الغصب، الإستيلاء، الجوار، والشركة

الغصب، الإستيلاء، الجوار، والشركة

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » السبت أكتوبر 11, 2008 7:10 pm

الغصب، الإستيلاء، الجوار، والشركة
باسـم الله الرحمـن الرحيـم

-عرضنا كما هو معلوم، سيكون حول كل من الغضب، والاستيلاء، والشركة والجوار، والولادة.
ولكي لا نطيل في التقديم، وحتى نتمكن من تناول أهم الأفكار الواردة في هذا العرض، تاركين مجالا للمناقشة، نكتفي فقط بتسجيل كون الشريعة الإسلامية الغراء جاءت لحفظ كليات خمس لا غنى للآدمي عنها حتى تستقيم حياته في هذا الوجود، على النحو المنشود، وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
ولعل ما سيرد في بحثنا هذا من محاور، سيشكل تجليا من تجليات حفظ الشريعة الإسلامية للكليات الخمس المذكورة.
هكذا سنقسم عرضنا إلى ثلاثة مباحث، نتطرق في أولها إلى كل من الغضب والاستيلاء، لما بين المفهومين من تقارب، على أن نفرد مبحثا خاصا لكل من الجوار والشركة، كل على حدة.
المبحث الأول: الغصب والاستيـلاء: قبل تناول الغصب في المطلب الثاني، نخصص المطلب الأول للحديث عن الاستيلاء:
المطلب الأول: الاستيـلاء
يعتبر- متى وقع على مباح- أحد أسباب الملكية التامة في الشريعة إلى جانب كل من الخلفية والعقود والتولد من الشيء المملوك (وهو الالتصاق بسبب سيل أو فيضان، أو ريح شديدة تنقل الكثبان الرملية مثلا…).
أما إذا وقع الاستيلاء على غير المباح، فيعتبر حينئذ غصبا أو تعديا أو سرقة أو غيرها (حسب الأحوال). ومعلوم أن المقصود بالمباح المال الذي لم يدخل في ملك شخص معين، ولم يوجد مانع شرعي من تملكه، كالماء في منبعه، والكلأ والحطب والشجر في البراري، وصيد البر والبحر… ويشترط لإحراز المباح شرطان:
1) ألا يسبق إلى إحرازه شخص آخر، لأن "من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له" كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
2) قصد التملك: فلو دخل الشيء في ملك إنسان دون قصد منه لا يتملكه، كما إذا وقع طائر في حجر شخص مثلا، أو كمن نصب شبكة فتعلق بها صيد، فإن كان قد نصبها للجفاف فالصيد لمن سبقت يده إليه، لأن نيته لم تتجه إليه، وإن كان قد نصبها للاصطياد تملك الصيد، وإن أخذه غيره كان غاصبا معتديا، وذلك كله عملا بقاعدة "الأمور بمقاصدها".
والاستيلاء على المباح له صور أربعة:
أولا: إحيـاء المـوات: أي استصلاح الأراضي البور، والموات: ما ليس مملوكا من الأراضي، ولا ينتفع بها بأي وجه انتفاع، وتكون خارجة عن البلد، فلا يكون مواتا ما كان ملكا لأحد الناس، أو ما كان داخل البلد أو خارجا عنها ولكنه مرفق لها كمحتطب لأهلها أو مرعى لأنعامهم، والإحياء يفيد الملك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أحيا أرضا ميتة فهي له" سواء أكان الإحياء بإذن الحاكم أو لا عند جمهور الفقهاء، وقال أبو حنيفة ومالك: لا بد من إذن الحاكم.
ويكون إحياء الأرض الموات بجعلها صالحة للانتفاع بها كالبناء والغرس والزراعة والحرث وحفر الآبار…
ثانيـا: الاصطيـاد: ويتم إما بالاستيلاء الفعلي على المصيد، وهو الإمساك، أو بالاستيلاء الحكمي وهو اتخاذ فعل يعجز الطير أو الحيوان أو السمك عن الفرار، كاتخاذ الحياض لصيد الأسماك، أو الشباك، أو الحيوانات المدربة على الصيد كالكلاب والفهود والجوارح، المعلمة وغيرها…
ثالثـا: الاستيلاء على الكلإ والآجـام: يقصد بالكلإ الحشيش الذي ينبت في الأرض بغير زرع، ويؤخذ لرعي البهائم، أما الآجام فهي الأشجار الكثيفة في الغابات أو غيرها من الأراضي.
وحكم الكلإ ألا يملك، وإن نبت في أرض مملوكة، بل هو مباح للناس جميعا، لهم أخذه والرعي فيه، وليس لصاحب الأرض منعهم منه، لأنه باق على الإباحة الأصلية، وهو الراجم في المذاهب الأربعة، لعموم حديث: " الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار".
أما الآجام فهي من الأموال المباحة إن كانت في أرض غير مملوكة، فلكل واحد حق الاستيلاء عليها، وأخذ ما يحتاجه منها، وليس لأحد منع الناس منها، وإذا استولى شخص على شيء منها وأحرزه صار ملكا له. ولكن للدولة تقييد المباح بمنع قطع الأشجار، رعاية للمصلحة العامة، وإبقاء على الثروة الشجرية المفيدة.
رابعـا: الاستيلاء على المعادن والكنـوز: المعـدن: ما وجد في باطن الأرض من أصل الخلقة والطبيعة، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ونحوها…
والكنـز: ما دفنه الناس وأودعوه في باطن الأرض من الأموال، سواء في الجاهلية أو في الإسلام والمعدن والكنز يشملهما عند الحنفية لفظ "الركاز"، وحكمهما واحد في الحديث النبـوي " وفي الركاز الخمس"، أما المالكية والشافعية والحنابلة فقد اعتبروا الركاز دفين الجاهلية، واعتبروا المعدن دفين أهل الإسلام.
