفقة على الموسر وحده ولو حجبه المعسر قولا واحدا ، وفى غير عمودى النسب قولان : ثانيهما أن الموسر يلزمه الكل ويعتبر المعسر كالمعدوم .
ب- ومذهب الشافعى أنه إذا أعسر الأقرب بالنفقة لزمت الأبعد ، ولا رجوع له على الأقرب بما أنفق إذا أيسر .
حـ- ومذهب مالك أن الولد المعسر لا تجب عليه نفقة والديه ، وأنه لو كان قادرا على التكسب لم يجبر على الكسب لينفق عليهما ، وأن الأب المعسر لا يجب عليه أن يتكسب لينفق على ولده المعسر .
د- ومذهب الزيدية أن نفقة الأب على الموسر فقط من أولاده ، إذا كان بقية أولاده معسرين .
وزيادة على ما جاء بمذكرة المشروع فإن إنزال المعسر منزله العاجز هو قول فى المذهب الحنفى ( )، وهو صريح مذهب أهل الظاهر والجعفرية( )، واختاره من المتأخرين الإمام الشوكانى ، قال فى السيل تعقيبا على قول صاحب متن الأزهار " ثم على الأم قرضاً للأب " : إذا كانت غنية فعليها النفقة لأولادها، لأن الخطاب فى الأحاديث السابقة إن كانت للرجال فللنساء حكمهم كسائر الخطابات التى فى الكتاب والسنة بصيغة خاصة بالذكور ، فإن النساء شقائق الرجال ، ولا يخرجهن من ذلك إلا دليل يخصصهن من الواجبات على الرجال ، فلا وجه لقوله قرضاً للأب " ( ) .
على أن الله سبحانه وتعالى قال " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها " ( ) فكيف يكلف المعسر بما لا يقدر عليه ؟ فإن قيل : إنه لا يكلف حال عسره ، وإنما يكلف بالرد إذا أيسر .
فالجواب : أن ذلك يقبل إذا كان المنفق أجنبياً ، أما وأنه وارث فعليه مثل ما على الأب بالنص القرآنى الذى اتخذ أساساً لوجوب النفقة على غير الأب.
وقد يقال : إن الأب قد يتخذ ذلك ذريعة للتهرب من النفقة على صغيره ، فتضطر الأم للإنفاق وفى ذلك مضارة بها وقد قال الله تعالى " لا تضار والدة بولدها " .
والجواب : أن ذلك يصح متى كان المعسر متعنتاً فى اختيار البطالة كسلاً أو عناداً ، ومثله يجبر على التكسب ، وحكمه حكم الملئ يحل عرضه وعقوبته ، أما إن أعسر بغير تقاعس منه ، وألزمناه مع ذلك نفقة ولده فإننا نكون قد ألزمنا فقيراً النفقة على فقير ، فى الوقت الذى فيه قريب آخر موسر يستطيع القيام بحاجة المحتاج ، فإن لم نلزمه حق ذى القربى فى وقت الحاجة فمتى تلزمه؟؟
وحاصل قولى :
أننى أرى إن إنزال الأب المعسر بنفقة ولده منزلة العاجز عن الكسب ما لم يكن متعنتا فى ترك التكسب هو الأيسر والأعدل ( ) ، لأن غرض النفقة قيام القادر بحاجة المحتاج ، ومتى وجد القادر من الملتزمين بها فلا معنى لإلزام غير القادر .
على أن لهذا الرأى قيمة خاصة فى إسكان المحضون ، إذ باعتباره يمكن تأسيس عدم إلزام الأب ، أو الولى – بإسكانها والمحضون متى كان لها سكن ، أو فى وسعها كراء مسكن ، أو المساهمة فى الكراء ، إذ مع عدمه لا يستقيم القول بأنه لو كان لها مسكن يمكنها أن تحضن فيه الولد ويسكن تبعا لها فلا تلزمه أجرة مسكن ، إذ كيف تكون النفقة على الأب لا يشاركه فيها غيره ، ويسكن تبعا للحاضنة بيد أن المسكن من النفقة ؟؟
نفقة ذى الأب العاجز عن الكسب
حكى الخصاف والصدر الشهيد فى النفقات قولين فى الأب العاجز عن الكسب قالا " فإن لم يقدر على العمل لما به من زمانة أو كان مقعدا يتكفف الناس، وينفق عليهم ، ومن المتأخرين من قال : إذا كان عاجزا عن الكسب بهذه الأعذار فنفقته فى بيت المال وإذا كانت نفقته فى بيت المال كانت نفقة ولده كذلك"( ).
ثم اتبع ذلك بأن الأم لو طلبت إلى القاضى فرض النفقة على الأب لتستدينها – إن كانت معسرة – أجابها ، وكانت النفقة دينا على الأب ترجع عليه بما استدانت إذا أيسر ، وأن الصحيح أنه إذا مات فما استدانت دين فى تركته "وهذا هو فائدة الأمر بالاستدانة" ( ) .
ومعنى ذلك أن العاجز لا يعتبر معدوما فى حق النفقة ، وتعقب ابن عابدين ( ) القول بالتكفف بأنه يحمل على حالة عدم وجود قريب ينفق على الأولاد ، كما قيل بأن فرض النفقة فى بيت المال مقيد بذلك أيضا .
ولكن الكاسانى وغيره قالوا : إذا كان الأب عاجزا عن الكسب وللأولاد جد موسر فإن القاضى يقضى بالنفقة على الجد ، لأن على الجد فى هذه الحالة نفقة أبيهم فيتحمل كذلك نفقتهم ، قال ابن عابدين " والصحيح فى المذهب أن الأب الفقير يلحق بالميت فى استحقاق النفقة على الجد ، وإن كان الأب زمنا يقضى بها على الجد بلا رجوع اتفاقا " ( ) .
وقد روى الكاسانى ( ) عن أبى يوسف أنه قال فى صغير له ولد محتاج، وهو زمن ، فرضت نفقته على قرابته من قبل أبيه ، دون قرابته من قبل أمه ، كل من أجبرته على نفقة الأب أجبرته على نفقة الغلام إذا كان زمنا ، لأن الأب إذا كان زمنا كانت نفقته على قرابته ، وكذلك نفقة ولده لأنه جزؤه ، قال : فإن لم يكن قرابة من قبل أبيه قضيت بنفقته على أبيه ، وأمرت الخال أن ينفق عليه ويكون ذلك دينا على الأب ، ووجه الفرق بين قرابة الأب وقرابة الأم أن قرابة الأب تجب عليهم نفقة الأب ، إذا كان زمنا ، فكذا ولده الصغير ، فأما قرابة الأم فلا تجب عليهم نفقة الأب ولا نفقة الولد ، لأن الأب لا يشاركه أحد فى نفقة ولده.
وواضح أن أساس هذه الفتوى أن الأب لا يشاركه أحد فى نفقة ولده ( )، حتى إنهم ليعتبرون نفقة أقارب الأب على الولد نفقة على الأب ذاته ، بخلاف أقارب الأم ، وهذا صحيح مقبول متى كان الأب موسرا ، ويمكن أن يكون له وجه إن كان معسرا بالنفقة لا عاجزا عنها ، أما مع العاجز المحتاج كيف يمكن نفى مشاركة الغير ، والأب وابنه يحتاجان من ينفق عليهما ؟ ثم إن كان قرابة الأم لا تلزمهم نفقة الأب ، فإن نفقة الابن تلزمهم لأنهم من ذوى رحمه ، وقد قضى النبى  بأن " الخالة أم " ( ) وأن " الخال وارث من لا وارث له " ( ) فكيف لا يحوطونه فى حال عسرته ؟
على أنه لا ذكر للأم ، وقد قال صاحب الدر : المعسر يلحق بالميت على الصحيح من المذهب ، فأولى بذلك العاجز ، ومقتضاه كما يقول ابن عابدين " أنها تجعل عليهما – أى الأم والجد – أثلاثا " ( ) أى يأخذ العاجز حكم الميت وتكون نفقة ولده واجبة على النحو الآتى فى المطلب التالى .
وحاصل رأيى :
أنه إذا ترجح إنزال المعسر منزلة الميت ، فمن باب أولى ينزل العاجز منزلته ، لأن اعتبار الأدنى يوجب اعتبار الأعلى .
المطلب الثانى
نفقة المحضون اليتيم
إحالة
رأينا فى المطلب السابق أن جمهور العلماء لا يقصرون النفقة على الأصل أو الفرع المباشر وإنما يعدون الوجوب والاستحقاق إلى غيرهما ، إلا أنهم بين موسع ومضيق .
وقد أشرنا إلى أن التطبيق المرعى فى التقنينات العربية يهجر تماما مذهب المالكية ومن معهم فى عدم إلزام الأم شيئا من نفقة الولد ، وإلى أن أكثر التطبيق موزع بين الظاهر من مذهب أحمد وما عليه الفتوى فى المذهب الحنفى.
ويشغلنا هنا من خلاف السلف والتطبيق القانونى ترتيب من تجب عليهم النفقة بعد الأب ، للوقوف على ما يلزم الأم والحاضنة خصوصا من نفقة الولد ، والشروط الواجب توافرها فيمن تجب عليه النفقة .
أولا : ترتيب من تجب عليهم النفقة فى المذهب الحنفى
على ما يستخلص من المذهب ( ) فإن المعتبر فى النفقة على الفروع والحواشى هو القرب والجزئية دون الإرث ، إذا لم يكن المطلوب منهم النفقة وارثين كلهم ، فإن كانوا وارثين كلهم فالنفقة بقدر الإرث ، وإن تساووا فى القرب وبعضهم وارث والبعض غير وارث فالنفقة على الوارث ، وإن كانت هذه القاعدة – كغيرها من ضوابط النفقة عند التعدد – لا تخلو من مفارقات .
ويجب أن يراعى أن الحنفية يشترطون لوجوب النفقة أن يكون المنفق عليه ذا رحم محرم بسبب القرابة من المنفق ، وهو ما ينتج مفارقات تضاد أيضا العدالة ، وقاعدة الغنم بالعزم .
1- وعلى كل حال فإن اليتيم إن كان له أم ليس معها جد لأب ولا وارثون بالفرض أو التعصيب فالنفقة عليها وحدها ، لأنها الأقرب ، والمختصة بالإرث فرضا وردا ، ففى أم وجد لأم تجب النفقة على الأم فقط .
2- وإن كان معها جد لأب فعلى ظاهر الرواية أن النفقة عليهما أثلاثا بقدر الإرث ، وروى الحسن عن أبى حنيفة رضى الله عنهما أن النفقة كلها على الجد وألحقه بالأب ، قال الصدر الشهيد " وهذه الرواية أليق بمذهب أبى حنيفة رضى الله عنه فى الميراث ، فإنه يلحق الجد بالأب ، حتى إنه قال الجد أولى من الأخوة والأخوات " ( ) .
وقد اختلف القول ( ) فيما عليه الفتوى فى الجد والأخوة لأبوين أو لأب فى الميراث . فرجح البعض الفتوى على مذهب الأمام ، ورجح البعض الآخر الفتوى على رأى الصاحبين.
ومقتضى رأى الإمام أن ينزل الجد منزلة الأب فى النفقة كما ينزل منزلته فى الإرث ، وعلى رأى الصاحبين فإن الجد ينزل منزلة الأب فى الإرث فى حال دون حال ، فهو لا يحجب مثلا الأخوة ولا الأخوات الأشقاء أو لأب ، بينما يحجب الأخوة لأم .
ومن ذلك يتضح أن ما عليه ظاهر الرواية أنسب إلى رأى الصاحبين ولكنهم إذ ذكروا مثالا صورته أم ، وجد ، وأخ عاصب أو ابن أخ أو عم ، قالوا : النفقة على الجد وحده ، وليس على الأم منها شئ ما بحجة أن الجد أنزل منزلة الأب فحجب الأخ العاصب ، أو ابنه ، أو العم فيكون كالأب فى النفقة لا يشاركه فيها أحد .
فحصل من ذلك فى جد وأم قولان :
أولهما : إذا انفردا دون عاصب من الحواشى فالنفقة بينهما أثلاثا .
ثانيهما : إذا اجتمع معهما عاصب من الحواشى فالنفقة على الجد وحده .
وقد قضى عندنا فى مصر ( ) بالقولين فى الصورتين ، ففى مطالبة أم بنفقة ولدها من جده لأبيه دفع الجد بأنها تشاركه فيها بحق الثلث ، فدفعت بوجود أعمام للولد يحجبهم المدعى عليه ، وأن النفقة فى هذه الحالة عليه وحده ، فقضت لها المحكمة بذلك ، وقالت فى حكمها " ….. النفقة تجب فى مثل هذه الحال على الجد وحده ، لتنزيله منزلة الأب ، وقال ابن عابدين : ولو وجد معها أى مع الأم : جد لأب ، بأن كان للفقير أم وجد وأخ عصبى ، أو ابن أخ أو عم كانت النفقة على الجد وحده ، كما صرح به فى الخانية ، ووجه ذلك أن الجد يحجب الأخ وابن الأخ ، والعم لتنزيله حينئذ منزلة الأب فصار كما لو كان الأب موجودا حقيقة ، وإذا كان الأب موجودا حقيقة لا تشاركه الأم فى وجوب النفقة ، فهكذا إذا كان موجودا حكما ، فتجب على الجد فقط ، بخلاف ما لو كان لفقير أم وجد فقط فإن الجد لم ينزل منزلة الأب ، فلهذا أوجبت النفقة عليه أثلاثا فى ظاهر الرواية " .
وهذا العمل ترد عليه انتقادات :
أولها : انه لم يمض على الأليق بمذهب أبى حنيفة فى الصورتين سواء، إذ مقتضى إنزال الأب أن يكون الحكم واحدا فى الصورتين ( ) .
ثانيها : أن من ضوابط الترتيب عند الحنفية أنه إذا اجتمع أصول وحواش وأحد الصنفين وارث والآخر غير وارث فالنفقة على الأصول وحدهم، وإذا تعددوا وكانوا كلهم وارثين اعتبر الإرث ، فتكون النفقة على حسب الميراث، ومقتضى هذا الضابط أن تكون النفقة بين الأم والجد فى الصورة الثانية أثلاثا لأن كليهما وارث ، كالصورة الأولى ( ).
ثالثها : أن اعتبار مذهب الإمام فى النفقة يخالف المعمول به فى قانون المواريث الحالى 77 لسنة 1943 ، وقد أخذ فيه برأى زيد بن ثابت رضى الله عنه ، وهو ما عليه الصاحبان وجمهور العلماء ، أن الجد لا يحجب الأخوة ولا الأخوات الأشقاء أو لأب ، وإنما يقاسم كأخ إلا إذا كانت القسمة تنقص نصيبه عن السدس ، ولا يرد هذا النقد أن يكون المقنن قد عدل عن قول أبى حنيفة فى خصوص الإرث فقط ، ولم يتعداه إلى النفقة ( ) . لأن اتساق الأحكام فى القوانين المختلفة خصوصا فى الموضوعات المترابطة مما تستدعيه المصلحة .
3- إذا كان مع الأم قريب وارث من الحواشى فالنفقة تكون بحسب الميراث ، ففى صورة : أم ، وعم ، على الأم الثلث ، وعلى العم الثلثان ، وفى صورة أم ، وأخ ش للطفل أو أخ لأب له ، على الأم الثلث وعلى الأخ الباقى ، وإن كانا أخوين أحدهما شقيق والآخر لأب ، فعلى الأم السدس والباقى على الشقيق ، ولا شئ على الأخ لأب لحجبه بالشقيق .
4- وفى صورة أم وجد لأم وعم فإن الأم تقدم على الجد لأم لترجحها عليه بالإرث وبالقرب ، وتكون النفقة على الأم والعم أثلاثا .
وإن كانت الحاضنة غير الأم – ولا تكون على المذهب الحنفى ( ) إلا من المحارم ما لم تتعين غير المحرم – فإنها – بفرض عدم انفرادها – لا تخلو من أن تكون من الأصول أو من الحواشى .
أ- فإن كانت من الأصول كأم الأم ، أو أم الأب ، إلخ فإن القاعدة فيما يلزمها تمضى على التفريق بين فرضين :
1- أن يكون معها أصول فقط – ليس فيهم الأب – فإن كانوا كلهم وارثين واستووا فى القرب فالنفقة بحسب الإرث ، وإن استووا والبعض غير وارث اعتبر الإرث ، ففى أم أبى الأم وجد لأب وجد لأم ، فالنفقة على الجد لأب وحده لأنه الوارث ، وإن لم يستووا فعلى بيان ابن عابدين أن النفقة على الأقرب جزئية وإن كان غير وارث ، ومثالها . أم أبى الأم ،وأم أم أم الأب فالنفقة حسب القاعدة تلزم الجدة القريبة وإن كانت لا ترث ، ويرجح الإمام أبو زهرة أن يكون النظر باعتبار الإرث ( ) .
2- وإن كان معها حواش :
فإن كان أحد الصنفين – هى كإحدى الأصول والحواشى – غير وارث والآخر وارثا ، فالنفقة عليها ترجيحا للجزئية ، سواء كانت هى الوارثة أم لا ، وإن كان كل من الصنفين وارثا فالنفقة تكون بحسب الإرث . وإن تعدد الأصول نظرنا فإن كان منهم من هو راجح بالإرث أو القرب اعتبر أنه الموجود وحده ، ونظر إليه مع غيره من الحواشى فإن كانوا يرثون معه فالنفقة بحسب الإرث ، وإن كانوا لا يرثون معه أو يرثون دونه فالنفقة عليه وحده " وهى من مفارقات المذهب " .
ففى صورة أم أم ، أم أب ، عم شقيق ، على الجدتين السدس وعلى العم الباقى ، وفى صورة أم أم وأخ ش وأخت شقيقة على الجدة السدس ، وعلى الأخ والأخت الباقى أثلاثا ، وفى صورة أم أبى أم وأخ ش ، النفقة على الجدة ، ولا شئ على الأخ وإن كان يستحق الإرث كله .
ب- وإن كانت الحاضنة من الحواشى
1- نظرنا فى الأصول فإن كانوا يحجبونها عن الإرث حجبا كليا كالجد مثلا ، فالنفقة عليه وحده ، وتكون على الأصل وحده أيضا إن كانت ترث دونه ، وتستحق النفقة عليها مع الأصل إن كانت ترث معه .
وعلى ذلك : إن كانت الحاضنة أختا فلا شئ عليها مع الجد لأب لأنه ينزل منزلة الأب ، ولا مع الجد لأم لأنه أقرب جزئية ، وعليها ثلاثة أرباع النفقة مع الجدة الصحيحة ، وثلاثة أخماسها مع الأم .
وإن كانت خالة أو عمة فلا شئ عليها مع الأصل كيف كان ، ونفس الحكم إن كانت بنت أخ ، أو بنت أخت .
وإن كان الذين معها حواشى فقط فالنفقة على الوارث أصلا وقدرا ، فإن كانت الحاضنة وارثة لزمها من النفقة بقدر نصيبها فى الإرث ، وإن كانت غير وارثة فلا شئ عليها ، ففى عمة وخال على العمة الثلثان لأنها من قرابة الأب ، وعلى الخال الثلث لأنه من قرابة الأم . وفى عمة هى الحاضنة وبنت أخ ش أو لأب ، النفقة على بنت الأخ لأنها من حواشى الطفل ، والعمة من حواشى أبيه .
ماذا لو أعسر القريب الأقرب بالنفقة ؟
حقق الإمام أبو زهرة ( ) أنه متى كان الأولى بالنفقة – غير الأب والابن – معسرا فإن النفقة تجب على من عداه ، ويفرض معدوما غير موجود فى صورتين :
إحداهما : إذا كان أساس الإنفاق هو القرب والجزئية فقط كما فى صورة أبى أم معسر ، وأبى أبى أب موسر فإن النفقة تجب على الأخير ، ويفرض الأول معدوما ، وإن كان هناك حواش ( ) على أساس الأليق بمذهب أبى حنيفة فى الجد، ونفس الحكم فى أم معسرة وجدة موسرة .
والثانية : إذا كان أساس النفقة هو الميراث ، وكان من تجب عليه النفقة بمقتضى ذلك معسرا ، فإنه يفرق بين فرضين .
الأول : إذا كان المعسر يحرز كل الميراث فإنه يجعل كالميت اعتبارا ثم توزع النفقة على الوارثين من الأقارب الآخرين .
ففى صورة فقير له أخ ش وأخ لأب وأخت لأب والأخ الشقيق معسر ، يفرض الأخ الشقيق ميتاً ، وتفرض النفقة على الأخ لأب والأخت لأب أثلاثاً.
والفرض الثانى : ألا يكون القريب المعسر محرزاً كل الميراث .
وصورته : محضون معسر له أم وأخت شقيقة موسرتان ، وأخت لأب وأخت لأم معسرتان .. وواضح أن الجميع يرثن فى طالب النفقة ، فيقضى أولاً على أساس فرض النفقة على الجميع حسب السهام ، للأم السدس وللشقيقة النصف ولكل من الأختين الباقيتين السدس ثم يلغى اعتبار المعسرتين فى النفقة لإعسارهما ويكون توزيع النفقة على أساس سهام الموسرتين وهى أربعة سهام على الأخت ثلاثة أرباع النفقة وعلى الأم الربع .
وقد قضى بأنه لا يلجأ إلى هذا الاعتبار إلا فى حالة ما إذا تعدد الموسرون ( ) .
ونخلص من ذلك إلى أن : الأم لو كانت موجودة فإما أن تكون موسر أم أو معسرة ، فإن كانت معسرة فلا شئ عليها فى كل الفروض ، وإن كانت موسرة وللمحضون جد لأب ولا أخوه فالنفقة على الأم والجد أثلاثاً على الأم منها الثلث ، وإن كان له جد وأخوة – فعلى المذهب – النفقة على الجد وحده ، وإن له أعمام ولا جد فعلى الأم الثلث ، وإن كان له أخوة فعلى الأم بقدر سهامها مع الموسر فقط إن كان بعض الأخوة ، أو بعض الأعمام معسراً .
ثانياً : ترتيب من تجب عليهم النفقة فى المذهب الحنبلى
مذهب الحنابلة أن النفقة تجب على كل وارث بفرض أو تعصيب لمورثه إذا اجتمعت شروط النفقة وهى :
1- أن يكون المنفق عليه فقيرا لا مال له ولا كسب يستغنى به عن إنفاق غيره .
2- أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم فاضلاً عن نفقة نفسه ، إما من ماله وإما من كسبه .
3- أن يكون المنفق وارثاً ، لقول الله تعالى "على الوارث مثل ذلك" ( ) فإن كان أجنبياً فلا شئ عليه ، وإن كان قريباً امتنع من الإرث مع وجود القرابة، ففى الحكم تفصيل .
أ- فإن كان القريب مخالفاً فى الدين وليس من عمودى النسب فلا نفقة عليه قولاً واحداً ، وإن كان من عمودى النسب فعلى إحدى روايتى القاضى " ابن عقيل " تجب مع اختلاف الدين ، وعلى الثانية لا تجب ، وعلى الثانية " جماهير الأصحاب ، وقطع به كثير منهم" ( ) .
ب- وإن كان القريب محجوباً عن الميراث بمن هو أقرب منه ، فإن كان الأقرب موسراً فالنفقة عليه وحده ( ) ، ولا شئ على المحجوب به :
وإن كان الأقرب معسراً ففى وجوب النفقة على المحجوب أقوال :
أحدهما : يشترط الإرث فى الحال – أى دون حجب – قال فى الإنصاف " وهو الصحيح " ( ) وعليه لا نفقة على المحجوب الموسر .
والثانى : يشترط ذلك فى الجملة ، ولكن إن كان موسراً ، فإن كان فقيراً جعل كالمعدوم ولزمت الأبعد الموسر .
والثالث : يشترط الإرث فى غير عمودى النسب .
وظاهر عبارة ابن قدامة ( ) السير على هذا الأخير ، وأن الوجهين الأول والثانى يردان فى غير عمودى النسب ، ويبدو أنه يميل إلى الثانى .
واختلف فى ذوى الأرحام ( ) الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب ، فظاهر المذهب ألا تلزمهم نفقة إذا كانوا من غير عمودى النسب ، وخرج أبو الخطاب على رواية أخرى عن أحمد أن النفقة تلزمهم عند عدم العصبات وذوى الفروض .
أما عمودا النسب فذكر القاضى ما يدل على أنه يجب الإنفاق عليهم سواء كانوا من ذوى الأرحام كأب الأم وابن البنت ، أو من غيرهم ، وسواء كانوا محجوبين أو وارثين .