1) حكـم المعـادن: اختلف الفقهاء في تملك المعادن بالاستيلاء عليها: فحسب المالكية في أشهر أقوالهم فإن جميع أنواع المعادن لا تملك بالاستيلاء عليها، كما لا تملك تبعا لملكية الأرض، بل هي للدولة يتصرف الحاكم حسبما تقضي المصلحة، لأن الأرض مملوكة بالفتح الإسلامي للدولة، ولأن هذا الحكم مما تدعوا إليه المصلحة.
أما عند الحنفية فالمعادن تملك بتملك الأرض، لأن الأرض إذا ملكت ملكت بجميع أجزائها، فإن كانت لشخص كانت المعادن له، وإن كانت للدولة كانت المعادن كذلك لها، أما إن وجدت هذه الأخيرة في أرض غير مملوكة فهي للواجد لأنها مباحة تبعا للأرض.
كما اختلف الفقهاء كذلك في حق الدولة في المعادن: وفي ذلك قال الحنفية أن المعادن فيها الخمس لأن الركاز عندهم يشمل المعادن والكنوز كما سبقت الإشارة إلى ذلك، والباقي يكون للواجد.
أما الشافعية فيرون أنه لا يجب في المعادن شيء للدولة، لا الخمس ولا غيره، وإنما تجب فيها الزكاة لقول النبي عليه الصلاة والسلام " العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" فأوجب الخمس في الركاز وهو دفين آهل الجاهلية عندهم، كما تقدم بيانه، ولم يوجب في المعدن شيئا، (لأن الجبار معناه "لاشيء فيه" )، وإيجاب الزكاة عندهم هو بعموم أدلة الزكاة.
2) حكم الكنز: الكنز كما سبق تعريفه إما أن يكون إسلاميا -وهو ما دلت علامة على دفنه بعد ظهور الإسلام كآية قرآنية به مثلا- أو جاهليا- وهو ما دلت علامة على دفنه قبل الإسلام كاسم ملك جاهلي أو غيره.
والكنز الإسلامي يبقى على ملك صاحبه، فلا يملكه واجده، بل يعتبر كاللقطة، فيجب تعريفه والإعلان عنه، فإن وجد صاحبه سلم إليه وإلا تصدق به على الفقراء، ويحل للفقير الانتفاع به، هذا رأي الحنفية، وأجاز المالكية والشافعية والحنابلة تملكه والانتفاع به، ولكن إن ظهر صاحبه بعدئذ وجب ضمانه.
وأما الكنز الجاهلي، فقد اتفق أئمة المذاهب على أن خمسه لبيت المال، وأما الأربعة أخماس المتبقية ففيها اختلاف، فقيل أنها للواجد مطلقا، سواء وجدها في أرض مملوكة أو لا، وقيل أنها للواجد في أرض غير مملوكة أو في أرض ملكها بالإحياء، فإن كان في الأرض مملوكة فهي لأول مالك لها أو لورثته إن عرفوا، وإلا فهي لبيت المال.

المطلب الثانـي: الغصــب
هو وجه من أوجه أخذ أموال الناس بالباطل، حيث يقول ابن جزي في القوانين الفقهية أن أخذ أموال الناس بالباطل على عشرة أوجه كلها حرام والحكم فيها مختلف وهي: 1) الحرابة، 2) الغصب، 3) السرقة، 4) لاختلاس، 5) الخيانة، 5) الإذلال، 7) الفجور في الخصام بإنكار الحق أو دعوى الباطل، 8) القمار، 9) الرشوة، 10) الغش والخلابة في البيوع.
وسنتناول ضمن هذا المطلب تعريف الغصب وبيان حكمه في الفقرة الأولى، قبل أن نتطرق إلى رد العين المغصوبة أو ضمانها عند تعذر الرد في الفقرة الثانية.
الفقرة الأولى: تعريفه وبيان حكمـه:
أولا: التعريف بالغصب: الغصب لغة هو أخذ الشيء من الغير على سبيل التغلب، يقال غصب الشيء غصبا فهو غاصب والشيء مغصوب، أي أخذه قهرا وظلما وجهارا.
وشرعا يختلف تعريف الغصب باختلاف المذاهب الفقهية:
1- فعند الحنفية، الغصب هو أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده، فقولهم متقوم لإخراج غير المتقوم كالخمر والخنزير عند المسلم، وقولهم محترم لإخراج مال الحربي لأنه غير محترم، والمراد "بغير إذن المالك" إخراج المأذون فيه كالموهوب وغيره مما تتم المبادلة عليه بعقد من العقود، وقيد "إزالة المالك" لا بد منه لتصور معنى الغصب عند الحنفية، فلا تعتبر زوائد المغصوب كالولد والثمرة مضمونة عندهم.
ويرى قاضي زاده الرومي أنه لا بد من زيادة قيدين في هذا التعريف، أولهما: "أو يقصر يده" لئلا يخرج على التعريف شرعا ما أخذه الغاصب من يد المالك كالمستأجر والمرتهن وغيرهما، فالغاصب في هذه الصور وإن لم يزل يد المالك عن ماله بناء على عدم كونه في يده وقت الغصب، إلا أنه قصر يده عنه.
وثانيهمـا: قيد " على سبيل المجاهرة" لإخراج السرقة التي تكون على سبيل الخفية وبالتالي يكون التعريف هو " أخذ مال متقوم محترم على سبيل المجاهرة بغير إذن المالك على وجه يزيل يده إن كان في يده، أو يقصرها إن لم يكن في يده".
2- وعرف المالكية الغصب بأنه أخذ مال قهرا تعديا بلا حرابة،
فكلمة " المال " أريد بها الذوات، أي الأعيان المادية، فخرج بها التعدي، وهو الاستيلاء على المنافع كسكنى الدار وركوب الدابة مثلا… وقيل "قهرا" لإخراج السرقة ونحوها، إذ لا قهر فيها حال الأخذ، وكذلك لإخراج المأخوذ اختيارا كالمستعار والموهوب… أما لفظ " تعديا" فقد أخرج به المأخوذ قهرا بحق، كالدين المأخوذ من مدين مماطل أو من غاصب، وكالزكاة المأخوذة كرها من الممتنع عن أدائها، والمقصود بقولهم "بلا حرابة" أي بدون مقاتلة، فأحكام الحرابة مخالفة لأحكام الغصب من حيث الجملة، لأن المحارب يقتل أو يصلب، أو يقطع من خلاف أو ينفى من الأرض.
ويتبين من تعريف المالكية أن الغصب عندهم أخص، والتعدي أعم، لأن هذا الأخير يكون في الأموال والفروج والنفوس والأبدان.
3- وعرف الشافعية والحنابلة الغصب بأنه الاستيلاء على حق الغير (من مال أو اختصاص) عدوانا، أي على وجه التعدي أو القهر بغير حق.
وهذا التعريف يشمل أخذ الأموال المتقومة والمنافع وسائر الاختصاصات كحق التحجر (أي إحياء الأراضي الموات بوضع الأحجار على حدودها)، والأموال غير المتقومة كخمر الذمي، وما ليس بمال كالكلب والسرجين وجلد الميتة.
ثانيـا: حكـم الغصـب: الغصب اعتداء على واحد من الكليات الخمس، وهو المال، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول: أما الكتاب، فقوله عز وجز: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون" سورة البقرة، الأية 188.
وقوله عز من قائل: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضي منكم، ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما" سورة النساء الآية 29.
وأما السنة: فيقول على الصلاة والسلام " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا…" الحديث.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أراضين" وقوله كذلك " لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفسه".
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على تحريم الغصب لأنه عدوان محض، وظلم صرف، ومعصية كبيرة.
وأما المعقول: فإن الأموال عزيزة على أربابها، جديرة بالمحافظة عليها لما لها من دور كبير في حياتهم، وغصبها يؤدي إلى إتلافها عليهم، وحرمانهم من التمتع بملكيتها، وتفويتها على هذا النحو شيء لا يقبله العقل، فلهذا كان الغصب حراما.
الفقرة الثانية: رد العين المغصوبة أو ضمانها عند تعذر الرد:
نعلم أن الغصب من موجبات الضمان، وأن من غصب شيئا فعليه رده إلى صاحبه، مادام قائما بعينه، وإن هلك بفعله أو بفعل غيره أو بآفة سماوية فعليه ضمانه.
أولا: وجوب رد العين المغصوبة ما دامت قائمـة:
اتفق الفقهاء على أنه يجب رد العين المغصوبة إلى صاحبها حال قيامها ووجودها بذاتها، لقوله عليه الصلاة والسلام "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وقوله كذلك " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه، فليردها عليه".
ويرد المغصوب إلى مكان الغصب لتفاوت القيم باختلاف الأماكن، وتكون نفقة الرد على الغاصب لأنها من ضرورات الرد، فإذا وجب هذا الأخير وجبت ضروراته كما في رد العارية.
هذا، وإذا كان رد المغصوب إلى صاحبه واجبا على الغصب، فإنه قد يمتنع هذا الرد في بعض الحالات منها:
الحالة 1) –هلاك المغصوب، وحينئذ يجب الضمان.
الحالة 2) –عدم ولاية الدولة الإسلامية على الغصب، كما إذا أخذ الحربي مال الحربي، فإذا كانت لها عليه ولاية فتسري الأحكام الشرعية الخاصة بذلك –كما إذا كان هناك عقد أمان مثلا-.
الحالة 3) غصب عصير عصر بقصد الخمرية، وحصول واقعة التخمر عند الغاصب، فيريقه ولا يرده.
الحالة 4) غصب خيط، واستعماله في خياطة جرح حيوان محترم فلا ينزع منه ما دام حيا أي إذا كان يتألم به.
الحالة 5) كل عين حكم بتغريم الغاصب بدلها لما حدث فيها، وهي باقية، ولا يجب ردها كما في الحنطة تبتل فتسير إلى الهلاك مثلا…

ثانيـا: ضمان المغصـوب:
لما كان المغصوب قد يختلف من مثلي إلى قيمي، فإن ضمانه يختلف تبعا لذلك:
1) كيفية الضمان: إذا هلك المغصوب عند الغاصب، وكان من المنقولات عند الحنفية، أو من العقارات او المنقولات عند غير الحنفية، بفعله أو بغير فعله، فعليه ضمانه، أي غرامته أو تعويضه، لكن إن كان الهالك بتعد من غيره، لا بآفة سماوية، رجع الغصب عليه بما ضمن، لأنه يستقر عليه ضمان الشيء الذي كان يمكنه أن يتخلص منه برده إلى من كان في يده.
وكيفية الضمان أو قاعدته أنه يجب ضمان المثل باتفاق العلماء إذا كان المال مثليا، وقيمته إذا كان قيميا، فإن تعذرت وجود المثل وجبت القيمة للضرورة.
أما ضمان المثل، فلقوله تعالى "فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" سورة البقرة الآية 194، ولقوله عز وجل " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" سورة النحل الآية 126.