وعلى أساس كل ما تقدم تلزم النفقة النساء كما تلزم الرجال ، ولكن روى عن الإمام أحمد وجماعة أن النفقة على العصبات ، أى الرجال دون النساء ( ) ، وانتصر لهذا الرأى بشدة الإمام ابن القيم حتى قال " هو مقتضى قواعد الشرع ، فإن العصبة تنفرد بحمل العقل وولاية النكاح ، وولاية الموت ، والميراث بالولاء … ويقول " والصحيح انفراد العصبة بالإنفاق ، لأنه الوارث المطلق " ( ) .
وفى رأيى أن عموم الإيجاب على الوارث لم يخص منه إلا التكليف بما ليس فى الوسع ، فيظل على عمومه شاملا كل وارث ذكرا كان أو أنثى ، " فإن النساء شقائق الرجال ، ولا يخرجهن من ذلك إلا دليل يخصصهن من الواجبات على الرجال " ( ) .
وقد سار ابن قدامة وغيره على إناطة النفقة بالإرث ، فتشمل الرجال والنساء .
وهل يشترط الإرث من الجانبين ، أم أن الشرط أن يكون المنفق وارثا من المنفق عليه فحسب ؟
قيل : بالأول ، وقال ابن قدامة ( ) : الصحيح أن النفقة تلزم الوارث ، وإن كان المنفق عليه لا يرثه ، فينفق ابن الأخ على عمته لأنه يرثها ، وعلى ابنة عمه وابنة أخيه ، ولا تلزمهن نفقته .
وعلى أساس هذا كله :
فإن الصبى " إذا لم يكن له أب فالنفقة على وارثه ، فإن كان له وارثان فالنفقة عليهما على قدر إرثهما ، وإن كانوا ثلاثة فأكثر فالنفقة بينهم على قدر إرثهم منه ، … يعنى : أن ترتيب النفقات على ترتيب الميراث … وعلى قدره ، سواء كان فى المسألة رد أو عول أو لم يكن ( ) .
وعلى القول الذى مال إليه ابن قدامة فى الحجب فإن المعسر يعتبر معدوما ، وتكون النفقة على الموسرين بقدر إرثهم على فرض عدمه ، ففى صورة فقير صغير له أبوان وأخوان وجد ، والأب معسر ، يفترض الأب معدوما ويكون على الأم السدس ، والباقى على الجد والأخوين أثلاثا ، كما يرثون إذا كان الأب معدوما . " وإن كان بعض من عليه النفقة غائبا وله مال حاضر أنفق الحاكم منه حصته ، وإن لم يوجد له مال حاضر فأمكن الحاكم الاقتراض عليه اقترض ، فإن قدم فعليه وفاؤه " ( ) .
وحاصل مذهب الإمام أحمد فى الصغير اليتيم ، أو ذى الأب المعسر أو العاجز أن على أمه من نفقته بقدر إرثها إذا كانت موسرة ، وباقى نفقته على الوارثين من قرابته ، على أن يفرض المعسر معدوما وتجب النفقة على الموسرين كل بقدر ما يستحقه إرثا .
وإن كانت الحاضنة غير الأم – وتجب فى حال الفسحة للوارثة فإن عدمت فلمن تدلى بمن له حضانة ، وهو الوارث من النساء والعصبة من الرجال( ) – فحسب ما سار عليه ابن قدامة أن عليها من النفقة بقدر ما ترثه .
وعموما فإن الحاضنة إن كانت من ذوى الأرحام فإن كانت من عمودى النسب فعلى قول القاضى يجب الإنفاق عليها ، سواء كانت محجوبة أو وارثة ، لأن قرابتها قرابة جزئية وبعضية ، فتجب عليها النفقة قياسا على الأم والبنت وإن كانت من غير عمودى النسب فلا تلزمها النفقة إلا على قول أبى الخطاب – واختاره تقى الدين ( ) – أن النفقة تلزمها عند عدم العصبات وذوى الفرض .
وعلى ذلك إن كان ثمة عاصب أو صاحب فرض أو ذو رحم أقرب من الحاضنة وهو موسر فلا نفقة عليها ، وإن عدموا أو افترضوا كذلك لعسرهم فعليها النفقة بقدر إرثها على قولى القاضى وأبى الخطاب .
إنفاق الأم فى القانون السودانى
أخذ القانون السودانى بمذهب الإمام أحمد فى وجوب النفقة على الوارث ونص عليه فى المادة (88) ولكنه استثنى منه نفقة الولد ، حيث نظمها فى المادة(84) بقوله " تجب نفقة الولد الذى لا مال له على أمه الموسرة ، إذا فقد الأب أو الجد أو عجزا عن الإنفاق " .
وواضح من النص أنه أخذ فى ذلك بمذهب الشافعى رضى الله عنه ، فى انفراد الجد بالنفقة دون الأم "لأنه لما قام الجد مقام الأب فى الولاية ، واختص دون الأم بالتعصيب وجب أن يقوم مقامه فى التزام النفقة" ( ) وفى رأيهم أن قوله " وعلى الوارث مثل ذلك "محتمل والاحتمال يسقط الاستدلال ، ولهذا قال الشافعى : النفقة ليست على الميراث" ( ) .
وما أخذ به القانون السودانى يتمشى مع رواية الكاسانى ( ) عن أبى يوسف فى نفقة ذى الأب العاجز ، على ما مر .
وعلى ذلك يكون ترتيب الإنفاق على صغير العاجز أو الميت فى القانون السودانى على الجد ثم على الأم ثم على الموسر من الورثة بحسب حصصهم الإرثية .
إنفاق الأم فى القوانين العربية الأخرى
كما ذكرت من قبل فإن صريح نص المادة 129 من مدونة الأحوال المغربية ، والمادة 28 من القانون رقم 10 لسنة 1984 الليبى يوجبان على الأم الإنفاق على الولد عند عجز الأب ، فيلزمها ذلك من باب أولى إذا مات .
وفى العراق فإن مفهوم المادتين (60 ، 62 ) من القانون العراقى أن على الأقارب الموسرين – ومنهم الأم – الإنفاق على الولد المحتاج العاجز عن الكسب كل بقدر إرثه إن كان يتيما ، وكذلك إن كان أبوه حيا وكان عاجزا عن الكسب .
وهو نفس الحكم المستفاد من المادتين 156 ، 159 من القانون السورى 171 ، 173 من القانون الأردنى .
وفى مغرب وليبيا لا تجب نفقة الصغير بعد الأم على أحد وإن أوجب الفصل 132 من المدونة " سد رمق المضطر على من عنده فضل " .
وفى العراق وسوريا والأردن تجب النفقة بعد الأب على الورثة بحسب حصصهم الإرثية ، وواضح أنها التزمت مذهب الإمام أحمد فيلزم الأم الموسرة منها بقدر إرثها ، كما يلزم الحاضنات الأخريات إن كن وارثات بقدر إرثهن ، على أصح الروايتين .
مفهوم اليسار كشرط فى وجوب الإنفاق على المحضون
يتفق العلماء على أن من شرط النفقة على غير الوالدين والولد من الأقارب أن يكون المنفق موسرا ( ) ولكن ما هو حد اليسار ؟
والجواب : أنه اختلف فى ذلك على أقوال منها :-
1- عند الحنفية ثلاثة أقوال ( ) ، أقواها ( ) هو قول الإمام محمد بن الحسن وحاصله : أن يكون للمطالب بالنفقة كسب دائم ، يكفى حاجته ويزيد ، فينفق من الزيادة على القريب المحتاج العاجز عن الكسب .
وحجته ( ) : أن النفقة صلة ، وليست زكاة ولا صدقة ، فهى لا تغنى عنهما عند القضاء بها ، فلا يشترط لوجوبها ما يشترط لوجوب الصدقات .
وهو نفس المعنى الذى نجده عند المالكية ( ) وعند الشافعية ( ) وعند الحنابلة ( ) والجعفرية ( ) والظاهرية ، وعند الزيدية أقوال ( ) ، قال الهادى : هو من يملك مائة دينار تزيد أو تنقص تقريبا ، وقال أبو العباس : من لا يسمى فقيرا وقال الإمام يحيى : كقول الشافعى والجعفرية : من له ما يزيد على قوت يومه وليله ، قال صاحب البحر " قلت : الصحيح أنه من يملك الكفاية له وللأخص به إلى الدخل من سنة أو يوم ، إذ لا يسمى من دونه موسرا ، لغة ولا عرفا ، ومن له يتفضل منها كالموسر " .
ويتضح من ذلك أن هناك ما يشبه الإجماع أن حد اليسار هو الفضل عن الحاجة ، فمن عنده زيادة على حاجته وحاجة من تلزمه نفقتهم فهو موسر ، وهذا هو الأنسب لكون النفقة صلة ، بل هو ما فسر به العفو المذكور فى قول الله تعالى " ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو " ( ) قالوا " هو ما فضل عن الحوائج ونفقة العيال " ( ) ولأنه أرفق بالناس وأدنى إلى تحقيق مصالحهم فإن أساتذتنا مالوا إليه ، واطرد قضاء المحاكم عليه .
فحكم بأنه لا يصح فرض نفقة على القريب – وكانت جدة – إلا إذا زاد ما يملك عن كفايته ، وأن المعتبر فى يسار من تجب عليه النفقة لقريبه إنما هو قيمة ما يملك لا قيمة ريعة . وأن المعقول الراجح فى المذهب الحنفى أن من يملك منزلا – يفيض عن حاجته – لا يستحق على قريبه النفقة ، فإن كان يملك حصة من منزل فعليه بيعها ، وإنفاق ثمنها حتى يفرغ .
فإن كان يملك حصة يحتاجها لسكناه فهو فقير وإن كانت له حصة أخرى لا يمكنه الحصول على ثمنها إلا ببيع ما يسكنه " ( ) .
كما حكمت محكمة الخرطوم الشرعية ( ) برفض دعوى نفقة لسبعة أولاد قصر على عميهما ، لأنهم أغنياء بمنزلهم الذى ورثوه من والدهم المتوفى .
المطلب الثالث
دور المجتمع فى سد حاجة المحتاجين
نفقة القريب المحتاج العاجز عن الكسب جزء من نظام عام وشامل هو نظام التكافل الاجتماعى ( ) ، والذى يهدف من بين ما يهدف إليه – إلى سد حاجة المحتاجين ممن لا يستطيعون القيام بعمل ، بتهيئة العمل لهم ، فإن عجزوا عنه وقاهم الضياع ، وكفاهم ذل السؤال ، على أساس ما للآحاد من حق على الجماعة ، وفى الحديث الشريف " مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " ( ).
وبمراعاة هذا النظام ، وعلى أساس أن مسئولية الفرد عن الإنفاق تبدأ بالإنفاق على نفسه ، ثم على من يعول ( ) لم يجد الفقهاء غضاضة فى أن يشترطوا فى المنفق أن يكون موسراً بفائض ماله أو بفائض كسبه ، ويمكن القول بأنهم أجمعوا على اعتبار الفقير العاجز عن الكسب معدوماً ، وأن كثرة منهم يقولون : المعسر بالنفقة – ما لم يكن متعنتاً بتبطله – فى حكم العاجز ، وقد ظهر أن الذى قالوه تؤيده الأدلة والفطرة السوية .
وقد يقول قائل : إنه يندر أن نجد محضوناً ثابت النسب ليس له قريب ، قاص أو دان ، يملك فائضاً عن حاجته ، ويعود به على هذا المحضون المحتاج( ).
ولهذا القول حظ وافر من القبول فى المجتمع المتحاب المتماسك ، الرخى ، ولكن مع تراخى عرى المودة ، أو ضيق الحال يتصور أن يضيق بعض الأقربين – خصوصاً القرابات البعيدة – بالقيام بحاجة المحتاج ، ومن قديم قال الشافعى  " إن القرابة ينفس بعضها بعضاً ما لا ينفس العدا " ( ) مما يعنى أن إكراه ( ) بعض الأقارب على نفقة القريب المحتاج قد يسد الخلة ولكنه لا يشبع الحاجة ، وقد يبقى على حياة ، ولكنه لن يربى نشئا "تربية تظهر القوى والمواهب"( ).
ويظهر لنا من اجتماع الفقهاء على أن الواجب فى النفقة هو قدر الكفاية ، على أساس قول النبى  " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " دون أن يحدد قدراً معيناً فى ذلك ، وقولهم ( ) إن قدر المنفق على القيام ببعض الحاجة ، وعجز عن البعض وجب على من يليه أن يقوم بما عجز عنه ، ونزعة القائلين بتوسيع دائرة الملتزمين بالنفقة إلى إلزام المكلفين – غير الأب – على قدر حصصهم الإرثية ، مع افتراض المعسر معدوماً ، وإعادة التوزيع ، أو على دورهم ( ) ، يظهر لنا من كل ذلك أن الغرض ليس مجرد سد الخلة أو الوفاء بالضروريات ( ) ، وإنما القيام التام بكل حاجة المحتاج ، ولهذا قالوا : لو احتاج إلى خادم فعليه مؤنته ، لأن الحاجة لا تندفع إلا بذلك .
ومن جانب آخر فإنا رأينا الفقهاء يقولون إنه " لا يباع على المنفق ما إن بيع عليه هلك وضاع ، فما كان هكذا لم يبع إلا فيما فى نفسه إليه ضرورة ، إن لم يتداركها بذلك هلك " ( ) بل قالوا : " لا يجب الإنفاق من أصل البضاعة التى يتجر بها ، ولا من ثمن الملك وآلة العمل ، لحصول الضرر بذلك ، لفوات ما يتحصل منه قوته وقوت زوجته ونحو ذلك " ( ) وكل ذلك ارتكانا إلى قول الله تعالى " ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو " ( ) قال ابن حجر ( ) إن الحسن البصرى قال فيه " أن لا تجهد ما لك ثم تقعد تسأل الناس " قال " فعرف بهذا المراد بقوله ( الفضل ) أى ما لا يؤثر فى المال فيمحقه " .
فإن روعى ذلك ولاحظ الباحث أن مشكلة " نفقة المحضون " هى فى العادة نفقة طفل فى أطواره الأولى ، أو نفقة أنثى قد كعبت ، وشارفت طور المسئولية والأمومة ، وأن هذه المشكلة لا تظهر فى الغالب إلا عند تفرق الأبوين بطلاق ، أو وفاة ، وأنه فى أكثر حالات الفرقة بالطلاق يتزوج الأب من أخرى ، وقد يكون عائلاً ، وإن مات فالمنفق بالضرورة غير الأب ، وفى أكثر الحالات غير الجد ، وفى الغالب أنه ينفق من فاضل كسبه ، فإن معنى ذلك – مع ارتفاع الأسعار وضعف الدخول – إما أن يحرم المحضون من أكثر كفايته وينشأ على الكفاف والشعور بالحرمان ، أو يرهق المنفق من أمره عسرا ، فيكلف ما لا يطيق ، وقد يضطره ضجره إلى الإساءة ، أو التفريط فى الحفظ والرعاية .
وقد يفسر لنا هذا الملحظ ما نراه من كثرة الادعاءات بين الحاضنة والمنفق ، فهى تحتال لإثبات وفرة الدخل ، وهو يحتال للإقلال ، وضر ذلك يعود على المحضون يقينا .
وإزاء ذلك فإن المقترح على المحضون وراعيه ، إما أن يتكفف الناس فيسألهم ، أعطوه أو منعوه ، وقد قيل ( ) بذلك فى حق المسئول العاجز عن الكسب ، ولكنه رد بأنه رأى غريب ، وليس فى الإسلام حالة يجب على الإنسان فيها أن يتكفف الناس ، كيف وقد نفر الإسلام من هذا ، حتى إن الرسول  كره السؤال ولو عن الطريق " ( ).
وإما أن يتولى ملئ – كبنك ناصر الاجتماعى ( )– الإنفاق على أن يرجع بما أنفق على الملتزم بالنفقة .
وهذا إن تيسر مع ذوى المرتبات ، فإنه غير ميسور مع أرباب المهن الحرة ، ومن المتصور أن البنك لن يقوم بذلك إلا فى حدود المبالغ المخصصة ، ومتى استشعر العجز عن استيفاء ما دفع فإنه سيتوقف عن الدفع ، وإذا صدق هذا على البنك – مع ملاءته – فصدقه على الأفراد من باب أولى .
وعلى هذا لا يبقى إلا أن يكون لطالب كفايته حقه فى الخزانة العامة ( ) وتنتقل المسئولية – كما يقول مشايخنا – من الأسرة الصغرى إلى الأسرة الكبرى، وهى المجتمع ممثلاً فى الدولة التى تحميه وتنسق بين قواه ، وتقوم بالقسط فيه ، وتنفذ التكافل الاجتماعى فيه على أكمل الوجوه " ( ) .
وقد أحصى السلف ( ) قصداً أربعة موارد تمول بيت المال ، وتجب فيها الحقوق المختلفة ، ومنها حاجة المحتاجين ، بل قالوا إن الضوائع – الأموال التى لا مالك لها أو وارث – تصرف كلها فى حاجة الفقراء .
ومن المحدثين ( ) من بلغ بالموارد هذه اثنا عشر مورداً ، استقاها من نصوص الشرع ، وتنبيهات السلف ، خاتمها ما أسموه قانون الكفاية المستند إلى قول النبى  " من له كان فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له " قال الراوى : فذكر رسول الله  من أصناف المال ما ذكر ، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا فى فضل " .
ويترجم الإمام ابن حزم هذا المورد فى صورة عملية فيقول " وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان على ذلك ، إن لم تقم الزكوات بهم ، ولا فئ سائر المسلمين بهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذى لابد منه ، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك ، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة " ( ) .
رعاية المحضون كجزء من رعاية الطفولة :
وقد أخذت الدولة على عاتقها حماية الأمومة والطفولة ، وألزمت نفسها بذلك بالنص عليه فى الدستور .
فالمادة العاشرة من الدستور تنص على أن " تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة ، وترعى النشء والشباب ، وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم" وإعمالاً لهذا الإلزام الدستوى روعيت جملة من الحمايات وأوجه الرعاية فى القوانين والقرارات المختلفة ، وأنشئ المجلس القومى للطفولة والأمومة بالقرار الجمهورى رقم 54 لسنة 1988 ، وفى العام 1989 صدر الإعلان الجمهورى بإعلان العشر سنوات ما بين 1989 و 1999 عقد الحماية للطفل المصرى ، وفى 25/3/1996 صدر القانون رقم 12 لسنة 1996 بإصدار قانون الطفل ، ونص فى مادته الأولى على أن " تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة ، وترعى الأطفال ، وتعمل على تهيئة الظروف المناسبة لتنشئتهم التنشئة الصحيحة من كافة النواحى فى إطار من الحرية والكرامة الإنسانية " ونص فى المادة الثالثة على أن " تكون لحماية الطفل ومصالحه الأولوية فى جميع القرارات والإجراءات المتعلقة بالطفولة ، أيا كانت الجهة التى تصدرها أو تباشرها " وفى المادة السابعة على أن : " يتمتع كل طفل بجميع الحقوق الشرعية ، وعلى الأخص حقه فى الحضانة والمأكل والملبس والمسكن ورؤية والديه ، ورعاية أمواله وفقاً للقوانين الخاصة بالأحوال الشخصية " .
وقد كفل القانون المذكور تطعيم الأطفال وتحصينهم من الأمراض المعدية دون مقابل (م 25 ) كما ألزم بالفحص الطبى الدورى ، وأن يكون لكل طفل بطاقة صحية ، ونص على أن يتم الفحص الطبى مرة كل سنة على الأقل خلال مرحلتى التعليم قبل الجامعى ( م 27-29 ) .
وهذا يعنى أن الدولة تتحمل قسطاً لا بأس به من نفقات العلاج ، كما كفل بالمادة (54) التعليم لجميع الأطفال فى مدارس الدولة بالمجان ، وقد لوحظ فى الآونة الأخيرة إعفاء الأيتام غير القادرين من الرسوم المدرسية .
وينظم القانون فى الباب السادس منه رعاية الطفل المعاق وتأهيله ، وتنص المادة 77/2 على أن " تؤدى الدولة خدمات التأهيل والأجهزة التعويضية دون مقابل فى حدود المبالغ المدرجة لهذا الغرض فى الموازنة العامة " ، ونص فى المادة (85) على أن " ينشأ صندوق لرعاية الأطفال المعاقين وتأهيلهم .. وفى المادة 86 نص على أن تعفى من جميع أنواع الضرائب والرسوم الأجهزة التعويضية المساعدة ، ووسائل النقل اللازمة لاستخدام الطفل المعاق وتأهيله ، وعموماً فإن هذا الباب ينص على تقديم خدمات طيبة للمعاق ، وتصب غالباً فى تخفيف أعباء الإعاقة عن الطفل ووليه .
وفى الباب السابع يعنى القانون بثقافة الطفل ، ومستهله " تكفل الدولة إشباع حاجات الطفل الأساسية فى شتى مجالاتها ( م 87 ) ويتم إنشاء مكتبات للطفل فى كل قرية وفى الأحياء ، والأماكن العامة ، كما تنشأ تباعاً نوادى ثقافة للطفل ويلحق بكل منها مكتبة ودار للسينما والمسرح ( م 88 ) وفى هذا قيام بأعباء التثقيف والترفيه .
ولاشك أن كل ذلك عون من المجتمع على الوفاء بحاجات الأطفال ولكن لوحظ أن هذا القانون والقوانين والقرارات التى صدرت فى مجال حماية الأمومة والطفولة لم تقدم العون الواجب فى واحدة من أهم ضرورات التنشئة الصحيحة فى إطار من الحرية ، والكرامة الإنسانية ، ألا وهى ضرورة المسكن، إذ كيف يكون الطفل آمنا اجتماعياً فى مسكن يتنازع حيازته والداه ، وكيف يستشعر الحرية والكرامة ، وهو فى بيت يبغضه أهله ، أو فى محلة غير آمنة ، أو مسكن غير صحى ، أليس ذلك من تمام صحة الطفل ، ووقايته نفسياً وخلقياً؟.
هذا ما أظنه قصوراً فى مشكلة إسكان المحضون ويبرز لنا وجهه فى ضوء المبحث التالى .
المبحث الرابع
إسكان المحضون بين الفقه والقانون
تمهيد
فى استعرضنا لمدلول النفقة رأينا أنها تعنى القيام بحاجة المنفق عليه التى لا غنى له عنها ، وفى بحثنا نفقة الفرع الفقير العاجز عن الكسب وجدنا العلماء يجمعون على أن نفقة الولد على أبيه الموسر بماله أو كسبه لا يشاركه فيها أحد، ولكننا إذ نبحث آراءهم فى إسكان المحضون الذى لا سكنى لحاضنته على أبيه نجدهم يختلفون فى إيجابها على الأب ، حتى ظن بعض الفقه وبعض القضاء المعاصرين " أن مسكن الحضانة ليس من نفقة الصغير وإلا لوجب دائماً" ( ) .
ويبدو أن البعض قد قنع بهذا ومن هنا ووجه المحكم المقرر بالمادة 18 مكرراً ثالثاً من القانون 100 لسنة 1985 بمعارضة شديدة ، كما يبدو أن القانون السودانى رقم 43 لسنة 1991 قد تأثر بذلك فنص على أن إسكان الحاضنة والمحضون يجب فى حال دون حال .
ورغبة فى الوصول إلى ما أراه حقاً أعرض لهذه القضية آخذاً فى الاعتبار كل ما أسلفت من حديث فى النفقة .