ومن السنة ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: " ما رأيت صانعة طعام مثل صفية صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما، وهو في بيتي فارتعدت من شدة الغيرة، وكسرت الإناء ثم ندمت، فقلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل الإناء وطعام مثل الطعام".
فنلاحظ هنا أن القصعتين كانتا للنبي عليه الصلاة والسلام، في بيتي زوجتيه، فعاقبه الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل الصحيحة في بيت الأخرى.
كما أن المثل تماما أقرب إلى الأصل التالف، فكان الإلزام به أعدل وأتم لجبر الضرر.
وأما ضمان القيمة فلأنه تعذر الوفاء بالمثل تماما صورة ومعنى، فيجب المثل المعنوي وهو القيمة، لأنها تقوم مقامه، ويحصل بها مثله.
والمـال المثلـي: هو ما يوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به، أو هو ما تما تلت آحاده أو أجزاؤه بحيث يمكن أن يقول بعضها مقام بعض دون فرق يعتد به.
والأموال المثلية أربعة هي المكيلات، والموزونات، والعدديات المتقاربة- وبعض أنواع الذرعيات.
والمكيــلات: هي التي تباع بالكيل كالقمح والشعير، وكبعض السوائل التي تباع اليوم باللتر كالبنزين والحليب وغيرهما…
والموزونـات: هي التي تباع بالوزن كالسمن والسكر.
والذرعيــات: هي التي لا تتفاوت آحادها إلا تفاوتا بسيطا كالبيض، وكالمصنوعات المتماثلة من صنع المعامل كالكؤوس وصحون الخزف وغيرها..
والقيمـــي: هو ما ليس له مثل في الأسواق، او يوجد لكن مع التفاوت المعتد به في القيمة أو هو ما تفاوتت أفراده، فلا يقوم بعضها مقام بعض بلا فرق كالدور، والأراضي، والمفروشات والحيوان وغيرها…
وتجب القيمة في ثلاث حالات:
1) إذا كان الشيء غير مثلي كالحيوانات والدور، فلكل واحدة منها قيمة تختلف عن الأخرى باختلاف الصفات المميزة لكل منهما.
2) إذا كان الشيء خليطا مما هو مثلي بغير جنسه، كالحنطة مع الشعير.
3) إذا كان الشيء مثليا تعذر وجود مثله والتعذر هنا إما حقيقي حسي كانقطاع وجود المثل في السوق بعد البحث عنه، وإن وجد في البيوت، أو حكميا كأن لا يوجد إلا بأكثر من ثمن المثل، أو شرعي بالنسبة للضامن كالخمر بالنسبة للمسلم يجب عليه للذمي عند أئمة المذاهب ضمان القيمة، وإن كانت الخمر من المثليات، لأنه يحرم على المسلم تملكها بالشراء.
2) وقت وجوب الضمان أو وقت تقدير التعويض:
بهذا الشأن، يقول الحنفية علي المختار عندهم، والمالكية، أن قيمة المغصوب تقدر يوم الغصب لأن الضمان يجب بالغصب، فلا يتغير التقدير بتغير الأسعار، لأن سبب الضمان لم يتغير كما لم يتغير محل الضمان. لكن فرق المالكية بين ضمان الذات وضمان الغلة، فتضمن الأولى يوم الاستيلاء عليها، وتضمن الغلة من يوم استغلالها.
وقال الشافعية: الأصح أن المعتبر في الضمان هو أقصى قيمة للمغضوب من وقت الغصب في بلد الغصب إلى وقت تعذر وجود المثل، سواء أكان ذلك بتغير الأسعار أم بتغير المغصوب في نفسه، وأما المال القيمي فيضمن بأقصى قيمة له من يوم الغصب إلى يوم التلف وقال الحنابلة، إن كان المغصوب من المثليات، وفقد المثل، وجبت قيمته يوم انقطاع المثل، وإن كان المغصوب من القيميات وتلف، فالواجب هو القيمة أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين الرد، إذا كان التغير في المغصوب نفسه من كبر وصغر وسمن وهزال …
وإن كانت زيادة القيمة لتغير الأسعار، لم تضمن الزيادة، لأن نقصان القيمة لهذا السبب لا يضمن إذا ردت العين المغصوبة بذاتها، فلا يضمن عند تلفها.
3) تغير العين المغصوبة عند الغاصب:
قد يتغير المغصوب بنفسه أو بفعل الغاصب، وفي هذه الحالة الأخيرة، قد يكون التغير في الوصف أو في الإسم والذات، وفي كل حالات التغير يكون المغصوب فيها موجودا؛ يقول الحنفية أنه في حالة تغير المغصوب بنفسه كما لو كان عنبا فأصبح زبيبا، فإن المالك يخير بين استرداد عين المغصوب، وبين تضمين الغاصب قيمته.
وأما تغير وصف المغصوب بفعل الغاصب عن طريق الإضافة أو الزيادة كما لو صبغ الثوب، أو خلط الدقيق بسمن، أو اختلط المغصوب بملك الغاصب بحيث يمتنع تمييزه كخلط البر بالبر أو يمكن بحرج كخلط البر بالشعير، فيجب بموجبه إعطاء الخيار للمالك، إن شاء ضمن الغاصب قيمة المغصوب قبل تغييره، وإن شاء أخذه وأعطى الغاصب قيمة الزيادة.
وهذا مذهب المالكية أيضا.
قال الشافعية إن أمكن فصل الزيادة من الصباغة (أو السمن) أجبر الغاصب عليه في الأصح، وإن لم يمكن فإن لم تزد قيمة المغصوب فلا شيء للغاصب فيه، وإن نقصت قيمته لزم الغاصب ضمان النقص لأنه حصل بفعله، وإن زادت قيمة المغصوب اشترك الغاصب والمالك فيه أثلاثا: ثلثاه للمغصوب منه، وثلثه للغاصب.
وقال الحنابلة كالشافعية إجمالا إلا أنهم قالوا أنه لا يجبر الغاصب على قلع الصبغ من الثوب لأن فيه اتلافا لملكه وهو الصبغ، وإن حدث نقص ضمن الغاصب النقص، لأنه حصل بتعديه، وإن حصلت زيادة فالمالك والغاصب شريكان بقدر ملكيهما، فيباع الشيء، ويوزع الثمن على قدر القيمتين.
وبهذا يظهر أن الفقهاء، متفقون على ضمان النقص، وعلى حق الغاصب في الزيادة.
وأما تغير ذات المغصوب واسمه بفعل الغاصب، بحيث زالت أكثر منافعه المقصودة: كما لو غصب شاة وذبحها وشواها أو غصب حنطة فطحنها دقيقا أو حديدا اتخذه سيفا، او نحاسا اتخذه آنية، فيرى الحنفية أنه يزول الملك المغصوب منه عن المغصوب ويملكه الغاصب ويضمن بدله:المثل في المثلي، والقيمة في القيمي، ولكن لا يحل له الانتفاع به حتى يؤدي بدله استحسانا لأن في إباحة الانتفاع قبل أداء البدل فتح لباب الغصب.
وكذلك قال المالكية والشافعية والحنابلة، أنه لا ينقطع حق المالك في ملكه، وله أن يأخذه مع ضمان النقص إن نقص، ولا شيء للغاصب في زيادته في الصحيح من مذاهب الحنابلة.
وقال أبو حنيفة مثل الشافعية والحنابلة فيمن غصب فضة أو ذهبا، فصكها دراهم او دنانير، أو صنعها آنية لا يزول ملك مالكها عنها، ولا شيء للغاصب لأن العين باقية، فلم ينقطع حق المالك بها.
وظل الصاحبان في ذلك على أصلهما السابق وهو انه يملكها الغاصب، وعليه مثلها، لأنه أحدث فيها صنعة معتبرة، صير بها حق المالك في حكم الهالك (التالف).

المبحث الثاني: الجوار في ميزان الفقه الإسلامي.
إن من المضامين الهامة للتشريعات المتعلقة بالجوار علاقة هذا التشريع بإقامة المجتمع الحضري حيث نستنبط من التشريع الوارد في مختلف النصوص القرآنية والسنة النبوية، أن الإسلام يقوم على مبدأ التحضير وتذويب حالة البدواة، وينشئ علاقة اجتماعية بين الأفراد والجماعات تقوم على التكافل والتعاون.
هذا التكافل الاجتماعي الإنساني الرائع، الذي يتحرك على نطاق جغرافي شديد الاتساع، يبرز لنا البعد الحضاري لأحكام الجوار في الإسلام، وكفايتها لتوجيه المجتمع المدني المعاصر.
وللوقوف أكثر على أبرز الدلالات الحضارية لمفهوم الجوار من منظور الفقه الإسلامي، لا بد أولا من تعريفه وتبيان شرعيته ثم الآثار المترتبة عليه.
1) تعريف الجوار:
الجوار لغة تشترك فيه مجموعة "ألفاظ"، متحدة اللفظ، متباينة المعاني، لذا نقول جار جررا: أي مال عن الحق فهو جائر، ومن الطرق جائر: أي بعيد عن الاستقامة لا يوصل إلى مكان السلامة، وأجار الله عبده من العذاب أي: حماه
*واستجـار: طلب الجوار للغوث والنجدة.
-وجاوره- مجاورة: وهو بيت قصيدنا في هذا البحث أي: أقام بالقرب منه وساكنه فهو جار أو مجاور كقول الشاعر:
وجار سار معتمدا إليكم، أجاءته المخافة والرجاء
فجاور مكرما حتى إذا ما، دعاه الصيف وانقطع الشتاء.
2) شرعية الجوار في القرآن والسنة.
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى والمساكين والجار ذي القربي والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا " الآية 36 من سورة النساء.
بالرجوع إلى الآية الكريمة تبرز لنا المكانة العظمى التي أعطاها الشارع عز وجل للجوار حيث أمر الله تعالى بحفظ الجار، والقيام بحقه وبرعي ذمته حيث أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين، فقال تعالى (والجار ذي القربى) أي القريب (والجار الجنب) أي الغريب، عند ابن عباس، وفي اللغة منها قولهم جنب وجنب وأجنب وأجنبي إذا لم يكن بينهما قرابة وجمعه أجانب، والجار ذي الجنب أي ذي الناحية وقال نوف الشامي، الجار ذي القربى أي المسلم والجار الجنب أي اليهودي والنصراني.
فإطلاق الآية المباركة يشمل المسلم وغير المسلم، بمعنى آخر أن أحكام الجوار في الشريعة الإسلامية إنما هي في مجملها فروض إلزامية وليست بمندوبات فالله تعالى أمر بالإحسان إلى الجار بالمدلول الواسع بمعنى الإحسان.
وقد أوصى النبي (ص) بالأخلاق الكثيرة ومنها وصيته بمعاملة الجار بالأخلاق الكريمة، ومنها الأحاديث الكثيرة، كقوله صلى الله وسلم "والله لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (البوائق أي الشرور).
وقول (ص) لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في داره"
وعن عائشة أم المؤمنين أن النبي ص قال" مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت بأنه سيورثه".
ومن الأدب مع الجيران أن المسلم يعترف بما للجار على جاره من حقوق وآداب يجب على كل من المجاورين بذلها لجاره وإعطائها له كاملة.