المطلب الأول
إسكان المحضون فى الفقه الحنيف
تمهيد
إسكان المحضون هو جوهر مشكلتنا التى نسعى لإيجاد حل عملى لها ، ولا شك أن الحضانة شرعت لمصلحة الصغير ومن فى حكمه للقيام بشئونه التى يعجز عن القيام بها بنفسه ، وفى هذا مراعاة لحاجته ، إلا أن حاجته للسكنى أشد من حاجته إلى الحضانة ، إذ بالسكنى تحفظ نفسه ، وبالحضانة ترعى شئونه ، وحفظ النفس أولى من رعاية الشأن .
وبداهة فإن المحضون لا يسكن وحده ، وإنما يسكن برفقة من لها – أوله – الحق فى الحضانة ، فإن كان للحاضن حق السكنى على الملتزم بالنفقة فلا إشكال – لعدم المطالب – متى كانت النفقة على الحاضنة التى توافر فى حقها سبب النفقة على القريب المحتاج .
وإنما يثور الإشكال متى كان الوفاء بالسكنى بدلاً " أجر سكنى " ، كما يثور وبصورة أشد إذا لم يكن للحاضن على الملتزم سكنى .
ويبدو الجواب سهلاً إذا قلنا إن الحضانة حق للمحضون فقط ، إذ يعتبر إسكان الحاضنة هنا من ضرورات القيام بحق المحضون ورعاية شئونه ، وإيناس وحشته ، كما يستساغ هذا الحل متى كانت النفقة واجبة فى مال المحضون ذاته ، وكانت الحاضنة ممن يلزمه الإنفاق عليها للقرابة والحاجة ، كما يسهل الجواب إذا كان الواجب إسكاناً كيفما اتفق .
ومع تخلف افتراض أن للحاضنة السكنى فى مال المحضون ، وتقرر أن الواجب فى المسكن هو المسكن الشرعى ( ) ، وأن للحاضنة حقاً فى الحضانة كما أن للمحضون حقاً ، وإن كان حقه فيها أظهر وأقوى ، يبدو الجواب بعيد المنال شيئاً ما ، ولننظر فى أقوال الفقهاء .
أولاً : مذهب الحنفية :
جاء فى الدر المختار ( ) " وفى شرح النقاية للباقانى عن البحر المحيط: سئل أبو حفص عمن لها إمساك الولد ، وليس لها مسكن مع الولد ؟
فقال نجم الأئمة : المختار أنه عليه السكنى فى الحضانة ، وكذا إن احتاج الصغير إلى خادم يلزم الأب .
وفى كتب الشافعية : مؤنة الحضانة فى مال المحضون لوله ، وإلا فعلى من تلزمه نفقته ، قال شيخنا: وقواعدنا تقتضيه ، ثم حرر أن الحضانة كالرضاع، والله تعالى أعلم " .
وفى حاشيته على الدر عقد ابن عابدين ( ) للمسألة مطلباً مطولاً فى تحقيق كلام صاحب الدر ذكر فيه :
1- قوله " وقال نجم الأئمة : المختار أن عليه السكنى " فى نفقات البحر عن التفاريق : لا تجب فى الحضانة أجرة المسكن ، وقال آخرون تجب إن كان للصبى مال ، وإلا فعلى من تلزمه نفقته ، وفى النهر ينبغى ترجيح عدم الوجوب، لأن وجوب الأجر لا يستلزم وجوب المسكن بخلاف النفقة .
2- قلت : صاحب النهر ليس من أهل الترجيح فلا يعارض ترجيحه ترجيح نجم الأئمة ، ولا سيما مع ضعف تعليله ، فإن القول بوجوب أجرة المسكن ليس مبنياً على وجوب الأجر على الحضانة ، بل على وجوب نفقة الولد. فقد تكون الحاضنة لا مسكن لها أصلاً بل تسكن عند غيرها ، فكيف يلزمها نفقته، فإن المسكن من النفقة .
3- ونقل الخير الرملى عن المصنف أنه اختلف فى لزومه ، والأظهر اللزوم كما فى بعض المعتبرات ، وهذا يعلم من قولهم إذا احتاج الصغير لخادم يلزم الأب ، فإن احتياجه إلى المسكن مقرر .
4- قلت واعتمده ابن الشحنة مخالفاً لما اختاره ابن وهبان وشيخه الطرطوسى .
5- والحاصل أن الأوجه لزومه لما قلنا ، لكن هذا إنما يظهر لو لم يكن لها مسكن ، أما لو كان لها مسكن يمكنها أن تحضن فيه الولد ويسكن تبعاً لها فلا لعدم احتياجه إليه ، فينبغى أن يكون ذلك توفيقاً بين القولين ، ويشير إليه قول أبى حفص : وليس لها مسكن ، ولايخفى أن هذا هو الأرفق للجانبين فليكن عليه العمل" .
وعلى هذا يكون للحنفية ثلاثة آراء فى المسألة :
أولها : تجب السكنى على من عليه النفقة ، وهو قول جماعة .
الثانى : لا تجب . وتفرد به صاحب النهر .
الثالث : وهو لابن عابدين : تلزم إن لم يكن للحاضنة مسكن ولا تلزم إن كان لها مسكن ، ولأن المحضون يسكن تبعاً لها .
ثانياً : مذهب المالكية :
جاء فى مواهب الجليل ( ) شرح مختصر خليل ما نصه :
( … والسكنى بالاجتهاد ) والمشهور أن على الأب السكنى ، وهو مذهب المدونة ، خلافاً لابن وهب.
وعلى المشهور قال سحنون : تكون السكنى على حسب الاجتهاد ، ونحوه لابن القاسم فى الدمياطية ، وهو قريب مما فى المدونة وقيل إنها على الموسر من الأب والحاضنة .
وقال يحيى بن عمر : على قدر الجماجم .
وروى : لا شئ على المرأة ما كان الأب موسراً .
وحكى ابن بشير قولاً : بأنه لا شئ على الأم من السكنى .
ورأى اللخمى : أن الأب لو كان فى مسكن يملكه أو بكراء ، ولو كان ولده معه لم يزد عليه فى الكراء أن لا شئ عليه ، لأنه فى مندوحه عن دفع الأجرة فى سكناه ، وإن كان يزاد عليه فى الكراء ، أو عليها هى لأجل الولد ، فعليه الأقل مما يزاد أو عليها لأجله ، فإن كان مازيد عليها أقل أخذته ، لأنه القدر الذى أضربها ، وإن كان ما يزاد عليه غرمه لأنه مما لم يكن منه بد لو كان عنده.
وفى الطرر : لا سكنى للرضيع على أبيه فى مدة الرضاع ، وإذا خرج من الرضاعة كان عليه أن يسكنه .
قال الحطاب : ولا أظنهم يختلفون فى الرضيع . ( )
وقد مال بعض الباحثين ( ) فى الفقه المالكى إلى قول سحنون بحسبانه الراجح فى المذهب ، قالوا " كراء المسكن الذى تسكنه الحاضنة مشترك بين الحاضنة ووالد المحضون ، فسكنى الطفل على أبيه ، وعلى الحاضنة ما يخص نفسها بالاجتهاد ، إلا إذا كانت الحاضنة فقيرة لا قدرة لها على إسكان نفسها ، فيجب على الأب إسكانها ، أو دفع أجرة المسكن كاملاً ، لأن الحضانة واجبة عليه ، وهى لا تتم إلا بذلك " وواضح أن الاستثناء مبنى على تلك الآراء التى لا تجعل على الأم شيئاً من السكنى مطلقاً ، أو تعفيها تماماً متى كان الأب موسراً .
وهذا الاختيار يقرب مذهب المالكية من مذهب الحنفية ، لأنه لا يلزم الأب بإسكناهما جميعاً إلا إذا لم تكن للحاضنة قدرة على إسكان نفسها ، فإن كانت لها قدرة فعلى المشهور أن إسكانها لا يلزم الأب ، وإن لزمه إسكان ولده ، وأقرب منه إلى اختيار ابن عابدين : قول الإمام اللخمى( ) ولكن المشهور خلاف ذلك .
ثالثاً : فى المذهب الشافعى :
يطرد فى كلام الشافعية أن " الحضانة من جملة الكفاية " ( ) وأن "السكنى تبع للنفقة " ( ) وأن " أجرة الحاضنة والأعيان اللازمة لها – أى للحضانة – خارجة عنها ، فهى فى مال المحضون إن وجد وإلا فعلى من عليه نفقته ، ولذلك ذكرت عقب النفقات " ( ) .
وعلى ذلك كان قولهم :
يلزم الأصل مؤنة الولد ، بفاضل عن قوته وقوت عياله فى يومه مقدرة بالكفاية ، وفسرها الشيخ عميرة ( ) بقوله " والمراد بها ما يستقل به للتصرف والتردد ، لا الشبع ولا دفع آلآم الجوع ، ودخل فيها القوت والأدم ، وخالف البغوى فى الأدم ، ويجب أيضاً الخادم ونفقته عند الحاجة ، وكذا الأدوية والمسكن والفراش " .
وتلزم الأب – وبعده الجد – النفقة على الولد فى الحضانة لأنها من جملة الكفاية ، قال الماوردى ( ) : فإذا احتاج الولد إلى خدمة فى الحضانة والكفالة ، ومثله من يخدم قام الأب بمؤنته وخدمته ، ولا يلزم الأم مع استحقاقها لحضانته أن تقوم بخدمته ، إذا كان مثلها لا يخدم ، لأن الحضانة هى الحفظ والمراعاة وتدبير الولد ، والنظر فى مصالحه ، وذلك لا يوجب مباشرة الخدمة " .
غير أن النفقة - كما رأينا – تلزم الأم متى عجز الأب والجد عنها ، كما تلزمها متى أعسرا بها ، " وإذا أعسر ببعض نفقة الابن وقدر على بعضها تحمل منها ما قدر عليه ، وكان الباقى على الجد ، فإن لم يكن فعلى الأم " ( ) ولهذا قالوا تجبر الأم على الحضانة إن وجبت عليها ، كأن لم يكن للطفل أب ولا مال له، أجبرت كما قال ابن الرفعة ، لأنها من جملة النفقة ، فهى حينئذ كالأب " ( ) وقياس قول الماوردى أنه إذا كانت الحاضنة زوجة لغير أبى الطفل فليس لها سكنى على الطفل ، ولا على أبيه ، وإن أعسر زوجها بسكناها ما لم تفسخ نكاحه، وإن تأخر الاستحقاق بالإعسار ، لئلا تجمع بين نفقتين بزوجية وبنسب"( ) .
وحاصل ذلك فيما أفهم :
1- أن إسكان المحضون من جملة نفقته ، وهذه تجب أولاً فى مال الطفل – ومن فى حكمه – فإن لم يكن له مال فعلى أبيه ، فإن أعسر بها الأب فعلى الجد، فإن لم يكن جد فعلى الأم ، وإن أعسر ببعضها فعلى الأم الباقى إن لم يكن جد موسراً .
2- أن الحاضنة تستحق أجراً عن الحضانة ذاتها ، ولكن هذا لا ينفى حقها ، وحق المحضون ، فى ملازمته فى سكنه ، وتعتبر نفقة سكناها ضمن نفقة الصغير ، فتجب على الملتزم بها باعتبارها من الأعيان اللازمة للحضانة ، وقياساً على نفقة الخادم بجامع حاجة الصغير فى كل منهما .
3- أن الحاضنة متى كانت زوجة – لغير أبى المحضون – فسكناها على زوجها فلا تجب ضمن نفقة الصغير .
4- حقق بعض الشافعية ( ) أن فى نفقة الأقارب شائبة إمتاع من حيث سقوطها بمضى الزمن ، وشائبة إباحة من حيث عدم تصرفه فيها بغير أكله ، وشائبة تمليك من حيث ملكه لها بالدفع من غير صيغة وعدم استردادها منه لو أيسر .
والأول لا يليق إلا بالمعسر ( ) ، لأنهم قالوا " مع كسوة وسكنى لائقين به"( ) والثالث : لا يليق إلا بالبدل أو الاعتياض عن النفقة ، أما الثانى : فهو الأنسب إلى الأصل فى النفقة عندهم ، وهو التمكين . ( )
رابعاً : مذهب الحنابلة :
وهم كما رأينا أوسع الناس فى إيجاب النفقات ، " والواجب فى نفقة القريب – عندهم – قدر الكفاية من الخبر والأدم والكسوة والمسكن بقدرة العادة لأن الحاجة إنما تندفع بذلك . ( )
وعلى أساس ما تندفع به الحاجة قالوا بلزوم إعفاف من وجبت له النفقة من أب وإن علا ، ومن ابن وإن نزل وغيرهم إن احتاج إلى النكاح قالوا : وتلزمه نفقة من تلزمه مؤنته لأنه لا يتمكن من الإعفاف إلا به . ( )
وقالوا : إن احتاج إلى خادم فعليه إخدامه لأن ذلك من تمام كفايته . ( ) وفى الإنصاف ( ) " قال ابن القيم فى الهدى : هل الحضانة حق للحاضن ، أو حق عليه ؟ فيه قولان فى مذهب الإمامين أحمد ومالك  وينبنى عليهما : هل لمن له الحق فى الحضانة أن يسقطها وينزل عنها ؟ على قولين .
وأنه لا تجب عليه خدمة الولد أيام حضانته إلا بأجرة . إن قلنا الحق له ، وإلا وجبت عليه خدمته مجاناً . وللفقيرة الأجرة على القولين .
فعلى أساس العموم يكون على من تجب عليه النفقة إسكان المحضون والحاضنة جميعاً ، لأنه لا يتمكن من الحضن إلا به .
وعلى تخريج المرداوى لا يلزمه إسكانها إن كانت موسرة على أحد القولين ، فإن كانت فقيرة لزمه قولاً واحداً .
وعلى الأم سكناها والمحضون متى أعسر الأب بنفقة السكنى وكانت موسرة فلزمتها النفقة على ما تقدم .
خامساً :
وعلى مذهب أهل الظاهر فإن " كل من عدا الزوجة لا نفقة لهم ولا كسوة ولا سكنى إلا أن لا يكون لهم من المال أو الصنعة ما يقومون منه على أنفسهم"( )
وظاهر ذلك إيجاب السكنى على الأب – أو من عليه النفقة – إن لم يكن للمحضون ما يقوم منه على نفسه ، وهذا قول ابن حزم لا ريب إن لم يكن للحاضنة مسكن ، لأنه فسر الصلة – كحق للقريب بقوله ( ) " والصلة هى أن لا يدعه يسأل ويتكفف ، أو يموت جوعاً أو برداً ، أو ضياعاً ، أو يضحى الشمس والمطر والريح والبرد ، وهو ذو فضلة من مال هو فى غنى عنها ، وليس فى القطيعة شئ أكثر من أن يدعه كما ذكرنا"
فإن كان لها مسكن فالظاهر من كلامه فى الرضاع أن ليس على الأب إسكناها – والفرض أنها بائن – قال " وأما قولنا : فإن كانت مطلقة ثلاثاً ، أو أتمت عدة الطلاق الرجعى بوضعه ، فليس لها على أبيه إثر طلاقه لها ثلاثاً ، أو آخر ثلاث ، أو إثر تمام عدتها من الطلاق الرجعى إلا أجرة الرضاع فقط " .
وقد ذكر فى الحاضن أن يكون مأموناً فى دينه ودنياه ، وفسر ( ) الحياطة فى الدنيا بأن " يكون أحدهم – أى الأقارب المستوون فى أمانة الدين – أشد رفاهية فى عيشه ، ومطعمه ، وملبسه ، ومرقده وخدمته ، وبره ، وإكرامه ، والاهتبال به ، فهذا فيه إحسان إلى الصغير والصغيرة ، فواجب أن يراعى بعد الدين " وقد قال ( ) " والأم أحق بحضانة الولد .. فإن لم تكن الأم مأمونة فى دينها ودنياها نظر للصغير أو الصغيرة بالأحوط فى دينهما ثم دنياهما ، فحيثما كانت الحياطة لهما فى كلا الوجهين وجبت هنالك عند الأب ، أو الأخ أو الأخت أو العمة ، أو الخالة ، أو العم أو الخال ، وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال ، والدين مغلب على الدنيا ، فإن استووا فى صلاح الحال فالأم ، والجدة ، ثم الأب والجد ، ثم الأخ والأخت ، ثم الأقرب فالأقرب ، والأم الكافرة أحق بالصغيرين مدة الرضاع " .
وظاهر كلامه فى حضانة الفطيم والفطيمة أن نفقة المسكن لا تلزم إلا حيث يكون المأمون فى دينه فقيراً ، فلأولويته يستحق الحضانة ، وبفقره وقيامه( ) بأمر الولد يستحقان الإسكان على من تلزمه النفقة على المحضون " وقد مر بنا أن النفقة تلزم الأم إذا عجز الأب عنها .
سادساً : وفى مذهب الزيدية :
ما يشير إلى أن الإسكان على المنفق حيث لا أولى من الحاضنة ، ولكن إن وجدت أخرى مثلها تربية لا تلزم – بضم أوله وكسر ما قبل آخره – المنفق سكنى فللأب نقله إليها ، إن ظاهر قولهم إن له نقله إلى مثلها تربية بدون ما طلبت .
جاء فى متن الأزهار ( ) " وللأب نقله إلى مثلها – يعنى الأم – تربية بدون ما طلبت ، وإلا فلا … وعلى الحاضنة القيام بما يصلحه لا الأعيان " .
وفسر ابن مفتاح ( ) الأعيان : بالرهن والطيب والطعام والكسوة ، فلا تجب عليها ، وإنما هى على من يلزمه نفقة الطفل .
وقال فى حق النقلة ( ) " يجوز للأب نقل الولد من الأم إلى حاضنة غيرها بشرطين :
1- أن تكون الحاضنة مثل الأم تربية للولد فى توفير ما يحتاج إليه .
2- أن يحصل ذلك له بدون ما طلبت الأم من الأجرة فإن لم يتوافر الشرطان لم يجز ذلك .
وأخيراً مذهب الجعفرية :
وقد حكى الشيخ الذهبى ( ) أن مذهبهم كاختيار ابن عابدين ، قال " إذا كانت أم الطفل هى الحاضنة له ، ولم يكن لها مسكن تمسك فيه الصغير فعلى أبيه سكناهما جميعاً ".
تعقيب
خلاصة ما يستفاد من النظر الفقهى السابق أنه :
أولاً : لا تختلف قول الفقهاء أن المسكن من جنس النفقة ( ) ، إلا أن مناط النفقة هو الحاجة لا يختلف فى ذلك نفقة المحضون عند نفقة غيره من الأقارب المحتاجين العاجزين عن الكسب .
ثانياً : أن النفقة كحق واجب لا تلزم فى مال الغير إلا إذا كان قريباً – على الاختلاف فى الوصف الزائد على القرابة – أو كانت زوجة ، والحاضنة إن كانت بائناً ( ) وانتهت عدتها فلا نفقة لها – بالنظر إلى شخصها – إلا فى مالها ، أو مال أقاربها هى ، ولا نفقة لها على مطلقها إن لم يكن قريباً تلزمه النفقة .
ثالثاً : أن الحضانة – على الراجح فقهاً – ( ) من الحقوق المشتركة ، واشتراك الحاضنة فى هذا الحق ، لا ينفى مسئولية الأب أو الوارث عن النفقة على المحضون ، حيث لا يلزمها إلا القيام بما يصلحه ، أما أجرة الحضانة ، والأعيان اللازمة فخارجة عنها ، فهى فى مال المحضون إن وجد وإلا فعلى من تلزمه نفقته ( ) ولا خلاف فى كل أعيان النفقة من الحاجات الأساسية عدا المسكن .
رابعاً : أنه يبدو من عبارات الفقهاء أنهم مختلفون حول التابع فى السكن هل هو المحضون ، أم أنها الحاضنة ؟ .
فعلى أساس أن المحضون لا يسكن وحده يتبرر القول بأنه تابع وعلى أساس أن الحاضنة تقوم بمصالح المحضون ، وتؤنس وحشته وتدفع عنه ، تكون هى التابع .
وعلى أساس الأول يقوى اعتبار الحاجة فى النظر الفقهى ، فحيث كان لها مسكن لا يلزم المنفق نفقة السكنى لاندفاع حاجة الصغير إليها ( ) ، وحيث لم يكن لها مسكن فباعتبار الأرأف بالمحضون – خصوصاً مع الأم – يترجح القول بأن سكناها والمحضون تجب على المنفق ، من قبيل الحياطة ( ) فى الدنيا ، لأن الأم – الصالحة – أشفق على المحضون ، وأحرص على نفعه ، فيكون توفير المسكن من قبيل دفع حاجة المحضون ، وإسكان الحاضنة – خصوصاً الأم - لطلب الأحظ له فى القيام بشئونه التى يعجز عنها الأب .
وعلى أساس الثانى تكون مؤنة الحضانة – بما فيها السكنى – على المنفق ، لأن الحاضنة محتبسة لمصلحة المحضون ، فتكون نفقتها من جملة كفايته ( ) ، ومثلها فى ذلك مثل الخادم والممرض وكل من يقوم بحوائج الغير الدائمة ، فإنه يقيم حيث يقيم ولا يلزمه من نفقة المسكن شئ .
خامساً : أن المستند الملحوظ للقائلين بأن الأب – أو الوارث – لا يلزمه شئ من سكنى الحاضنة هو قول الله تعالى " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وائتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى " ( ) .
والوجه فيه :
أن الحضانة كالرضاع ( ) ، ولم يلزم الله فيه المولود له بشئ إلا الأجر ، ولا مزيد متى كانت الحاضنة لا سكنى لها ولا نفقة على المولود له ، وإيجاب حق زائد يحتاج إلى دليل .
ويستفاد منه أيضاً :
أن الحاضنة إن طلبت زائداً على الأجر كانت كمن تطلب أجراً فى الرضاع مع وجود متبرعة به ، أو كمن تطلب أكثر من أجر المثل ، وعلى أحوط الآراء ( ) لا يلزم الأب – أو الوارث – الأكثر ، فيسقط حقها للمضارة ، وينتقل الحق إلى من يليها ولا يضار الأب ، لقول الله تعالى " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك " ( ).
والمعنى المرعى فى التفرقة بين من لها مسكن ومن ليس لها هو دفع المضارة عن المنفق ، المنهى عنها بقول الله تعالى " لا تضار والدة بولدها ، ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك " .
والوجه فيه : أن إيجاب السكنى على المنفق مع اندفاع حاجة الصغير إليها فيه إيجاب غرم غير مبرر على الأول ، وفى هذا مضارة .
وهذا المستند أكثر تناسباً مع قول الإمام اللخمى لأنه ينيط النفقة بقدر ما أعفى منه المنفق ، أو زاد من عبء على الحاضنة .
وأخيراً : فإن إيجاب المسكن على الأب – أو الوارث – فى كل حال مستندة – فيما يظهر لى – هو قول النبى  " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف" والحضانة من جملة كفاية الولد فتلزم المنفق بمؤنتها ومنها سكنى الحاضنة والمحضون .
سادساً : يظهر من أقوال الفقهاء أن المعول عليه فى تقدير النفقة هو المحضون نفسه ، وهو المعنى الذى يدل عليه قولهم " بقدر كفايته " و " سكنى تليق بحاله " و " بحسب زمانه ومكانه " فى حدود يسار المنفق وإعساره ، فعلى حسب سعة المنفق وحال المنفق عليه تعتبر الملاءمة ، ولم أقف – فيما طالعت – على تصريح باعتبار حال الحاضنة ، ولكن يتخرج على القاعدة العامة فى المسكن الشرعى أن مصالح الحاضنة ينبغى أن تؤخذ فى الاعتبار ، لأن من شرطه أن يكون مكاناً يستطيع الساكن فيه أن يقوم بمصالحه الدينية والدنيوية ، وأن يحقق له الأمن على مصالحه الضرورية فى نفس ومال ونحو ذلك .
وعلى كل حال فإن الظاهر من أدلة الشرع التوسعة فى السكنى. للنفس وللغير ، قال تعالى " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن " ( ) ومن دعائه  " اللهم اغفر لى ذنبى ووسع لى فى دارى وبارك لى فى رزقى " فسأله أنس  : ما أكثر ما تدعو بهذه الدعوات ؟ فقال : وهل تركن من شئ " ( ) .
وأخيراً فإن القاضى المالقى الشعبى حكى عن ابن أبى زمنين – من متقدمى المالكية – أنه " سئل عن الرجل تبين منه زوجته ، هل له أن يسكن معها؟ .
فقال : إن كان مأموناً فله ذلك ، وإن لم يكن مأموناً فليس له ذلك ، ولا أحب له الخلوة معها فى بيت واحد " ( ).
إسكان المحضون فى فقه المحدثين :
كما ذكرت من قبل فإن المذهب الحنفى قد غلب على العمل فى مصر ولم يزل إلى يومنا الراجح فى المذهب الحنفى هو الحكم الواجب التطبيق عند خلو التقنينات المستمدة من الفقه الإسلامى من نص فى الموضوع .
ولغلبة هذا المذهب فإن أكثر مشايخنا ( ) إذ بحثوا مسألة إسكان المحضون اقتصروا فى الغالب على بيان المرعى فى العمل وهو مذهب الحنفية، بل يبدون ميلا ظاهراً إلى اختيار العلامة ابن عابدين ، إذ يرونه الأقرب إلى مقتضى قول الله تعالى " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " ( ) .
وشذ عند هذه القاعدة – فيما طالعت – المستشار عبد العزيز عامر ( ) ، والعلامة القاضى والمحدث الشيخ أحمد محمد شاكر ( ) ، الذى تحفظ بشدة على اختيار الإمام ابن عابدين ، والنهج القضائى المصرى الذى درج على الأخذ به .
وكان سيادته قد قضى بصفته قاضى محكمة الأزبكية الشرعية برفض دعوى طلب المدعى فيها الحكم على المدعى عليها بإبطال أجرة مسكن وحضانة لولديه وقدرها ستون قرشاً ، المحكوم بها من محكمة الضواحى الشرعية فى 18 فبراير 1940 فى القضية رقم 519 سنة 39/1940 ، لأن المدعى عليها تملك حصة قدرها 4 قراريط من المنزل … وتقيم فيه ، وهو كاف لسكناها وقدم صورة من الحكم إلخ .
وجاء فى حكم الشيخ :
" من حيث إن الفقهاء قد نصوا على أن نفقة الصغير واجبة على أبيه لا يشاركه فيها أحد ، ونصوا على أن النفقة تشمل السكن فى الكلام على نفقة الصغير لأنه جزؤه فكان كنفسه ، وهذا مما لا خلاف بينهم فيه ، إلا أن بعض المتأخرين اشتبه عليه الأمر فظن أن أجرة المسكن داخلة فى أجرة الحضانة ، فصرح بعدم وجوبها … قال ابن عابدين ( ويورد نص كلامه الذى أوردناه فى مستهل المطلب ) .
ثم يقول : ومن حيث إن هذا الاختيار غير صحيح ، لأنه إذا كان صاحب النهر ليس من أهل الترجيح فابن عابدين أبعد من أن يكون منهم وتعليله الصحيح فى أول كلامه ، بأن وجوب أجرة المسكن ليس مبنياً على وجوب الأجر على الحضانة بل على وجوب نفقة الولد ، هو التعليل المطابق لأقوال الفقهاء ، ولقواعد الفقه ، وأما اختياره بعد ذلك أن هذا يظهر لو لم يكن لها مسكن ، فإنه لا دليل عليه ، بل هو اختيار باطل ، لأن جعل مسكن الحضانة المملوك لها مسكناً للولد تبعاً ، فيه تحميلها جزءاً من نفقة الولد الواجبة على أبيه ، وقد نصوا على أنه لا يشاركه فيها أحد .
ومن حيث إن ما اختاره ابن عابدين للتوفيق بين القولين لا وجه له أيضاً، من جهة أن أحد القولين ، وهو عدم وجوب أجرة المسكن ، قول باطل ، مخالف لنصوص الفقهاء وقواعد الفقه ، فلا يعتبر فى موضع الخلاف ، ولا يتحرى الجمع بينه وبين القول الآخر الصحيح ، بل يجب إطراحه والأخذ بالرأى السليم ، وهو أن نفقة الولد بأنواعها من طعام وكسوة ومسكن وخادم تجب على أبيه ، إذا كان الولد فقيراً ، ولا يشارك الأب فيها أحد سواء أكانت الحاضنة أم غيرها .
ومن حيث إن المدعى طلب فى هذه الدعوى إبطال أجرة المسكن لأن المدعى عليها تملك مسكناً ، وقد بيناً أن هذا لا يمنع من وجوب أجرة المسكن على الأب ، وقد وجبت وحكم بها للولد فعلاً .
لذلك : قررنا رفض الدعوى غيابياً.
ثم إن المحكوم ضده طعن فى حكم الشيخ بالاستئناف أمام محكمة مصر الابتدائية الشرعية ، وصدر حكمها فى 21 نوفمبر 1940 فى القضية رقم 4472 سنة 1939 – 1940 بإلغاء حكم الشيخ ، وإعادة القضية إلى المحكمة الجزئية للسير فيها ، وجاء فى أسباب الإلغاء .
1- من حيث إن نفقة الصغير بجميع أنواعها من طعام وكسوة ومسكن وغير ذلك إنما وجبت على أبيه لإحياء نفسه ، فإذا اندفعت حاجته إليها كلها … سقط وجوبها على غيره ، …. فإذا اندفعت حاجته إلى بعض أنواع النفقة سقط عن أبيه هذا البعض الذى انتفت حاجته إليه … .
2- ومن حيث إنه بناء على هذا الأصل فإنه إذا كان الصغير فى يد حاضنته ، وكانت الحاضنة تملك مسكناً تسكنه بالفعل ويسكن الصغير معها فيه تبعاً لها ، دون أن تتكلف له شيئاً زائداً ، فإن أجرة مسكنه تسقط عن أبيه ، لعدم احتياجه إليها ، وبالتالى لا يجوز للحاضنة فى هذه الحالة أن تطالب الأب بأجرة مسكن ، لأنها لا تسكن عند غيرها بل تسكن فى ملكها ، ولم تتكلف للصغير شيئاً لمسكنه حتى يسوغ لها أن تطالب بأجرة .
ولا يقال : إننا إذا منعنا الحاضنة فى هذه الحالة من المطالبة بأجرة مسكن الصغير فقد حملناها جزءاً من نفقته الواجبة على أبيه ، كما ذهب إلى ذلك الحكم المستأنف ، لأننا لم نحملها شيئاً من نفقته ولم نوجب عليها أجر سكنه ، وإنما منعناها من إعنات الأب وإضراره بمطالبته بأجر مسكن للصغير انتفت حاجته إليه ، لوجوده معها فى مسكنها المملوك لها الذى تسكنه على أى حال ، سواء أكان الولد معها أم لا ، ومنعناها كذلك من أن تتخذ وجود الصغير معها وسيلة لاستغلال مال الأب وأكله بالباطل ، وبذلك نكون قد دفعنا الضرر عن الأب دون أن نلحق بالحاضنة ضرراً ، أو نحرمها من حق ، عملاً يقوله تعالى " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " . وهذا ما استظهره ابن عابدين أخذا من نصوص المذهب ، وجرى على ذلك عمل المحاكم . أ. هـ . بنصه .
وقد علق الشيخ على حكم الاستئناف الذى ألغى حكمه ، فقال : أخشى ألا تكون المسألة كما صورها الحكم الاستئنافى ، بل تصويرها الصحيح : أننا أذن لنا فى أن نحكم بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة ( ) فمنعنا أن نخرج عنه أو نحكم بغيره . وقد حاولت فى الحكم السابق لهذا – رقم 16 – أن أتأول المعنى فى الإذن بالاستدانة فى نفقة الأقارب ، وأظهرت أنه صار فى عصرنا هذا إجراء شكلياً ، ليست له قيمة عملية ، ثم ردتنى محكمة الاستئناف إلى طريق النص ، إلى التمسك بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة ، وإن صار فى هذه المسئلة غير مفهوم المعنى . فجئت فى هذا الحكم وتحريت تصحيح نص أخطأ المتأخرون فى فهمه ، فأوهموا أن هناك فرقاً فى شرائط الوجوب ، بين نفقة طعام الصغير وكسوته وما إلى ذلك ، وبين أجرة المسكن لحضانته ، ظناً من بعضهم ، أن أجر المسكن من نوع أجر الحضانة ، لا جزءاً من النفقة . فرد عليه ابن عابدين ظنه ، وبين أن " القول بوجوب أجرة المسكن ليس مبنياً على وجوب الأجر على الحضانة ، بل على وجوب نفقة الولد " ، وصرح بأن صاحب النهر ليس من أهل الترجيح ، وأراد أن يستدل بعلة يرد بها على صاحب النهر ، فأخطأ التعليل ، إذ قال : فقد تكون الحاضنة لا مسكن لها أصلاً ، بل تسكن عند غيرها، فكيف يلزمها أجرة مسكن لتحضن فيه الولد ؟ .
والوجه الصحيح للتعليل ما قال أولاً ، أن أجرة المسكن من النفقة ، كما فى نصوص المتقدمين التى نقلنا ، ولكن ابن عابدين خشى بعد ذلك أن يطرح قولاً قاله صاحب النهر ، بعد أن فنده ، وأثر فى رأيه ما اخترعه هو من التعليل ، بأن الحاضنة قد لا يكون لها مسكن ، فاخترع شيئاً لم يقله أحد قبله ، ولا هو موافق لأحد القوالين ، جمعاً بينهما فيما زعم . فرددت النص إلى أصله الصحيح، لأنا أمرنا أن نحكم بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة .
وابن عابدين لم يكن من أهل الترجيح ، فإن يكن قوله فى شئ – خالف فيه المتقدمين من أهل الترجيح – يسمى نصاً ، ويوصف بأنه " أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة " ففى قضاتنا وعلمائنا من هم أفقه منه وأثقب نظراً ، وإن لم يكونوا أكثر منه – ولا مثله – جمعاً للمسائل والأقوال من الكتب .
ثم نرجع إلى مسئلتنا ، إن كان قول ابن عابدين – الذى استظهر – يعتبر نصاً ، ويعتبر أنه " أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة " فلا كلام لنا إلا أن نأتى هذا وإن كان النص الصحيح هو ما نقلنا ، فلا وجه لتلمس الحكمة والتعليل لقول ابن عابدين ، ولا لوصف مطالبة الحاضنة الأب بأجرة مسكن الصغير بأنها "تتخذ وجوده معها وسيلة لاستغلال مال الأب وأكله بالباطل " فإن من يطلب حقه ويصر على التمسك به لا يسمى عمله استغلالاً ، ولا أكلاً لأموال الناس بالباطل ، مهما يكن من غنى صاحب الحق ، ومن فقر الذى عليه الحق .