هؤلاء الجيران الذين لا يشترط فيهم أن يكونوا مسلمين بل يمكن أن يكونوا غير مسلمين لأن إطلاق الآية المباركة وإطلاق أدلة السنة يشمل المسلم وغير المسلم، حينها تبرز لنا عظمة وإنسانية معنى المواطنة في الإسلام وحقوق المواطن بصرف النظر عن كونه مسلما أو غير مسلم، ونستنتج من ذلك أن فلسفة الاجتماع الإسلامي في المدينة المسلمة وفي سائر صيغ التجمع الحضري المسلم لا تستبطن أبدا فكرة أن يكون هناك مجتمع نقي من الناحية الدينية بحيث يكون جميع أهل القرية أو الحي مسلمين، بل يمكنهم أن يتخللهم غير مسلمين من أي دين كان ويتمتعون بنفس الحقوق وبنفس مستوى المسؤولية.
حقوق الجوار: الجوار نوعان: علوي وجانبي وفيه حقان:
أ/ حق التعلـي: وهو حق القرار الدائم أو الاستناد لصاحب الطبقة العليا على الطبقة السفلى والانتفاع بسقوفها، مثل الملكية المشتركة للطوابق الحديثة وهذا حق دائم ثابت لصاحب العلو على حساب السفل، فيكون للعلو حق البقاء والقرار على ذلك السفل دون أن يمتلك كما هو مشهور عند الحنفية.
وقال المالكية: السقف الذي بين الطابقين لصاحب السفل وعليه إصلاحه وبناؤه إن إنهدم، ولصاحب العلو الجلوس عليه.
وقال الشافعية: السقف مشترك بين صاحب العلو والسفل كالجدار بين ملكين لاشتراكهما في الانتفاع به، فإنه سائر لصاحب السفل وأرضه لصاحب العلو، فلصاحب العلو الإستناد إليه، وليس لأحدهما دق وتد أو فتح كوة مما يضايق الآخر إلا بإذنه، ولصاحب العلو الانتفاع بالسقف بحسب العادة وإذا إنهدم المشترك بين إثنين ليس لأحدهما إجبار الآخر على العمارة، لأن الضرر لا يزال بالضرر، والممتنع يتضرر بتكليف العمارة.
وبناء عليه، ليس لصاحب السفل أن يحدث في بنائه أي تغيير (كدق وتد) إلا برضا صاحب العلو وأن لم يضر به، وليس لصاحب العلو كذلك أن يزيد في بنايته شيئا من شأنه أن يوهن السفل.
-وقال الصاحبان: الأصل في تصرف الجار الإباحة لأنه تصرف في ملكه، والملك يقتضي إطلاق التصرف كما يشاء المالك، إلا إذا لحق بسببه ضرر بالغير فيمنع حينئذ المالك منه، حينها يتعين أن على صاحب السفل أو الطابق الأدنى أن يصنع مالا يضر بالبناء الأعلى.
ب/ حق الجوار الجانبي: وهو الناشئ عن تلاصق الحدود وتجاورها ويكون لكل من الجارين الحق في الإرتفاق بعقار جاره على ألا يلحق به ضررا بينا فاحشا.
والضرر البين الفاحش ما يكون سببا لهدم أو سقوط بناء الجدار أو ما يوهن البناء أو ما يؤذي الجار أذى بالغا على وجه دائم أو ما يؤذي إلى سلخ حق الإنتفاع بالكلية وهو ما يمنع من الحوائج الأصلية، كأن يحول داره إلى فرن أو مصنع للحديد أو مطحنة للحبوب أو حمام فإن فعل شيئا مما ذكر، منع منه وأمر بإزالته وكان ضامنا ما يترتب عليه من تلف بدار جاره سواء أكان بالمباشرة أم بالتسبب.
-وقال المالكية والحنابلة: يتقيد إستعمال المالك بألا يضر بالآخرين ولو بالنية والقصد فإن لم تكن له مصلحة ظاهرة في التصرف أو لم يقصد سوى الإضرار بالآخرين منع منه لأن المسلم ممنوع من قصد الإضرار.
المبحث الثالث: الشركــة:
سنتطرق في هذا المبحث إلى تعريف الشركة والحكمة من تشريعها في مطلب أول تم نوضح بإيجاز أهم أقسام الشركة في الفقه الإسلامي.
المطلب الأول تعريف الشركة ومشروعيتها:
الشركة لغة هي الاختلاط سواء كان بعقد أو بغير عقد وسواء أكان في الأموال أم في غيرها قال الله تعالى: " وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث" النساء 62 وقال سبحانه وتعالى خطاب لإبليس " وشاركهم في الأموال والأولاد" الإسراء 64.
أما اصطلاحا فقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفها:
فقال الحنابلة: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف. والذي يظهر في التعريف أن الشركة عندهم قسمان وهما الشركة في الاستحقاق والشركة في التصرف.
وقال الشافعية: الشركة ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع.
وقال المالكية: " هي إذن في التصرف لهما مع أنفسهما، أي أن يأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في أن يتصرف في مال لهما مع بقاء حق التصرف لكل منهما.
هذا في المعنى العام أما المعنى الخاص فقال الشافعية أنها العقد الذي يحدث بالاختيار بقصد التصرف وتحصيل الربح، وقال الحنفية بأنها عبارة عن عقد بين المتشاركين في الأصل والربح.
-الحكمة والمشروعية في تشريع الشركة:
لقد تبث جواز الشركة ومشروعيتها من حيث هي بالكتاب والسنة والإجماع، أما القرآن الكريم فقوله تعالى في ميراث الإخوة من الأم: "فهم شركاء في الثلث".
وأما السنة: فالحديث القدسي الذي أخرجه أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي اله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل "أنا ثالث الشريكين ما لم يحن أحدهما صاحبه". وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملون بالشركة فأقرهم عليها كما ثبت في أحاديث كثيرة، فقد روي أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه وما كان نسيئة فردوه.
كذلك أجمع المسلمون على جواز الشركة وإن كانوا اختلفوا في جواز أنواع منها.
والحكمة في تشريع الشركة بوجه عام هو وجود الحاجة الماسة إليها، لذلك أجازها الإسلام سدا لهذه الحاجة وتحقيقا للتعاون البناء بين أفراد المجتمع.
المطلب الثاني: أنواع الشركات.
سنتطرق في هذا المطلب إلى أنواع الشركات في الشرعية الإسلامية.
أولا: في الشريعة الإسلامية:
تنقسم الشركة إلى قسمان شركة أملاك وهي الشركات الإجبارية في القوانين الوضعية وشركة العقود وهي الشركات الاختيارية في القوانين الوضعية.
* شركة الأملاك: وهي أن يمتلك شخصان فأكثر عينا من غير عقد الشركة وهي نوعان:
- شركة اختيار: وهي التي تكون بفعل الشريكين كما في الشراء وقبول الهدية والهبة.
- شركة جبر: وهي التي لا تكون بفعل الشريكين أي أنها تثبت لشخصين فأكثر بغير فعلهما كأن يرث اثنان شيئا فيكون الموروث مشتركا بينهما شركة مللك.
وحكم هذه الشركة بنوعيها هو أن كل شريك أجنبي في نصيب وقسط صاحبه فلا يجوز له أن يتصرف فيه إلا بإذنه.
* شركة العقود: شركة العقد هذه هي المقصودة بالبحث عند الفقهاء، إذ ذكر فقهاء الحنابلة لشركة العقد خمسة (05) أنواع وهي: شركة العنان، المفاوضة، الأبدان، الوجوه، المضاربة، وذكر الحنفية لشركة العقد ستة أنواع وهي: شركة الأموال، الأعمال، الوجوه، وكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة إما مفاوضة أو عنان.
وهي عند فقهاء الأمصار ومنهم المالكية والشافعية أربعة أنواع (04) شركة العنان، شركة المفاوضة، شركة الأبدان، شركة الوجوه، وأركان هذا النوع من الشركات عند الجمهور ثلاثة أركان (03) عاقدان ومعقود عليه وصيغة أم الحنفية فقد اقتصروا على الإيجاب والقبول فقط وهو أن يقول أحد الشريكين للآخر شاركتك في كذا ويقول الآخر قبلت، كما أن لشركة العقود شروط عامة مشتركة بينها وهي:
أ- قابلية الوكالة: أي أن يكون المعقود عليه قابلا للوكالة لأن من حكم الشركة ثبوت الاشتراك في المستفاد بالتجارة، ولا يصير المستفاد مشتركا بينهما إلا أن يكون كل واحد منهما وكيلا عن صاحبه في النصف وأصيلا في النصف الأخر: فصار كل واحد منهما وكيلا عن صاحبه بمقتضى عقد الشركة، ومالا يجوز التوكيل فيه عند الحنفية خلاف للجمهور هو الاستيلاء على المباحات.
ب- أن يكون الربح معلوم القدر: أي تكون حصة كل شريك في الربح معلومة القدر كخمسه أو ربعه فإن كان الربح مجهولا تفسدالشركة لأن الربح هو المعقود عليه وجهالة المعقود عليه تستوجب فساد العقد.
ج- أن يكون الربح جزءا شائعا في الجملة لا معينا: فإن عينا ربحا معينا لأحدهما كعشرة أو مائة كانت الشركة فاسدة لأن العقد يقتضي تحقق الاشتراك في الربح ومن الجائز ألا يتحقق الربح إلا في القدر المعين لأحد الشريكين فكان التعيين منافيا بمقتضى عقد الشركة.
- شركة العنان: وهي أن يشرك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما والخسارة عليهما أيضا فالشركاء يشتركون في الربح والخسارة وهي جائزة عند الجمهور وإن اختلفوا في بعض شروطها، ويختلف معنى شركة العنان بين الحنفية والمالكية فعند الحنفية تتضمن هذه الشركة توكيل كل شريك لصاحبه في التصرف وذلك ما يجعل له حق الاستقلال به إذا أراد، أما عند المالكية فلا تتضمن ذلك ولا يملك أحد الشركاء أن يتصرف منفردا إلا بإذن صاحبه وفي هذه الحالة تكون الشركة أملاك عند الحنفية وإذا كان الشريك مطلق التصرف في رأس المال مستغلا بدون إذن صاحبه فالشركة مفاوضة عند المالكية.
وهذا النوع من الشركات لا يشترط فيها المساواة لا في المال ولا في التصرف فيجوز أن يكون مال أحد الشريكين أكثر من الآخر كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولا عن الشركة والآخر غير مسؤول وهي من أجله ليس فيها كفالة ويجوز مع ذلك أن يتساويا في الربح أو يختلفا فيوزع الربح بينهما حسب الشرط الذي اتفقا عليه أما الخسارة فتكون بنسبة رأس المال، عملا بقاعدة: الربح على ما شرط، والوضعية على قدر المالين.
- شركة المفاوضة: المفاوضة في اللغة المساواة ومنه قوله الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا.
وقيل هي مشتقة من التفويض لأن كل واحد منهما يفوض أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق تصرفا كاملا.