المطلب الثانى
إسكان المحضون فى القضاء والقانون
حتى العام 1979 م لم يكن فى القانون المصرى نص تشريعى ينظم إسكان المحضون ، ومن ثم فإنه كان يقضى فيه وفق أرجح الأقوال فى المذهب الحنفى مما يعنى أن القضاء كان أسبق من التشريع فى المعالجة ووضع الحلول.
مسكن الحضانة ونفقة الصغير :
يبدو أن المحاكم لم تستقر فى أول الأمر على أن المسكن من جنس النفقة، فقد جاء فى حكم لمحكمة الإسكندرية الشرعية صادر فى 21/5/1940 فى القضية رقم 354 لسنة 1939 كلى مستأنف " ومن حيث أن المسكن لو كان للصغير لما اختلف فيه الفقهاء ، ولوجب على من تجب عليه النفقة فى جميع الأحوال ، كما تجب عليه نفقته ، غير أنهم جعلوا السكن للكبير والصغير يسكن تبعاً له ، لا استقلالاً ، حتى يجب على أبيه أجرة مسكنه ، وعلى ذلك فمسكن الحضانة ليس من نفقة الصغير ، وإلا لوجب دائماً " ( ).
ولكن هذا التردد سرعان ما انتهى ، واستقر القضاء ( ) على أن أجرة مسكن الحضانة من نفقة الصغير ، وأن هذه الأجرة تجب على من تجب عليه نفقة الصغير ، وحتى فى الحالات التى لم يجب فيها طلب الحاضنة بفرض أجرة مسكن على الولى كانت الأحكام تقرر : أن السكن واجب للحاضنة والمحضون للحاجة ، فإذا اندفعت الحاجة فلا محل للحكم بفرض أجرة مسكن ، وأن من المقرر أن السكن واجب للحاجة ، ويراعى فى تقدير الأجر حالة المدعى عليه ، ودرجة يساره .
شرط إعفاء المنفق من أجرة المسكن :
عبارة ابن عابدين فى رأيه الذى جرى عليه العمل نصها " والحاصل أن الأوجه لزومه لما قلنا ، لكن هذا إنما يظهر لو لم يكن لها مسكن ، أما لو كان لها مسكن يمكنها أن تحضن فيه الولد ويسكن تبعاً لها فلا لعدم احتياجه إليه ، فينبغى أن يكون ذلك توفيقاً بين القولين ، ويشير إليه قول أبى حفص : وليس لها مسكن ، ولا يخفى أن هذا هو الأرفق للجانبين ، فليكن عليه العمل " .
هذا نص كلامه ، وقد اختلفت المحاكم فى تفسير قوله " لها مسكن " وعلى ما حقق المستشار عبد العزيز عامر ( ) فإنها توزعت :
1- فذهب فريق إلى حمل عبارة لها مسكن على المسكن المملوك الذى تقيم فيه بالفعل ، لأن الإعفاء من أجر المسكن أخذ بالأرفق ، فلا يتوسع فيه ، بل يقتصر على موضعه نصاً .
2- وذهب فريق آخر إلى التوسع فى تفسير هذه العبارة ، وبالأحرى التشبث بعبارة " مسكن يمكنها أن تحضن فيه الولد " فحكم بأنه : لا يجب للحاضنة أجر مسكن حضانة الولد ، متى كان لها ما تستطيع أن تسكنه من ملكها ولو لم تسكنه بالفعل … لأنه " لو أبيح للحاضنة المالكة لما يصلح لسكناها بعد نفقتها أن تسكن فى الخارج بأجر ، من غير حاجة لذلك ولا ضرورة فإن كل حاضنة تفضل ذلك وتلجأ إليه نكاية بالأب ، وإضراراً به ، وعنت الأب والإضرار به مدفوع بنص الكتاب " وكما يقول المستشار عبد العزيز عامر فإن أحكاماً كثيرة تقول بهذه التفرقة ( ) .
3- وذهب فريق ثالث إلى تفسير أوسع من السابق فقضى بأن التى لها حق السكنى بسبب من الأسباب الشرعية لا تستحق أجرة مسكن تمسك فيه الصغير ، لعدم احتياجها إليه .
ومع ذلك قضى بأن تبرع والد المدعى عليها – الحاضنة – بمسكن الحضانة لا يصلح موجباً لمنعها من الاستيلاء على أجرة المسكن كاملة ، فإن والدها متبرع لها ، وليس متبرعاً للمحكوم عليه ، وله أن يرجع عن تبرعه هذا متى شاء .
إسكان المحضون فى القرار بقانون 44 لسنة 1979 :
نظم القرار بقانون 44 لسنة 1979 إسكان الولد عموماَ فى المادة 18 مكرراً ثانياً من القانون 25 لسنة 1929 والمضافة بالمادة الأولى من القرار ، حيث نص فى الفقرة الثالثة من المادة المذكورة على أن " يلتزم الأب بنفقة أولاده وتوفير المسكن لهم بقدر يساره ، وبما يكفل للأولاد العيش فى المستوى اللائق بأمثالهم " .
ومع أن القضاء قد استقر على أن المسكن من مشتملات النفقة إلا أن المقنن فيما يبدو أراد أن يحزم الأمر فى هذا الموضوع ، وأن يقطع كل اجتهاد فيه ( ) ، ولعله قصد به ( ) التوطئة للمادة 18 مكرراً ثالثاً التى أدخلت ولأول مرة فى الفكر القانونى فى مصر.
وعلى أساس العموم الوارد فى هذا النص فإن كافة الأولاد المستحقين النفقة على أبيهم لهم الحق فى المسكن اللائق بأمثالهم بقدر يسار الأب سواء أكانوا تابعين له فى السكنى ، أو يسكنون بصحبة الحاضنة ، ففى الحالين يحق لمن الولد فى حجره – إن كان دون الخامسة عشرة من عمره – أن يدعى على الأب الموسر بطلب توفير المسكن اللائق بأمثال الولد ، ولم أقف على حكم إدعاء الولد فى صحبة أبيه وفى مسكنه بطلب توفير المسكن اللائق بأمثاله إن كان الوالد مقتراً على نفسه وولده فى السكنى ، أو أيسر بعد عسر بحيث أصبح يلائمه أن يكون له ولأولاده ، مسكن خيراً مما يقيم فيه .
وأرى أن له سنداً شرعياً فى قول الله تعالى " لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها" ( ) وفى قول النبى  " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبى سفيان الواجب عليه بطلبها ( ).
وعلى أساس هذا النص أصبح للحاضنة التى لا تستحق سكنى على الأب الحق فى أن تطالبه بأجر المسكن ، سواء كان الصغير مقيماً لدى الحاضنة بملكها الخاص ، أو بأجر ، لأن أجر مسكن الصغير على أبيه شرعاً عملاً بعموم الفقرة الثالثة من المادة 18 مكرراً ثانياً " ( ) .
" وعلى أن تعدد المحضونين لا يقتضى تعدد أجر المسكن ، فلا يحكم بأجر مسكن حضانة لكل صغير على حدة ، كما أن بلوغ أحد الصغار أقصى سن الحضانة وخروجه منها لا يقتضى تخفيض المفروض كأجر مسكن.
ويظل استحقاق الصغير لأجر المسكن قائماً طالما بقى الصغير مستحقاً للنفقة على الأب ، فلا يسقط إلا بموت الصغير ، أو سقوط نفقته عليه .
وفى حالة طلب الأم أجر مسكن لها وللصغير تعين الحكم بأجر مسكن واحد طالما أن الصغير فى يدها " ( ) .
وقد عيب ( ) على هذا النص أنه عنى بتنظيم نفقة الأولاد دون غيرهم من الأقارب ، مما يعنى أن أحكامه لا تسرى على غير الأب ، وبالتالى لا يلزم الجد أو الأم مثلاً – فى حال عدم الأب أو اعتباره معدوماً – بتوفير المسكن اللائق بأمثال المنفق عليهم ، وإنما يلزم فقط بما يدفع الحاجة الضروية ، لا ليعيش عيشة واسعة رغيدة " ( ).
كما عيب ( ) عليه أنه عنى بنفقة الأب الموسر ، أما الأب المعسر فقد بقى الحكم فيه على ما هو عليه وفق الراجح من المذهب الحنفى .
الالتزام العينى بإسكان المحضون بالقرار بقانون 44 لسنة 1979 :
فى ضوء النصوص الشرعية والاجتهادات الفقهية لم يتعين طريق للوفاء بنفقة الأقارب " لأن الشرع ورد بالإنفاق مطلقاً من غير تقييد ولا تقدير ، فوجب أن يرد إلى العرف كما فى القبض والإحراز … ولأن هذا ليس بمعاوضة حقيقة، فإن الشارع لم يعتبر الواجب بأكثر من الكفاية ، فبأى شئ حصلت الكفاية كان ذلك هو الواجب " ( ) .
وبناء على ذلك فإنه فى خصوص نفقة الأقارب من الفروع وغيرهم يجوز الوفاء بالنفقة تمكينا أو تمليكاً على حسب ما يبين من ظروف الدعوى ، وهذا قياس قول جمهور الفقهاء أن النفقة مقدرة بحسب الحالة من المنفق والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على جرى الحاجة على مجرى العادة ( ) ، لاسيما وأن الله حد النفقة بالمعروف ، والمعروف لا حد له ، وإنما يرد إلى ما يدفع الحاجة فى العادة .
فقياس هذا القول أن يترك أمر الأداء إلى الاجتهاد ، ولا يقيد بطريقة بعينها ، فإن ظهر أن تمليك البدل كاف فى دفع حاجة السكنى فلا حاجة إلى التمكين ، وإن بدا أنه لا يدفع الحاجة صير إلى التمكين . ( )
وقد غلب فى العمل إيجاب المسكن بدلاً ، فاطرد القضاء على فرض أجر سكنى للمحضونين والحاضنة ما لم تكن الحاضنة تملك مسكناً تقيم فيه ، ولكن بصدور القرار بقانون 44 لسنة 1979 خص المحضون مع أمه المطلقة باستحقاق النفقة عيناً ، ونص على ذلك فى المادة الرابعة من هذا القرار بقانون ، ونصها :
" للمطلقة الحاضنة بعد طلاقها الاستقلال مع صغيرها بمسكن الزوجية المؤجر ، ما لم يهيى المطلق مسكناً أخر مناسباً ، فإذا انتهت الحضانة أو تزوجت المطلقة فللمطلق أن يستقل دون مطلقته بذات المسكن إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به قانوناً " (فقرة أولى ) .
وقد انتقد هذا النص فى حينه بدعوى أن النص الفقهى الذى استند إليه صريح فى الكلام عن الحاضنة التى ليس لها مسكن فعلى الأب سكناها هى والمحضون " بينما ورد النص خالياً من هذا القيد الهام ، بيد أن اعتباره يعفى المطلق من الخروج من مسكنه المؤجر الذى قد لا يكون فى استطاعته أن يحصل غيره ". ( )
وعلى الرغم من الضجة التى أثيرت حول هذه المادة إلا أن المحاكم لم تجد بداً من تطبيقها ، بل رأت محكمة النقض المصرية ( ) – بالنظر إلى متغياها رعاية جانب الصغار حماية للأسرة – أنها متعلقة بالنظام ، فينطبق حكمها على الوقائع التى ابتدأت قبل صدور القرار بقانون 44 لسنة 1979 وذلك بأثر فورى.
وعلى أساسه قضت محكمة الإسكندرية الابتدائية ( ) بأن "حق المطلقة الحاضنة فى الإقامة والاستقلال بمسكن الزوجية – طوال فترة الحضانة – أصبح يستند إلى نص تشريعى خاص قضى على كل اجتهاد فقهى ، أو افتراض قانونى حسب المسألة فى القانون الوضعى ، ولا يحد من إعمال هذا الحكم سوى أن يهيئ لها المطلق مسكناً آخر مناسباً ".
وقد انتهى الأمر بالقرار بقانون بالحكم بعدم دستوريته لعيب شكلى كما بينت فى المبحث الأول ، وما يهمنى التنبيه عليه هنا أن التزام المطلق الذى يحد من استقلال الحاضنة والصغير بمسكن الزوجية المؤجر يتمحور حول تهيئة مسكن آخر مناسباً ، وقد فسرت المناسبة هنا ( ) بالنظر إلى المحضون وحده ، لأن إسكان الحاضنة إنما هو لتمام نفقته ودفع حاجته ، وحاجته تندفع بما يلائم حاله ، وإن لم يكن مناسباً لها .
إسكان المحضون فى القانون 100 لسنة 1985 .
صدر القانون 100 لسنة 1985 فى أعقاب الحكم بعدم دستورية القرار بقانون 44 لسنة 1979 ، وقد ظهر من العجلة فى مناقشته وإصداره وتاريخ العمل به ومن مواده أنه استهدف بعث هذا القرار بقانون .
1- نفقة الأولاد فى القانون 100 لسنة 1985 .
أضاف المقنن إلى المادة 18 مكرراً ثانياً فقرة رابعة نصها :
" وتستحق نفقة الأولاد على أبيهم من تاريخ امتناعه عن الإنفاق عليهم " وهذا رأى المالكية ( ) وبعض متأخرى الحنفية ( ) وهو قول الشافعية بشرط العجز عن القاضى ( ) ، وفى الكشاف " قال فى المحرر : وأما نفقة أقاربه فلا تلزمه لما مضى ، وإن فرضت ، إلا أن يستدين عليه بإذن الحاكم ، لكن لو غاب زوج فاستدانت لها ولأولادها الصغار رجعت بما استدانته " ( ) وقد استحسنه الإمام الشوكانى ( ) وعاب على الإمام ابن القيم الدفاع عن خلافه .
كما أن من أساتذتنا ( ) من يحسن اختيار المقنن ويراه إغلاقاً لمجال اختلاف القضاة فى تواريخ الاستحقاق .
وفيما خلا هذه الفقرة فالمادة بتمامها كما وردت بالقرار بقانون 44/1979، وقد قلت إن الفقرة الثالثة منها توجب على الأب الإنفاق على أولاده وتوفير المسكن الملائم لأمثالهم ، وعليه لا يكون المقنن قد أهمل صغار غير المطلقة ( ) ، وإن خص أولاد المطلقة بالحكم الآتى :
إغداق القانون 100 على صغار المطلقة وحاضنتهم .
لم يبق المقنن على المادة الرابعة التى أضيفت بالقرار بقانون 44/1979 على ما كانت عليه ، بل أدخل عليها تعديلات جوهرية وإضافات قصد بها على ما جاء فى محاورات السيد رئيس المجلس والنواب وضع قيود واقعية على الطلاق ، ومن ثم صدر النص مشبعاً بهذا الغرض ، بعيداً عن مراعاة الاعتبارات والروابط الأسرية ،ويبدو أن العجلة أنست المقنن أن يعيد النظر فى المذكرة الإيضاحية للمادة الرابعة ليصيغها بما يناسب الإضافات والتعديلات الجديدة .
وعلى كل حال فإن المادة 18 مكرراً ثالثاً صدرت بالنص الآتى :
" على الزوج المطلق أن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم المسكن المستقل المناسب ، فإذا لم يفعل خلال مدة العدة استمروا فى شغل مسكن الحضانة المؤجر دون المطلق مدة الحضانة .
وإذا كان مسكن الزوجية غير مؤجر كان من حق الزوج المطلق أن يستقل به إذا هيأ لهم المسكن المستقل المناسب بعد انقضاء مدة العدة.
ويخير القاضى الحاضنة بين الاستقلال بمسكن الزوجية وبين أن يقدر لها أجر مسكن مناسب للمحضونين ولها .
فإذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به قانوناً " (فقرات 1-4 ) .
وواضح فى النص أنه يغدق على الحاضنة وصغار المطلقة على حساب الأب ، وما قد يكون له من أولاد من أخرى فى سن الحضانة .
ولإعناته بالمطلق ، وقيامه على تحكمات لا أساس لها من الشرع أو المنطق السوى ، ولتجاهله التام للروابط الأسرية التى ينبغى أن ترعى عورض هذا النص معارضة شديدة ( ) حتى إننا لا نجد من رجال الشرع والقانون من دافع عنه إلا الذين شاركوا فى وضعه ، حتى انتهى به الحال إلى الحكم بعدم دستوريته .
لا نظير للمادة 18 مكرراً ثالثاً فى تقنينات الدول العربية الأخرى .
وقبل أن أعرض لمضمون حكم الدستورية العليا أبادر بالقول أن هذا النص ، ونص المادة الرابعة من القرار بقانون 44 لسنة 1979 لا نظير لهما فى كافة القوانين العربية الأخرى ، حتى مشروع القانون العربى الموحد لم ينص على شئ من هذا ، وغاية ما نصت عليه المادة 164 منه أن :
" الحاضنة ولو سكنت فى ملكها تستحق على من تجب عليه نفقة المحضون أجرة سكناه معها بنسبة ما يخصه من هذه السكنى ، على أن لا تتجاوز ربع مجموع أجرة المسكن اللازم لهما .