أما المفاوضة في اصطلاح الفقهاء: إن يتعاقد إثنان فأكثر على أن يشتركا في عمل بشرط أن يكون متساويين في رأسمالها وتصرفهما، ويكون كل واحد منهما كفيلا عن الآخر فيما يجب عليه من شراء وبيع، أي أن كل شريك ملزم بما ألزم شريكه الآخر في حقوق ما يتجران فيه، وما يجب لكل واحد منهما يجب للأخر أي أنهما متضامنان في الحقوق والواجبات المتعلقة بما يتجران فيه ويكون لكل واحد منهما فيما يجب لصاحبه بمنزلة الوكيل له، وفيما يجب عليه بمنزلة الكفيل عنه.
حكمهـا: ذهب الحنفية إلى صحة شركة المفاوضة عندما استجمعوا شروطها، وذهب الجمهور إلى عدم صحتها بمفهومها عند الحنفية.
واستند الحنفية في تعليل صحتها أولا على الحديث الذي روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "فاوضوا فإنه أعظم بركة" وقال: "إذا تفاوضتم فاحسنوا المفاوضة".
وثانيـا: أن المفاوضة عقد يتضمن أمرين مشروعين هما الوكالة والكفالة فتصح لذلك وما فيها من الجهالة مغتفر.
أما الجمهور فقد استدل على بطلانها بما يلي: أولا أنها تتضمن الكفالة إلى جانب الوكالة وكل واحد منهما عند انفراده لا يجوز فبالأولى أن لا يجوز عند اجتماعهما، وتوضيح ذلك أن شركة المفاوضة تضمنت الوكالة والكفالة والوكالة بمجهول الجنس لا تجوز، لأنه إذا قال شخص للآخر وكلت بالشراء أو بشراء الثوب لا تصح الوكالة كما أن الكفالة بمجهول لا تصح أيضا.
وثانيـا: إنها عقد لم يرد الشرع بمثله فلم يصح ولأن فيه غرر فلم يصح كبيع الغرر وبيان غرره أنه يلزم لكل واحد منهما ما يلزم الأخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به، وعلى هذا الأساس قال الشافعي رضي الله عنه: " إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل أعرفه في الدنيا".
والواقع أن شركة المفاوضة بالمعنى المذكور عند الحنفية غير متيسرة في الوجود إن لم تكن متعذرة التحقيق، وبذلك قال الأستاذ على الخفيف رحمه اله في كتابه الشركات في الفقه الإسلامي: "والواقع ان شركة المفاوضة على ما ذهب إليه الحنفية والزيدية لا تعد شركة واقعية، وليس لوجودها بقاء إذا ما وجدت".
شركة الوجـوه: وهي أن يشترك وجيهان عند الناس أو أكثر من غير أن يكون لهما رأس مال على أن يشتريا مالا بالنسيئة "بمؤجل" ويبيعاه، ثم يوفون ثمنها لأصحابها وما فضل عن ذلك من ربح يكون مشاعا بينهما.
وسميت بشركة الوجوه أخذا من الوجاهة، لأنه لا يشتري بالنسيئة إلا من له وجاهة عند الناس، وقيل لأنهما يشتريان من الوجه الذي لا يعرف ويقال لها أيضا شركة المفاليس، لانعدام رأس المال فيها.
حكمهـا: اختلف الفقهاء في صحة هذه الشركة: فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنها شركة جائزة لأنها عندهم شركة عقد تتضمن توكيل كل شريك صاحبه في البيع والشراء وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بالشراء على أن يكون المشتري بينهما صحيح.
أما المالكية والشافعية فقد أكدوا على بطلان هذه الشركة لأن الشركة عندهم تتعلق بالمال أو العمل وكلاهما معدومان في هذه الشركة.
شركة الأبـدان: هي أن يعقد اثنان أو أكثر على أن يشتركان في تقبل أعمال معينة والقيام بها على أن يكون ما يدخل عليهما من ربح بسببها مشتركا بينهما، وتسمى هذه الشركة شركة الأعمال والتقبل والصنائع.
حكمهـا: هي جائزة عند المالكية والحنفية والحنابلة لأن المقصود منها تحصيل الربح وهو ممكن بالتوكيل وقد استولوا على ذلك بما روي عن ابن مسعود أنه قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر، فأصاب سعد أسيرين، ولم أصب أنا وعمار شيئا فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم علينا".
إلا أن المالكية يشترطون لصحة هذه الشركة اتحاد الصنعة ولا تجوز بين مختلفي الصنائع إلا إذا كان عملا الشريكين مثلازمين بأن يتوقف وجود عمل أحدهما على وجود عمل الآخر كنساج وغزال، ويشترطون أيضا اتفاق المكان الذي يعملان فيه.
أما الشافعية فيرون أنها شركة باطلة لأن الشركة عندهم تختص بالأموال لا بالأعمال لأن العمل لا ينضبط، فكان فيه غرر وعدم انضباط إذ لا يدري أحدهما أن صاحبه يكسب أم لا ولأن كل واحد منهما متميز عن الآخر ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده.






**لائحــة المراجــع**
* مراجـع التفسيـر:
-أحكام القرآن للجصاص.
-أحكام القرآن لابن العربي.
-أحكام القرآن للقرطبي.
• مراجـع الحـديث:
-صحيح مسلم.
-ابن حجر العسقلاني (فتح الباري).
-الاستذكار لابن عبد البر.
مراجع الفقه:
-الحـطاب: شرح الشيخ خليل.
-الفروق للقرافي.
-المغني ابن قدامى.

الشركات في الفقه الإسلامي: علي خفيف.
-بداية المجتهد: لابن رشد.
-الدسوقــي: شرح الشيخ خليل.
-حـــدود: لابن عرفة






تعتذر الادارة لعدم معرفة صاحب البحث
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

العودة إلى قوانين خاصة أخرى

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 7 زائر/زوار