أما القانون السودانى – الذى يضم 410 مادة – ويعد من أحدث التقنينات العربية فى بابه فقد اقتصر على تقرير الراجح فى المذهب الحنفى ، حيث نص فى مادته 126 على أنه " لا تستحق الحاضن أجرة مسكن ، إذ كانت تملك مسكناً تقيم فيه بالفعل ، أو كانت متزوجة والصغير معها " وكما هو واضح فإن غاية حرصه أن حصر حالتين فقط يعفى فيهما المنفق من غرم أجرة مسكن ، وهو التفسير الضيق لبعض المحاكم الشرعية فى مصر .
مضمون حكم الدستورية العليا فى المادة 18 مكرراً ثالثاً .
لم تمض خمسة أشهر كاملة على العمل بالقانون 100 لسنة 1985 حتى طعن على المادة 18 مكرراً ثالثاً بعدم الدستورية بالقضية رقم 5 لسنة 8 قضائية دستورية ، ومبنى الطعن على :
1- أن المدعى ينعى على المادة 18 مكرراً ثالثاً مخالفتها للمادتين 2 ، 34 من الدستور ، تأسيساً على أن الإسلام – وفقاً لنص المادة الثانية من الدستور – هو دين الدولة ، وأن الشريعة الإسلامية فى مبادئها هى المصدر الرئيسى للتشريع ، وأن الطلاق وهو مقرر للزوج بنص شرعى لا يجوز تقييده بما يمس أصل الحق فيه .
2- أن النص المطعون فيه صاغ القواعد التى قررها ممالأة منه لفئة لا تعنيها إلا مصالحها الضيقة ، التى لا يحميها الشرع ، محملاً من يباشرون ذلك الحق – وبقصد تقييده بأعباء مالية ونفسية تدفعهم إلى العدول عنه ولو قام موجبه، حال أن الطلاق أمر عارض على الحياة الزوجية ، ولا يلجأ إليه إلا إذا صار استمرارها والتوفيق بين الزوجين – رأبا لصدعها – مستحيلاً أو متعذراً ، بما مؤداه أن النص المطعون فيه لا يبلور إلا تياراً دخيلاً يتوخى هدم الحقوق لا إعمالها ، توهماً لخصومة بين طرفين ، وإهداراً لقوامه الرجل على المرأة ، وإنفاذاً لمساواة مغلوطة بينهما ، وانحيازاً لقيم مستوردة بتغليبها على حقائق الدين، وتهويناً لاستقرار الأسر داخل مجتمعها بقصد إضعافها ، وتعقيداً لأزمة طاحنة فى الإسكان بدلاً من الحد منها تخفيفاً لوطأتها .
3- ليس إلزام المطلق بأن يوفر لصغاره من مطلقته سكناً مناسباً إلا تكليفاً بمستحيل فى ظل أزمة الإسكان هذه.
4- إن حمل المطلق على التخلى عن مسكن الزوجية بعد أن أعده مستنفدا كل ما أدخره ناهيك عن الديون التى لا يزال يرزخ تحتها يعنى أن يصبح هائماً شريداً .
5- أن النص المطعون فيه قد استعاض عن تملك النفقة بالتمكين منها ، مخالفاً بذلك ما كان عليه العمل من قبل ، متجاهلاً حدة أزمة الإسكان ، وهو ما قام الدليل عليه من قصره مجال تطبيق الأحكام التى أقرها ، على حل رابطة الزوجية بالطلاق دون غيره من فرق النكاح ، فكان عقاباً باهظاً واقعاً على المطلق ، محملاً إياه بأعباء ينوء بها ، متمخضاً إضراراً منهيا عنه شرعاً ، لقول الله تعالى " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ".
6- أن النص قد أخل بحرمة الملكية ، ذلك أن صغار المطلق يستقلون من دون أبيهم بسكناه ولو كانت عيناً يملكها ليحرم من الانتفاع بها ، وإلى أن يوفر لصغاره وحاضنتهم مسكناً بديلاً عنها ، فى الآجال التى ضربها المشرع .
وقد نظرت المحكمة الطعن وقضت بالآتى :
عدم دستورية المادة 18 مكرراً ثالثاً وذلك فيما نصت عليه وتضمنته من:
أولاً : إلزامها المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره من مطلقته وحاضنتهم ولو كان لهم مال حاضر يكفى لسكناهم ، أو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه مؤجراً كان أو غير مؤجر .
ثانياً : تقييدها حق المطلق – إذا كان مسكن الزوجية مؤجراً – بأن يكون إعداده مسكناً مناسباً لصغاره من مطلقته وحاضنتهم واقعاً خلال فترة زمنية لا يتعداها ، نهايتها عدة مطلقته .
رفض النعى على الفقرة الثالثة :
أما النعى على الفقرة الثالثة من المادة المذكورة بمخالفتها المادة 34 من الدستور فقد ردته المحكمة استناداً إلى الوظيفة الاجتماعية للملكية التى تسوغ تحميلها بالقيود ، والمصالح الأجدر بالحماية والأولى بالرعاية وفقاً لأحكام الدستور ، وبما يحقق خير الفرد والجماعة ، ولا تعارض الشريعة الإسلامية فى مبادئها الكلية ما تقدم ، ومسئولية ولى الأمر – فيها – أن يعمل على دفع الضرر قدر الإمكان .
وعلى ضوء الموازنة التى أجراها المشرع بين مصلحة المطلق فى أن يظل مقيماً بهذا المسكن من دون صغاره ، ومصلحتهم فى البقاء فيه من دونه ، مرجحاً فى نطاق سلطته التقديرية فى مجال تنظيم الحقوق ثانيتهما باعتبار أن تفويتها يلحق بصغاره مضاراً لا حد لها ، ولأن الأضرار حين تتزاحم فإن اختيار أهونها دفعاً لأعظمها خطراً وأفدحها أثراً يكون لازماً ، وواقعاً فى نطاق الوظيفة الاجتماعية للملكية التى يحدد ولى الأمر إطارها وتوجهاتها .
وحيث إن إعمال الفقرة الثالثة من النص المطعون فيه – محددا إطاره على ضوء قضاء المحكمة الدستورية العليا – يفترض أن المطلق قد تراخى عن أن يعد مسكناً مناسباً لصغاره من مطلقته رغم قيام الدليل على أنهم لا يملكون مالاً حاضراً يدبرون منه سكناهم ، وليس لحاضنتهم مسكن تقيم فيه ويأويهم تبعاً لها ، فإن اختصاصهم – من دون أبيهم – بمسكن الزوجية يكون لازماً .
وخلصت المحكمة إلى أن تخيير الحاضنة فى الاستقلال بمسكن الزوجية أو أجر مسكن مناسب للمحضونين ولها ، لا يكون مناقضاً أحكام الدستور ، ومن بينها المادة الثانية ، باعتباره مقرراً لمصلحة لها اعتبارها ، وإهمالها يلحق الضرر بالحاضنة وبمحضونيها .
رد النعى على عينية النفقة :
كما ردت المحكمة النعى على عينية النفقة بأن النفقة بمختلف صورها، وفى مجمل أحكامها – وفيما خلا مبادئها الكلية – لا ينتظمها نص قطعى يكون فاصلاً فى مسائلها ، ومن ثم فقد اختلف العلماء فى عديد من مواضعها ، ومن ذلك الحق فى اقتضاء النفقة تمكيناً .
وأن جرى القضاء فى ظل العمل بأحكام لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها ( م 5 ، 6 ومذكرتهما الإيضاحية ) على تقدير النفقة بمبلغ نقدى يشمل عناصرها جميعاً بما فيها السكنى ، إلا أن من المقرر فى قضاء المحكمة الدستورية العليا أن أية قاعدة قانونية ، ولو كان العمل قد استقر عليها أمداً ، لا تحمل فى ذاتها ما يعصمها من العدول عنها وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكماً شرعياً فى وروده ودلالته ، وتكون فى مضمونها أرفق بالعباد ، وأحفل بشئونهم ، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التى تشرع الأحكام لتحقيقها وبما يلائمها ، ذلك وحده طريق الحق والعدل ، وهو خير من فساد عريض .
وأن الأصل فى النفقة أن تكون عيناً ( ) فلا يصار حق الصغار بشأنها إلى ما يقابلها نقداً، باعتباره عوضها أو بدلها ، إلا إذا كان استيفاء أصلها متعذراً( ) ، وليس معروفاً أن يكون إنفاق الوالد على صغاره تمليكاً معلوم القدر والصفة ، بل يتعين أن يكون تمكيناً يعينهم على أمر حوائجهم ليوفيها دون زيادة أو نقصان .
وهذا الأصل قائم على الأخص فى مجال العلائق الزوجية ، وهو مقرر كذلك فى الزكاة ، وقد أحال الله تعالى المؤمنين فى كفاراتهم إلى عاداتهم .
متى كان ذلك ، وكان الحق هو الحسن شرعاً ، والباطل هو القبيح شرعاً فإن تقرير حق الصغار فى نفقتهم من خلال إبدال مبلغها بعينيتها لا يكون التواء عن الشرع ، ولا ضلالاً يقابل الحق ويضاده ( ) .
وإذا لم يعد للنفوس ، من ذاتها ، زاجر يردعها عن إنكار حق الصغار فى نفقاتهم أو المطل فى آدائها – فيما إذا كان قدرها مبلغاً محدداً من النقود – مما قد يحمل حاضنتهم على التردد بهم على ذويها يقبلونهم على مضض أو يصدونهم، يضيقون بهم ذرعاً أو يعرضون عنهم ، بما يهدد حياتهم وعقولهم وأعراضهم ، فقد بات حقاً وواجباً أن يتدخل المشرع لردما قدره ظلماً بيناً ، وأن يعيد تنظيم الحقوق بين أطرافها ، مبيناً اقتضائها مستلهما أن الأصل فى الضرر أن يزال فلا يتفاقم ، وأن الضرر لا يكون قديماً فلا يتقادم ، وأن القرابة القريبة ينبغى وصلها ، والقبول بأهون الشرين فى مجالها توقياً لأعمهما .
ومن ثم قدر المشرع بالنص المطعون فيه أن ينتقل حق هؤلاء الصغار من نفقة يفرضها القاضى مبلغاً من النقود إلى عين محقق وجودها ، هى تلك التى كانوا يشغلونها مع أبويهم قبل طلاق أمهم ، ليظل حقهم متصلاً بها لا يفارقونها ، إلا إذا بوأهم أبوهم مسكناً بديلاً عنها.
رد دعوى أزمة الإسكان وتعذر توفير مسكن للصغار وحاضنتهم .
وقد رفضت المحكمة النعى على النص بأن فيه تكليفاً بمستحيل ، بل اتخذت من هذا النعى سنداً لتعضيد ميلها إلى اختيار المقنن تمكين الحاضنة وصغارها من مسكن الزوجية ، لأن تعذر توفير مسكن لهم يعنى أن تقدير نفقتهم مبلغاً من النقود مشتملاً على سكناهم لن يكون كافياً لتهيئتها ، إذ لو كان بوسعهم استيفاء حقهم من السكنى من خلال أجر مسكن يحصلون عليه من أبيهم لكان الاعتراض على عينية نفقتهم لغوا ( ) .
أسس الحكم بعدم دستورية تهيئة المسكن فى مدة العدة :
أسست المحكمة قضاءها بعدم دستورية تقييد حق المطلق إذا كان مسكن الزوجية مؤجراً بأن يكون إعداده مسكناً مناسباً لصغاره من مطلقته وحاضنتهم واقعاً فى خلال فترة زمنية لا يتعداها نهايتها مدة العدة على التمييز التحكمى بين فئة المطلقين المستأجرين ، والتزامهم كما رأينا ، وفئة المطلقين الآخرين ، وقد منحهم المشرع الفرصة فى إعداد المسكن المناسب دون تحديد زمن ، بيد أن الموضوع واحد ، ولأن المشرع لا ينظم موضوعاً معيناً تنظيماً مجرداً أو نظرياً، بل يتغيا بلوغ أغراض بعينها ، تعكس مشروعيتها إطارا لمصلحة عامة لها اعتبارها ، يقوم عليها هذا التنظيم ، متخذا من القواعد القانونية التى أقرها مدخلاً لها ، فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها كان التمييز بين المواطنين فى مجال تطبيقها تحكيماً ، ومنهيا عنه بنص المادة 40 من الدستور .
وفى استعراضها لمظهر التمييز بين الآباء المطلقين فى علاقاتهم بأبنائهم تلمح المحكمة إلى أن الغرض الذى تغياه المقنن بالنص من وضع قيود واقعية على الطلاق كى لا يكون إسرافاً ينفى كل علاقة مفهومة بين طبيعة الرابطة القانونية التى ارتبط بها المطلق فى شأن مسكن الزوجية ، وبين التزام هذا المطلق بأن يوفر لصغاره وحاضنتهم مسكناً مناسباً يأويهم كبديل عن مسكن الزوجية .
أساس عدم دستورية الإطلاق فى إلزام المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره وحاضنتهم .
أما أساس عدم دستورية البند أولاً من قضاء المحكمة فنصه كما جاء فى الحكم :
وحيث إن النص المطعون فيه – فوق هذا يتمخض إعناتاً بالمطلق ، وتكليفاً بما لا يطاق من جهتين .
أولاهما : أن عموم عبارته وإطلاقها من كل قيد ، وكذلك الأعمال التحضيرية التى تكشف عنها مضبطة الجلسة الثامنة والتسعين لمجلس الشعب – المعقودة فى أول يوليو 1985 – تدل جميعها على أن ما توخاه المشرع بالنص المطعون فيه ، هو أن يوفر الأب لصغاره من مطلقته ، ولحاضنتهم ، مسكناً ملائماً ، وإلا استمروا من دونه شاغلين مسكن الزوجية ، ولو كان لهؤلاء الصغار مال يكفيهم للإنفاق عليهم .
فقد رفض مجلس الشعب اقتراحاً مقدماً من أحد أعضائه مؤداه أن تهيئة مسكن للصغار من أبيهم بعد طلاق أمهم ، ينبغى أن يكون مقيداً بألا يكون لحاضنتهم مسكن يخصها ، ولا لصغاره مال ينفقون منه على سكناهم .
وقيل تبريراً لهذا الرفض ، أن أباهم يقوم الآن بالإنفاق عليهم ، ولو ورثوا عن بعض أقاربهم ، أو تلقوا عن أمهم مالاً .
وإذا كان الأصل المقرر شرعاً أن مؤنة الحضانة تكون فى مال المحضون فإن لم يكن للمحضون مال ، فعلى من تلزمه نفقته ، وكان الأصل مردداً بنص الفقرة الأولى من المادة 18 مكرراً ثانياً من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 – المشار إليه – التى تقضى بأنه إذا لم يكن للصغير مال فنفقته ، على أبيه ، وكان حق الصغار فى الإنفاق عليهم ، يتوخى إحياءهم ، وليس حقاً لحاضنتهم عوضاً عن احتباسها لشئونهم ، وكان الأصل فى نفقتهم أنهم عاجزون بدونها عن تحصيل حوائجهم ، وأن استيفاءهم لها بقدر كفايتهم يعد معروفاً ، وأن تأسيسها على حاجتهم ، يثبتها على أبيهم ، حتى مع اختلافهم دينا ، وكان استواء آبار الصغار مع أمهاتهم فى الولادة لا يسقط نفقتهم عن آبائهم ، بل ينفردون بها ، إلا أن الحق فى طلبها مقيد دوماً بأن بكون تحصيلها حائلاً دون هلاكهم ، أو ضياعهم . ولا كذلك أن يكون للصغير فضل من مال ، ذلك أن الإنفاق عليه من غيره لا يكون إلا تفضلاً ، فلا تكون واجباً على أحد ، ولا يجوز طلبها بالتالى شرعاً من أبيه طلباً لازماً يحتم أداءها ، فقد انتفى موجبها ، ولم يعد اقتضاؤها ضرورة يختل بفواتها نظام الحياة .
ولئن جاز القول بأن الابوين قد يفيضان بأموالهما على أبنائهما ، صوناً لأموالهم التى بين أيديهم مما قد يبددها أو ينتقص منها ، إلا أن حد بهما على أبنائهم بما فطرا عليه ،لا ينقض قاعدة شرعية أو ينحيها ويبدلها بغيرها ، بل تظل نفقتهم فى أموالهم بقدر كفايتهم .
ثانيهما : أنه وإن كان الأصل أن سكنى الصغار – عيناً – حق ، وأنها جزء من نفقتهم بمدلولها لغة وعرفاً ، وكان النص المطعون فيه يكفلها للصغار من مال أبيهم ، ولو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه – وينقلون إليه تبعاً لها – فإنه يكون بذلك مرهقاً – ودون مقتض – من يطلقون زوجاتهم – ولو كان الطلاق لضرورة لها موردها شرعاً - ، مفضياً إلى وقوعهم كارهين فى الحرج ، ليكون إعناتهم منافياً للحق والعدل ، ومشقتهم بديلاً عن التيسير عليهم ، ليقترن الطلاق بالبأساء والضراء التى لا مخرج منها .
وما لذلك تشرع الأحكام العملية التى ينبغى أن تستقيم بها شئون العباد ومصالحهم ، إذ لا يجوز أن يكون عبؤها فادحاً من خلال تكليفاتها ، ولا مضمونها عتوا مجافياً لرحمة فتح الله تعالى أبوابها للمؤمنين ، بل هوناً وقواماً ، وهو ما عبر عنه ابن عابدين فى حاشيته ( رد المحتار على الدر المختار ) التى أورد فيها أن أبا حفص حين سئل عمن لها إمساك الولد وليس لها مسكن ، أفاد بأن على أبيهم سكناهما جميعاً ، وهو ما يعنى عند ابن عابدين – أن الصغار لا يحتاجون إلى مسكن من أبيهم ، إذا كان ما يعنى عند ابن عابدين – أن الصغار لا يحتاجون إلى مسكن من أبيهم ، إذا كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه يأويها مع المحضونين ، ليكون انتقالهم معها أرفق بالجانبين ، وأوفق لمصالحهم ، ومن ثم ينبغى أن يكون عليه العمل .
وحيث إنه متى كان ما تقدم ، وكان ما قرره أبو حفص مما تقدم – وكذلك من خرج عليه – لا يعدو أن يكون اجتهاداً وكان الاجتهاد فى المسائل الخلافية ممكناً عقلاً ، ولازماً ديانة ، ومفتوحاً بالتالى ، فلا يصد اجتهاد اجتهاداً ، ولا يقابل اجتهاد على صعيد المسائل التى تنظم الأسرة بغيره ، إلا على ضوء أوضاعها وأعرافها ، وبما لا يناقض كمال الشريعة ، أو يخل بروح منهاجها ، وكان ما ذهب إليه البعض من أنه إذا اختار ولى الأمر رأياً فى المسائل الخلافية ، فإنه يترجح ، مردود بأن الترجيح عند الخيار بين أمرين ، لا يكون إلا باتباع أيسرهما ما لم يكن إثماً ، فلا يشرع ولى الأمر حكماً يضيق على الناس ، أو يرهقهم من أمرهم عسراً ، لتكون معيشتهم ضنكاً وعوجا ، بل يتعين أن يكون بصيراً بشئونهم بما يصلحها ، فلا يظلمون شيئا ، وكان من المقرر أن سكنى صغار المطلق ضرورة ينبغى أن تقدر بقدرها ، وكان ثابتاً كذلك أن من مقاصد الخلق جلب منافعهم ودفع المضار عنهم ، وأن صلاحهم فى تحصيل مقاصدهم ، فلا يكون بعضهم على بعض عتيا ، ولا تكون أفعالهم ضراوة فيما بينهم ، وكان حقاً قوله عليه السلام ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فآتوا منه ما استطعتم) وكانت الحنفية السمحة هى مدار الدعوة التى قام بتبليغها إلى الناس جميعهم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ، وكان اقتضاء الصغار مسكناً من أبيهم – مع إمكان إيوائهم فى مسكن لحاضنتهم تسكنه فعلاً – مؤجراً كان أم غير مؤجر – ليكون لهم مهاداً ، ليس تعلقاً بما يكون واجباً على أبيهم ، ولا اجتناباً من جهتهم لشر يتناهون عنه ، بل إعراضاً عما ينبغى أن يكون عليه المؤمنون من المسامحة واللين ، فقد تعين ألا يكون دينهم إرهاقاً لعلاقاتهم ببعض ، ولا مقيماً عوائق تتعقد دروبها وتنغلق مسالكهم إليها ، ليكون لهم مخرجاً من حرجهم ، فلا يقترن – ظلماً أو هضماً – بما يأتون أو يدعون مصداقاً لقوله تعالى ( ما يريد الله ليجعل عليكم فى الدين من حرج ) ( وما جعل الله عليكم فى الدين من حرج ) (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) .
متى كان ذلك وكان القرآن فصلاً لا هزلاً ، وكان اختصاص صغار المطلق من مطلقته – مع حاضنتهم – بمسكن الزوجية مع وجود مسكن لها تقيم فيه ، وهو ما يقع بوجه خاص إذا لم تكن حاضنتهم هى المطلقة نفسها ، بل أمها أو أختها أو خالتها – يعنى أن حاضنتهم هذه – وقد تهيأ مسكن لها مع زوجها وأولادها – إما أن تنقل هؤلاء معها إلى مسكن المحضونين نابذة مسكنها لأمر انعقد عليه عزمها ، وإما أن تتردد بين مسكنها ومسكنهم ، فلا تمنحهم كل اهتمامها ، ولا توفر لحضانتهم متطلباتها من التعهد والصون والتقويم ، وإما أن تقيم مع محضونيها – من دون أسرتها – ليتصدع بنيانها ، ولا يعدو ذلك كله أن يكون عبثاً توخى – دون مقتضى – وعلى ما جاء بمضبطة مجلس الشعب – فرض قيود واقعية على الطلاق لا يجوز شرعاً .
وحيث إنه متى كان ما تقدم ، فقد تعين أن يكون النص المطعون فيه مقيداً ، فلا يكون مسكن الزوجية مقراً للمحضونين ، إذا كان لحاضنتم مسكن يأويهم ، تقيم هى فيه . وليس لازماً أن يكون مملوكاً لها ، ذلك أن أحق الصغار فى السكنى ينتقل من مسكن أبيهم إلى مسكن حاضنتهم ، أياً كان شكل العلاقة القانونية التى تربط بها فى شأن هذه العين ، ودون إخلال بحقها فى أن تقتضى لها وللصغار أجر مسكن مناسب ، باعتباره من مؤنتهم .
المادة 18 مكرراً ثالثاً بعد حكم الدستورية العليا .
وعلى أساس حكم المحكمة الدستورية العليا فإن مقتضى حكم المادة 18 مكرراً ثالثاً هو .
مع مراعاة الفقرة الأولى من المادة السابقة – 18 مكرراً ثانياً – تستقل الحاضنة التى ليس لها مسكن تقيم فيه مع صغار المطلق بمسكن الزوجية دون المطلق ما لم يهيئ لهم المطلق مسكناً مستقلاً مناسباً خلال مدة الحضانة .
ويكون من حق المطلق أن يستقل به متى وفر لهم المسكن المستقل المناسب .
ويخير القاضى الحاضنة بين الاستقلال مع محضونيها بمسكن الزوجية وبين أن يقدر لها أجر مسكن مناسب للمحضونين ولها .
فإذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به قانوناً .
وللنيابة العامة أن تصدر قراراً فيما يثور من منازعات بشأن حيازة مسكن الزوجية حتى تفصل المحكمة فيها .
خاتمــــــــــــــة
فى ضوء البحوث والاتجاهات والآراء الفقهية والقانونية السابقة يمكننى أن أخلص إلى الآتى :
أولا : أن مشكلة إسكان المحضون قائمة وأن تداعياتها ترجع إلى أكثر من سبب:
أولها : أن بعض الحلول التشريعية التى استهدفت أحكام الأسرة افتقدت عمق الدراسة وعمومية المصلحة ومن ثم كان لها دور ملحوظ فى هذه المشكلة .
ثانيها : كما أن قصورا تشريعيا آخر فى خصوص ولاية عقد الزواج لا يسهم فى مشكلتنا فحسب ، بل يعرض أطفالا غير قليلى العدد للمعاناة والضياع .
ثالثها : أن الإلزام الدستورى بحماية الأمومة والطفولة لم يراع بالقدر المطلوب تشريعات الحضانة والإسكان ، بل إن محاولات إنفاذ المساواة المغلوطة بين الرجل والمرأة ، والانحياز للقيم المستوردة وتغليبها على حقائق الدين ، تتخذ من الأطفال سلاحا لإثارة العداءات بين فريقين أمرهم الله أن يأتمروا بمعروف ، وأن لا ينسوا الفضل بينهم .
أما إهمال هذا الإلزام فى دائرة الإسكان فيتمثل فى رأيى فى عدم الحياطة لتنشئة المحضون فى إطار من الحرية والكرامة الإنسانية والتوازن النفسى ، وقد ألمح العلماء إلى هذه الحيطة بإلزامهم الحاضنة ألا تقيم بالمحضون فى بيت من يبغضونه .
رابعها : عدم المراعاة الكافية لمبدأ من أهم مبادئ الشرع ألا وهو
" التكليف بالوسع" أو " عدم الحرج فى الدين " .
ويظهر القصور فى هذا الجانب بالإصرار على الأخذ بعموم القاعدة الشرعية " نفقة الولد على أبيه لا يشاركه فيها أحد " ( ) مع إغفال قيدين هامين من قيود هذه القاعدة .
أولهما : قيد ابدأ بنفسك ثم من تعول ، ولم يقل أحد قط إن نفقة الولد على أبيه أولى من نفقة الأب على نفسه .
ثانيهما : أن المعسر بالنفقة كالعاجز والمعدوم لا تلزمه نفقة أحد أصلا.( )
وأساس هذا القصور فى رأيى يرجع إلى الإصرار على الأخذ بقاعدة الحنفية على إطلاقها ، وعدم الالتفاف إلى الآراء الأخرى التى تنزل المعسر منزلة المعدوم ، وهى لا شك أقرب إلى الأدلة الشرعية والمنطق السوى ، وقد برز الأخذ بهذا الاتجاه فى القانون المغربى ومشروع القانون العربى الموحد .
أما تقديم نفقة الولد على أبيه كما ظهر فى المادة 18 مكررا ثالثا – حتى بعد حكم الدستورية العليا – فلم يقل به أحد قط ، وإن خفف من غلوائه تقييد المحكمة النص بأن لا يكون للحاضنة مسكن مؤجرا أو غير مؤجر ، ولكنه مع ذلك يبقى إعناتا للأب متى تمسكت الأم التى لا مسكن لها بالحضانة ولم يكن بوسع الأب تهيئة مسكن مناسب لها وللمحضونين .
ثانيا : أنه بينما نجد فى الإطعام والكساء وإسكان الزوجات والمطلقات نصوصا شرعية من الكتاب والسنة ، وآثارا كثيرة صريحة فى بابها ، فإننى لم أقف على نص شرعى أو أثر سيق قصدا فى إسكان المحضون ، وكافة ما استند إليه العلماء هو من قبيل العمومات الواردة فى النفقة .
وقد حرصت على أن أتتبع عبارة الإمام ابن حزم الظاهرى وهو الأثرى المعروف فلم أجده قد أورد دليلا نصيا ( ) ، أو أثرا صريحا فى هذا ، بل مع حرصه على الحياطة للمحضون لم يصرح بأن إسكانه على المنفق البتة .
ثم إن ذكر الأجر فى الرضاع ، وفيه نوع من الضم والاحتضان – إذ لا يتصور أن تعاود المطلقة الولد فى الليل والنهار لترضعه كلما جاع ثم تعود إلى بيتها فلابد وأن يكون معها فى مقرها – كان يقتضى – لو أن أجر سكنى الرضيع المحضون حق لازم – أن يذكره القرآن الكريم فى هذا الموضع ، أو تنبه عليه السنة المشرفة فى مناسبات الحضانة المتعددة .
أما وأن ذلك لم يقع – وما كان ربك نسيا – ولأنه لم يبلغنا عن الصحابة فى ذلك شئ ، فهذا معناه – فى فهمى – أن يكون الحكم من اعتبارات الواقع فى إطار مقاصد الشرع فى النفقة على الولد . ولعل هذا ما أدى إلى اختلاف الفقهاء فيه على النحو الذى رأيناه ، ويؤكد هذا – فى نظرى – اختلاف علماء الحنفية فى تخريجه ، وهل بابه الأجر ، أم أن بابه النفقة ؟
ثالثا : أن العلماء مختلفون فى غرم المنفق إسكان المحضون ، كما أنهم مختلفون فى بعض قيود النفقة ، وسقوط النفقة عن المعسر بها ، وترتيب من تجب عليهم النفقة بعد الأب ، وقدر ما يلزمه إلخ .
ولا شك أن تفريعات كل مذهب – راجحة كانت أم مرجوحة – متسقة مع قواعده التى ارتضاها فى الحل .
وعلى سبيل المثال : يقول الحنفية نفقة الولد – الذى لا مال له ولا كسب – على أبيه لا يشاركه فيها أحد وإن كان معسرا ، وتطويقا للإعنات قالوا : إن أبت الأم أن تربيه مجانا وللأب أم أو أخت عنده تحضن الولد مجانا تربى عند الأب ، ومثله نجده صريحا عند الزيدية .
وعلى ذلك : فإنه يتعين فى رأيى أن تكون الاختيارات من هذه الاجتهادات – فضلا عن اعتبار الدليل ومقاصد الشرع – منسجمة فيما بينها ، وترعى التوازن الضرورى بين الحقوق والواجبات ، حتى لا يتعدى طرف على طرف ، وقد رأينا أن الزوجات حين مكن قانونيا من مسكن الزوجية كدن للرجال أى كيد ، والنتيجة المؤكدة أن الأبناء شبعن ماديا ، ولكن أختلالهم النفسى والعاطفى فاق كل التصورات .
وعلى أساس ما حده الشارع من أن الأم أحق بولدها "( ) و " لا توله عنه "( ) فإن أولوية الأم الصالحة للحضانة لا ينازع فيها أحد ، ولكن حقها مقيد بنص الشارع " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولدة وعلى الوارث مثل
ذلك "( ) .
وفى ضوء هذا فإننى أرى أن كل مذهب على حدة يقدم حلا مستساغا متى أخذ بجملته ، غير أننى أرجح مذهب الحنابلة لأنه الأكثر توسعا فى باب النفقات ، والأدق فى انسجام قواعده واستقامتها .
وحسب ظاهر المذهب فإن النفقة تلزم الأم – وغيرها – متى أعسر الأب بها ، وعلى ما يفهم كلام المرداوى فى الإنصاف – لما عليها من حق فى الحضانة – أنها إن كانت موسرة لا تستحق سكنى على المنفق على أحد القولين ، وإن كانت فقيرة استحقت قولا واحدا .
وبذلك تنسجم قواعد الحل ، ويقبل القول بأن السكنى لا تلزم إن كان للحاضنة مسكن ، لأن هذا المذهب كغيره ينيط النفقة بالحاجة ، وحيث لا حاجة فلا نفقة ، كما أنه ينزل المعسر منزلة المعدوم ، ويقرر أن على الأم مثل ما على الأب إن أعسر بها أو ببعضها ، وله فى إعفاء الأب من بعض نفقة الولد تسويغ معقول مقتضاه ما على الأم من حق فى الحضانة .
رابعا : أن أسِ مشكلة مسكن الحضانة فى عصرنا مردها – بعد تناسى الفضل فى العلاقات الأسرية – إلى تلك الأزمة فى الإسكان ، ولأن سلامة النشء عضويا ونفسيا لا تعود بالنفع على الوالدين فحسب بل يغنم منها المجتمع غنما كبيرا فإننى أرى أن يضطلع المجتمع بمسئولياته فى حماية الأمومة والطفولة، ولا يلقى بكامل المسئولية على الأب وحده ، أو يدعه والحاضنة يكيدان لبعضهما، هى تعنته وهو يرميها ، وضر ذلك على كافة الأصعدة لا يخفى ، كما أن ضره على الطفل فى سلامة نفسه وحريته وكرامته مما تشهد به محاضر الأحداث .
والحاضنة التى لا مسكن لها ، ويتعذر على من تلزمه النفقة أن يهيئ لها مسكنا لابد وأن تسكن بالولد عند أهلها ، وربما لخلافهم مع أبيه يبغضونه ويؤذونه ، ولأن الحضانة تمتد أعواما فإن البغض لن يكون يوما ثم يزول ، كما أنه فى ظل الأخذ بامتداد الحضانة إلى البلوغ – تقريبا – فى الولد ، والزواج فى الأنثى ، مع الارتفاع الملحوظ فى سن الزواج يزيد الحاضنة تضررا ويعرض مستقبل الأولاد لخطر شديد إن دام بغض أهلها لهم .
وإن أوجبنا السكنى على الأب - وهو الشرع قطعا فى مثل هذه الحالة – فألزمناه المسكن المستقل المناسب طوال هذه المدة ( )، دون عون ، نكون أرهقناه ، وقد نعجزه .
فى ظل ذلك كله ، ورعاية للأمومة والطفولة ، وعونا للضعفاء وغير القادرين أرى أن تخصص الدولة نسبة من المساكن التى تبنيها للحاضنات اللاتى لا مسكن لهن ، متى كان من تلزمه نفقة المحضون غير قادر على تهيئة مسكن حضانة حسب ظروف الإسكان فى المجتمع ، على أن يكون على المنفق الأجر الشهرى المناسب لمستويات الدخل ، حتى إذا ما انتهت الحضانة أخلت الحاضنة المسكن لتتمكن أخرى من الانتفاع به.
ويمكن الاستفادة فى ذلك بشئ من حصيلة الزكاة وتبرعات القادرين ، وجهود الهيئات ، ونحو ذلك .
إننى أرى أن إبقاء الحال على ما هو عليه ووضع الحلول التى لا تنفذ إلا بطريق الجبر لا يخدم الطفولة أبدا ، إذ باعتراف القضاه الذين يكابدون المشكلات على الطبيعة فإن " المحاكم قد دأبت على إقامة التوازن فى حدود سلطتها التقديرية بين التزامات الأب ودرجة يساره "( ) مما يعنى أن إلزام الأب بتهيئة المسكن المناسب الذى يوفر للمحضون تنشئة سليمة لم يزل بعيد المنال بالنسبة لأولاد المكدودين .
وعلى الله قصد السبيل ، والحمد لله رب العالمين .
حمد السبيعي
اوائل الاعضاء
اوائل الاعضاء
 
مشاركات: 64
اشترك في: السبت أكتوبر 11, 2008 11:19 am
مكان: رفاع العز
الجنس: ذكر

Re: كتاب إسكان المحضون

مشاركة غير مقروءةبواسطة شمعة الجلاس » الأربعاء نوفمبر 12, 2008 11:09 pm

شمعة الجلاس
اوائل الاعضاء
اوائل الاعضاء
 
مشاركات: 83
اشترك في: الاثنين نوفمبر 03, 2008 10:18 pm
مكان: محرقاويه
الجنس: أنثى

Re: كتاب إسكان المحضون

مشاركة غير مقروءةبواسطة بيان العلي » الجمعة نوفمبر 14, 2008 1:09 am

مشكور اخوي ع الكتاب .. جهد رائع ..

يعطيك الف عافية ..
بيان العلي
اوائل الاعضاء
اوائل الاعضاء
 
مشاركات: 148
اشترك في: السبت أكتوبر 11, 2008 4:00 am
مكان: : رفاع العز :
الجنس: أنثى

رد: كتاب إسكان المحضون

مشاركة غير مقروءةبواسطة النبيلة » الاثنين مارس 02, 2009 10:21 pm

النبيلة
عضو
عضو
 
مشاركات: 1
اشترك في: السبت فبراير 28, 2009 1:24 pm
الجنس: أنثى


العودة إلى الشريعة والقانون

 


  • { RELATED_TOPICS }
    ردود
    مشاهدات
    آخر مشاركة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 5 زائر/زوار